Menu
حضارة

عن الشعب والأسرى

خاص بوابة الهدف

حين سطر الأسرى والمناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني تضحياتهم، كانوا يدركون جيدًا الأثمان التي سيدفعونها ثمنًا لواجبهم تجاه شعبهم وقضيتهم وقناعاتهم، وأقبلوا على تلك المهمات النضالية غير مترددين، في ظل وعي كامل بوحشية الاحتلال، وتدابيره الإجرامية والإرهابية بحق شعبنا ومناضليه، فلم تكن هذه التضحيات بحث عن مكتسبات شخصية أو مادية، كان بإمكانهم تحصيلها بالسعي الفردي، ولكن رهان على مستقبل أفضل لنا جميعا، بذلت لأجله الأعمار في سجون الاحتلال، وأفنيت الأجساد في زنازينه.

إن تاريخ الشعوب وحركات التحرر الوطني يقول أن هذا خيار ذكي ورابح، ومنطق المستعمر سعى دومًا لتخطئة هذا النهج، وطمس مشاعله، وهذه معادلة تبقى مفهومة كجزء من حقائق الصراع ومسلماته الأكيدة، والمفارقة هنا أن تنقلب "القيادة" على هذا النهج، وتتخذ ما يناقضه من اجراءات؛ فرغم تأكيد هذه "القيادة" في الحالة الفلسطينية على التزامها تجاه الأسرى، إلا أن خطواتها تجاههم كما تجاه شرائح عدة من المناضلين تشكل نكوص خطير، واستسلام أمام سردية الاحتلال. فمجرد البدء في تصنيف وفرز الأسرى في التعامل وأداء الواجبات المستحقة من المؤسسات الوطنية تجاه أي أسير يحمل تبعات كارثية على نضال شعبنا.

لم يكف مناضل عن أداء واجبه لأن راتبه قد قطع، ولن يكف أبناء شعبنا عن التقدم لمواقع الفداء والمواجهة مع المحتل لسبب كهذا، لكننا جميعًا علينا التزام بمواجهة هذا الانحراف عما يمليه الوعي الجمعي لشعبنا. فالتزام هذا الشعب تجاه مناضليه، معنويًا كما هو ماديا لا يمكن السماح بالمساس به او تشويه صورته وحقيقته ومعانيه.

حمل هذا الشعب مناضليه وأسراه وعوائلهم، ووفر لهم على الدوام كل أشكال الإسناد، قبل قيام السلطة الفلسطينية ومؤسساته، وكذلك قبل نشوء منظمة التحرير، ومنذ بدايات نضاله في وجه المستعمر، ولن يعدم هذا الشعب الوسيلة لإلزام هذه المؤسسات بواجبها، وبأولوياته بشإن إنفاق موارده، فهذا جزء لا يتجزأ من نضاله الوطني، ومتطلب أساسي في مسيرته النضالية ضد الاحتلال، فكل قرش قد تلقاه الأسرى ليس منحة أو منة من أحد، بل ليس مجرد راتب مالي يعينهم على متطلبات الحياة التي اعاقهم الاحتلال عن ممارستها، بل التزام من الشعب الفلسطيني تجاه حريته وقضيته والمناضلين في سبيلها، وإشهار واضح لرفضه القاطع لسردية الاحتلال بشأن الأسرى والعمل الوطني الفلسطيني، وهذا الشعب الذي خبر العالم تمسكه بثورته سيثبت مجدداً إنه لن يتخلى عمن مارسها فعلًا وقولًا وتضحية.