Menu
حضارة

عن واجب الانتفاضة

خاص بوابة الهدف

لا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى من يخبره بحاجته لمقاومة المحتل والانتفاض ضده، خصوصًا في ضوء تصاعد جرائم الاحتلال ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، ولكن المؤكد أن الوعي الجماهيري النضالي يدرك جيدًا أن الانتفاضة والفعل الشعبي ضد الاحتلال ليسا مسألةً تقنية تحتاج إلى قرار حكومي أو مرسوم أو بيان لتشتعل، فالمسألة ترتبط باعتبارات كثيرة أظهرتها التجارب النضالية الطويلة لهذا الشعب، في العمل الكفاحي المسلح والجماهيري.

يدرك شعبنا الحاجة إلى تصعيد المواجهة مع الاحتلال، بل ويلحّ في المطالبة بذلك، وتؤكد قواه الحية على ضرورة إزاحة العوائق التي تكبل قدرة هذا الشعب على المواجهة، وفي المقدمة منها سياسة التنسيق الأمني، وحالة التضييق والملاحقة لكل جهد وطني مقاوم، وتصر القيادة الرسمية الفلسطينية على مواصلة الرهانات على مسار التسوية مع الاحتلال، رغم الإعلانات المتكررة للحقيقة التي يدركها الجميع. إنّ مسار التسوية برمته كان أداة وغطاءً للاحتلال كي يتوسع في جرائمه و تغوله على شعبنا وحقوقه. هذا التناقض بين الرغبة الشعبية والموقف الرسمي، لا يعالَج بقرارات أو بيانات تطالب بانتفاضة مفصّلة على مقاس هذا الموقف الرسمي، مكانيًا وزمانيًا وسياسيًا، فرغم أهمية تسييس كل فعل جماهيري، وتثمير كل جهدٍ وطني، إلّا أن الشعوب في النهاية ليست قطعانًا أو "روبوتات" أو موظفين يُساقون بالأمر المباشر.

تحتاج الانتفاضة والجهد الشعبي إلى تنظيمٍ ثوري، لضمان استمراريتها وقدرتها على العمل، كما تحتاج إلى تصليب البناء الوطني والجبهة الداخلية، والأهم من هذا كله تحتاج إلى قرار سياسي من نوع مختلف، قرار يقطع تمامًا الرهان على العلاقات مع الاحتلال، ويبني رهانه الأساسي على الشعب وقدراته وإرادته، وهو أمر من الواضح أنه لم يحدث في الحالة الفلسطينية، فالمواربة هي ألطف تعبيرٍ يمكن استخدامه عن السياسات الرسمية الفلسطينية في هذا الجانب، إذا لم نقل أن جوهرها وقاعدتها لا زالت تستند إلى فكرة استعادة مسار التسوية العبثي، والعودة الآن أو غدًا إلى التفاوض مع الاحتلال.

بهذه الخلفية المثيرة لقلق الجمهور الفلسطيني، والمخيبة لأمله، يبدو من الصعب بناء ثقة حقيقية، وصناعة أمل يدفع جماهير شعبنا إلى الاستجابة لهذه الدعوات؛ إذ تبدو هذه الجماهير متقدمة جدًا على الموقف السياسي الرسمي، المُصرّ على التعالي على الموقف الجماهيري؛ فالمبادرات النضالية والأعمال الكفاحية العفوية والمنظمة كما الأعمال الجماهيرية لا زالت محلًا للملاحقة، والإدانة والتسخيف، من قبل صانع القرار الرسمي.

إن الاتجاه نحو مواجهة الاحتلال شعبيًا ووطنيًا يتطلب بالحد الأدنى موقفًا رسميًا داعمًا لهذه المواجهة، ولتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وإيقاف السياسات الضارة بحقوق شعبنا، والمنحازة إلى اشتراطات الاحتلال، وتلك السياسات المبنية على منطق المزايدة الداخلية المرتبطة بمناكفات الانقسام، أو بالاستعلاء على حق شعبنا وإرادته.

إن استعادة العافية الوطنية يبدأ بالإيمان الجديّ بعدالة القضية وحتمية الانتصار، لا بروح الهزيمة والمناورات المرتبكة على هوامش استبطان الهزيمة، وذلك يحتاج أولًا إلى قرار وطنيّ موحد، يتم العمل على توفير كل متطلبات إنفاذه، قرار بالمواجهة، والتضحية، والانتصار، هذا قرار اتخذه شعبنا منذ أمدٍ بعيد، لكن يتبقى على القيادة الرسمية اللحاق به، واعتناقه بأمانة.