Menu
حضارة

فانتازيا: التحليل السياسي لمنظومة كرة القدم!

هاني حبيب

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

قد يخيب رهان البعض من أنّ ما سيتناوله هذا المقال محاججةً حول علاقة الرياضة بالسياسة، فهذا الأمر لم يعد بحاجة إلى برهانٍ جديد، خاصةً بعد ما شهدناه في الآونة الأخيرة من محاولات اختراق إسرائيليّ للأنظمة التطبيعية العربية من خلال الرياضة. هنا، سنحاول عقد مقارنات ومفارقات وربّما مغالطات حول ارتباط السياسة بالمنظومة الكروية الدولية، هذه المنظومة التي أدت إلى دحض أفكار وأيديولوجيات سائدة، منها على سبيل المثال ما جاء في الأدبيّات الماركسية من أن الدين أفيون الشعوب، بينما في الواقع الراهن، فإن الحقيقة تُشير إلى أنّ كرة القدم هي أفيون الشعوب، وعكس ما جاءت به الماركسية، فإن الطبقات الأكثر تنظيمًا لم تعد الطبقة العاملة، ولا ما تحدث به الماركسي المنشق "هربرت ماركوز"، من أن الطلاب هم الأكثر تنظيمًا في المجتمع، مُعتمِدًا على دور الطلاب في انتفاضتهم الباريسية عام 1968، ذلك أن الواقع أيضًا يدحض المسلّمات السابقة، أو أن ما نشهده اليوم، يُشير بوضوحٍ إلى أنّ "الألتراس"، مُشجعي فرق ومنتخبات كرة القدم، هي الطبقة الصاعدة الأكثر تنظيمًا وقوةً تفرض نفسها، إذا أرادت، على الثورات والاحتجاجات، وهي الأكثر ولاءً ووفاءً لفرقها ومنتخباتها، بإرادة شخصية، فهي وبكلّ حزمٍ وقوة، تقف مع فرقها، مهزومة أو منتصرة، ودوافعها الانتماء لا أكثر ولا أقل.

في المنظومة الدولية لكرة القدم، بإمكاننا ملاحظة أهمية الدور العربي في هذه المنظومة من خلال عدد لا بأس به من اللاعبين اللامعين في الفرق الأوروبية، على وجه الخصوص، والمفارقة أن معظم هؤلاء يلعبون في موقع المهاجمين، على عكس المنظومة العربية الرسمية، التي لا شأن لها في الدفاع ولا في الهجوم.

الاستعمار الأوروبي الذي كان أكثر عنصريةً ضدّ العرب كما ضدّ الأفارقة، وجد نفسه محاطًا بأهم اللاعبين في كرة القدم على ملاعبه، لكن عنصرية جديدة، في فنتازيا لافتة، يمكن ملاحظتها عندما يكون ألتراس هذه الفرق، كما كل المشاهدين في الملاعب من "البيض"، بينما اللاعبون في معظمهم من الدول المستعمرة سابقًا، هؤلاء يُسجّلون الأهداف، بينما المشاهدون البيض يضطرون إلى التصفيق لهم!

نُشاهد مباريات كرة قدم بين فريقين، ونحسب أننا أمام مباراة متكافئة بالنظر إلى أنها تتم أمام أعيننا، في حين أن هذه المباريات تضجّ بعدم المساواة، فهناك الفرق الغنية التي تشتري اللاعبين بالملايين، وهناك الفرق الفقيرة التي بالكاد تستطيع الإنفاق على نفسها، نظنّ أنّها مباراة متكافئة، في حين أن الأمر على خلاف هذا.

وبالعودة إلى اللاعبين، فهم أقل انتماءً ووفاءً من الألتراس والمُشجّعين، فهم يُباعون ويُشترون وفقًا لقانون العرض والطلب، على عكس ما أشرنا إليه حول الألتراس، كما أنهم باتوا جزءًا من صناعة الإعلان، فكل منهم يحمل على قميصه لوحة إعلانات عديدة، تُشير إلى ترسانة هائلة من احتكارات رأسمالية، باتت الفرق والملاعب جزءًا من استثمارات تطال ملكية اللاعب وملكية شركات الإعلانات والأثرياء، وقنوات البث الرياضية.

رأسمالية احتكارية عابرة للقارات تُخضع المُشاهد لإرادتها ونصفق لها بدون تردد، بل بكل الحب والولاء، تستهلك أوقاتنا، كما تستهلك أحاسيسنا وإرادتنا.

أعذروني، لا أستطيع أن أستكمل أفكاري، فأنا على موعدٍ لمشاهدة مباراة هامة، ولكن ليس قبل أن نسجل أنّ أمريكا خارج منظومة الأمم الكروية هذه.