Menu
حضارة

عن الانتخابات والسلوك السياسي الفلسطيني

م. تيسير محيسن

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

انتهت للتو جولة تصعيد أخرى. سيكون لهذه الجولة، التي اندلعت في أعقاب اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي "بهاء أبو العطا" وزوجته، تأثيرها الواضح ليس على عملية الانتخابات التي يجري الحديث عنها والاستعداد لها فحسب؛ وإنما على مجمل الشأن الفلسطيني. في هذه المقالة سوف أتناول موضوع الانتخابات في ضوء بعض ما كشفت عنه هذه الجولة، علاوة على استرجاع بعض مما كتبته في مناسبات سابقة مرتبطة بهذا الشأن-الانتخابات- وله قيمة راهنة.

في الواقع يستحق "السلوك السياسي" الفلسطيني أن يدرس بعمق في ضوء الأحداث المختلفة؛ "لماذا يتصرف الفلسطينيون" على نحو دون آخر؟ هل يتباين سلوكهم فصائليًا؟ ومن وقت لآخر؟ وكيف يفسرون/يبررون ذلك؟ يمكن استخدام المواقف تجاه الانتخابات والتصعيد وسيلة إيضاح. فالانتخابات حدث كاشف للكيفية التي ندير بها شؤوننا الداخلية، والتصعيد دال على كيفية إدارة الصراع مع الاحتلال. "العنترية" لازالت سمة أساسية لخطاباتنا؛ وتسود بيننا لغة "الانتقام والثأر"، نكره صورة "الضحية" ونتمثل قوة لا نملكها. ورغم كل الويلات التي لحقت وتلحق بنا، فالهزيمة لا تنالنا أبدًا، نحن نحقق طوال الوقت سلسة من الانتصارات التي يا للمفارقة، لم تفض إلى شيء حقيقي مفيد لنا على أرض الواقع، مجرد تضخيم للذات و"اقتصاد سياسي" يتشكل حول كل هزيمة لترتع فيه ومنه نخبة مستفيدة، بينما "الضحايا" يقتاتون على الفضلات مكتفين بالأوسمة التي تمنحها لهم النخبة في مهرجانات الانتصار.

ولما كنا بصدد قراءة السلوك السياسي؛ فيمكن في ضوء التجربة استخلاص النمط التالي: فور بروز أي قضية (إصلاح، انتخابات، مصالحة، حوار وطني، اعتداء إسرائيلي،...)؛ بداعي الضرورة الوطنية أو الإلحاحية العملية أو الضغط الخارجي أو الاستحقاق القانوني، يشرع الفلسطينيون في ما يمكن تسميته بعملية "بناء التوافق" الذي يتمحور أساسًا حول المساومات الفصائلية وغالبًا يستغرق وقتًا وربما تدخلت في الأثناء جهات إقليمية. ثم يبدأ العمل بموجب هذا التوافق، وغالبًا لفترة وجيزة، يغلب عليها تلكؤ الأطراف أو بعضها، تربص كل طرف بسلوك الطرف الآخر، سرعة تحلل البعض من الالتزام، تظهير نقاط الخلاف وتضخيمها، ودائمًا يصعب تحديد الطرف الخارج على التوافق، لينتهي الأمر بحملة تحريض مسعورة تحمّل فيها الأطراف بعضها بعضًا مسؤولية "فرط التوافق" مع سيل جارف من التبريرات والذرائع وبالطبع الاتهامات. أورث تكرار هذا النمط نظامنا السياسي (منذ حوارات نابلس أواخر تسعينيات القرن المنصرم) خصيصة "الدوران في حلقة مفرغة"، إعادة إنتاج شلل النظام وعجزه عن تلبية المطالب الداخلية المستجدة، بينما تزداد حساسيته وهشاشته تجاه المؤثرات والضغوط الإقليمية، وأيضًا فقدان الثقة والمصداقية وانعدام المسائلة والمحاسبة.

 منذ عام 1967 وحتى توقيع اتفاقية أوسلو، شكل "الصدام" ضد الاحتلال السمة الأساسية للسلوك السياسي الفلسطيني، بينما حل "تعاقد" منظمة التحرير مع دولة الاحتلال محله، أو محل جزء كبير منه، مع توقيع اتفاقية أوسلو. مع بداية الألفية واندلاع الانتفاضة الثانية شاب العلاقة بين الطرفين نوع من التواطؤ (لا هو صدام ولا هو تعاقد؛ تحللت إسرائيل من التزاماتها وفكت ارتباطها واستخدمت قوة الردع، بالمقابل فشل النظام الفلسطيني في إعادة تعريف ذاته ومن ثم انقسم وقد تحول الصراع إلى عداء بين أبرز مكوناته). في الحالات الثلاثة مارس الفلسطينيون الانتخابات. في 1976 من موقع المواجهة و1996 بناء على اتفاق و2006 من موقع الانصياع للإملاء الخارجي أو الشعور بانسداد الأفق السياسي (لم يقل الإسرائيليون كلمتهم قبل الانتخابات إلا تحريضًا منتظرين النتائج ليمارسوا أكبر عملية تدليس سياسي في تاريخ الصراع). الانتخابات المزمع إجراؤها ليست ضمن عملية تعاقدية؛ أي ليست في إطار مشروع سياسي مع دولة الاحتلال؛ إما أن تكون شكلًا من أشكال الصدام وفتح معركة ضدها، وإما أن تجري بالتواطؤ والصمت انتظارًا لما يمكن أن تسفر عنه لتتخذ هذه الدولة حينها من النتائج حجة وذريعة لسلوك يرضيها أو تخطط له (ضم أجزاء من الضفة، عدوان شامل على غزة، دخول في عملية تفاوض جديدة ضمن سقف منخفض جدا،..).

شخصيًا لست مع إجراء انتخابات حاليًا؛ فإجراؤها سيورثنا، غالبًا، مزيدًا من الخسارات. فطالما أننا لازلنا نعيش مرحلة تحرر، أي أن السمة الأساسية هي التحرر، فسلوكنا يجب أن يتبع هذه الحقيقة وينجم عنها. الانتخابات إن لم تكن تشكل تحديًا للاحتلال فلا معنى لها إلا أن تكون تكريسًا له على نحو من الأنحاء أو تمهيًدا لتمرير مخططات سياسية يجري الحديث عنها في السر والعلن، مع احتمالية انعقاد مؤتمر إقليمي في المنطقة لإغلاق الملفات الساخنة أو لهيكلة الاصطفافات على نحو يعجل بمواجهة حاسمة على مستوى الإقليم برمته. ومع ذلك دعونا نوجه بعض الأسئلة لأنفسنا ونحاول الإجابة بروية وهدوء:

هل تعتبر الانتخابات ضرورة وطنية وحاجة ديموقراطية في ظل الاحتلال؟ أو كيف نجعل منها كذلك؟! وأيضًا، طالما أن الانتخابات السابقة أفضت إلى الانقسام، فهل يمكن أن تكون مقاربة للخروج والتخلص منه؟ وما هي الضمانات؟ هل تفرز الانتخابات قوى جديدة؟ أم ستكون شكلًا من أشكال إعادة إنتاج هيمنة وتفرد الحركتين الحاكمتين المتنفذتين؟

 

التحدي الرئيس هنا، يكمن في الزاوية التي ينظر بها الفلسطينيون نحو "الانتخابات"، وهل هي حقًا واحدة من الضرورات الوطنية والديمقراطية في مسيرتهم الكفاحية من أجل التحرر وبناء الكيانية وتأكيد الجدارة؟ في الواقع تجري الانتخابات في دول مستقلة وتتمتع بدرجة عالية من الاندماج السياسي والتوافق على قواعد وأسس توزيع الخيرات العامة. فلسطين ليست دولة، والتوافق غير متحقق فعلًا. فهل يجترح الفلسطينيون معجزة ويقترحون نموذجهم الخاص: انتخابات بدون سيادة وبدون توافق؟!  

لعل التحدي الذي يواجهنا إلى يومنا هذا؛ أن السلوك العنصري الاستيطاني لدولة الاحتلال يدفع نحو التشكيك بوجودنا أصلًا، ومن ثم بأهليتنا كشعب أو أحقيتنا بهذه الأرض.

يعتقد البعض أن الانتخابات قد تكون أو تشكل أحد أوجه الرد على هذا التحدي: إثبات الجدارة والأهلية الوطنية وشكل من أشكال ممارسة السيادة، تعزيز حرية الاختيار والقدرة على تمثيل الآخرين، وتشكيل مجتمع سياسي تتعزز فيه المساءلة والمشاركة وممارسة النقد، بناء إجماع ينظم التنوع ويمنع تحويل الصراع والتنافس السياسي إلى جبهة عداء مستحكم بين الفاعلين السياسيين. أخذًا بالاعتبار أن الانتخابات إذا ما أجريت لن تحل كل إشكاليات النظام السياسي والحركة الوطنية واستعصاءاتها، أود أن أنهي مقالتي ببعض الملاحظات الإضافية:

  1. إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال وفي غياب الحد الأدنى من الإجماع ودون التصادم معه أو على الضد منه، يعتبر وصفة مؤكدة للتدمير الذاتي وهي انتخابات اقصائية بالضرورة، وتضعف المنعة الوطنية
  2. هناك من يرى أن العلاقة بين الانتخابات والتوافق علاقة جدلية. في حالتنا الراهنة يمكن للانتخابات أن تسهم في تعزيز الوفاق والمصالحة، شرط التوافق فقط على الأسس والضوابط العامة وتأجيل البحث في القضايا الجوهرية الخلافية التي هي محل ولاية المجلسين المنتخبين، الوطني والتشريعي (نقل الخلاف بين المتخاصمين من خارج النظام وعليه إلى داخل النظام).
  3. تكرار الدعوة إلى الانتخابات وفشل إجراؤها طوال عقد ونيف وما رافق ذلك من سلوك ومواقف إنما يعبر عن انعدام قدرة النظام، انهيار ركائز مجتمع الصمود والمقاومة، في ظل تبدل الظرف الكولونيالي وارتقاع منسوب التدخل الإقليمي بما في ذلك توظيف الورقة الفلسطينية ضمن عملية التمحور الجارية.
  4. تتسم الانتخابات في حالتنا بتعقيدين: (أ) جرت وتجري في ظل الاحتلال، (ب) الرهان عليها ليس كآلية لإدارة التعدد والاختلافات فحسب، بل كوسيلة لحل الخلافات السياسية والتباينات العقيدية المرتبطة بالثوابت والخيارات الكبرى، وعليه للانتخابات وظيفتان: (أ) ديمقراطية تمثيلية (التعبير عن إرادة الناس، اختيار الممثلين القادرين، المشاركة والمحاسبة). (ب) سياسية وطنية (تعبئة الموارد، إعادة النظر في البرامج والمواقف، اختبار الجدارة، تدعيم بناء الإجماع). للانتخابات المحتملة، أيضًا، وظيفة أخرى: إنجاح انتقال النظام إلى طور جديد والحيلولة دون إعادة إنتاج حالة الانقسام القائمة فيه حاليًا.
  5. ثمة مفارقة، أن تكريس الانقسام (إعادة إنتاجه وتحوله إلى انفصال) يمكن أن يحدث إذا لم تُعقد الانتخابات، وأيضًا إذا عُقدت في ظل انعدام البيئة الملائمة. إن عدم إجراء الانتخابات هو أمر سيئ جدًا، لكن إجراؤها بدون اتفاق وفي مكان دون الآخر (في الضفة بدون غزة أو العكس) أكثر سوءًا.
  6. من بين عناصر مشروعنا الوطني ثلاثة عناصر: الهوية (توليد هوية سياسية مشتركة وتطويرها والحفاظ عليها في مواجهة سياسة الاقتلاع والتشتيت)، التحرر (تقرير المصير على أرض خالية تماماً من الاحتلال)، بناء الدولة (التجسيد القانوني والمؤسسي لحق تقرير المصير). على النموذج الفلسطيني أن يقول كيف تخدم الانتخابات هذا المشروع ولا تجحف به؟ ناهيك بالطبع عن العناصر الأخرى كالعودة مثلا!.