Menu
حضارة

فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج7

حاتم استانبولي

صورة أرشيفية

فلسطين ما بين سايكس– بيكو وصفقة القرن )ج7)

المعادلة التي فرضها قرار الانتداب على فلسطين؛ باعتماد الوكالة اليهودية الصفة الاستشارية، هذه المعادلة طرأ عليها تحولات أدت إلى أن الوكالة اليهودية وتفرعاتها المالية والعسكرية والسياسية أصبحت هي التي تحدد ملامح الوطن القومي وتحويل الفكرة إلى دولة يهودية، وأصبح المندوب السامي البريطاني هو المستشار للوكالة اليهودية، وينفذ كل ما تقتضيه مصلحة تحقيق الفكرة الصهيونية الإحلالية.

هذا يطرح سؤالًا كيف واجه الفلسطينيون هذه المؤامرة الصهيونية الإحلالية؟

منذ أن بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تأخذ طابعًا استعماريًا إحلاليًا واجهتها الجماهير الفلسطينية بكل الوسائل، إذ بدأت بوادر المقاطعة لليهود منذ عام 1908 واتخذت طابعًا رسميًا عامًّا في مؤتمر الجمعية الإسلامية المسيحية، الذي انعقد في نابلس عام 1920، هذا الشكل من المواجهة تطور وفي مراحل عدة وأخذ أبعادًا محلية وعربية،أهم محطاتها اجتماع القدس في 27/11/1929، والمقاطعة الشاملة أثناء الثورة 1936 – 1939، والقرار العربي الذي اتخذ في مؤتمر بلودان 1937. وانتقلت المقاطعة واتخذت شكلًا رسميًا من قبل الجامعة العربية في جلستها الثانية 2/12/1945، وشكلت مكتبًا دائمًا وفروعًا في العواصم العربية لمتابعة قرار المقاطعة.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

المواجهة الشاملة للهجرة اليهودية أخذت أشكالها في الصحافة الفلسطينية والأدب والشعر الشعبي، وعبر الأغاني الشعبية وتوظيف الأمثال الشعبية في المواجهة وجميعها كانت تهدف إلى توعية الجماهير الفلسطينية ودفعها إلى عدم بيع الأراضي أو الأملاك إلى الوكالة اليهودية وعملائها.

السؤال الأهم الذي يُطرَح: لماذا لم تنجح كل هذه الأشكال في المواجهة؟ وما هي المعيقات التي حكمت الحركة الوطنية الفلسطينية؟

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس-بيكو وصفقة القرن.. اليهودية في أوروبا وأساس العداء للسامية (ج 2)

قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب التوقف عند الجوهر الفكري لشعار الوطن القومي اليهودي !

إن فكرة الوطن القومي اليهودي تحمل تناقضًا معرفيًا بين مفهومي القومية واليهودية. فالقومية كانت ضرورة فرضها التطورالتاريخي للمجتمعات البشرية، في سياق انتقالها من مرحلة الشكل الإقطاعي إلى الشكل الرأسمالي وشروطه النقدية والسوقية التي فرضت حدودًا قومية تحدد صلاحية السوق للبرجوازيات ونتاجها القومي.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج3)

القومية كمفهوم تحمل في سياقها التعدّد العرقي والديني والمذهبي، واستخدامها كمفهوم لإعطاء صفة قومية للفكرة الدينية اليهودية المنتشرة في كل أصقاع الأرض مغالطة فكرية تتناقض مع الشروط التاريخية لمتطلبات ظهور القومية.

إنّ عدم نقد الأساس الفكري لمفهوم الوطن القومي اليهودي أدخل الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية والعالمية في حالة من الارتباك، وسادت الضبابية والتناقض ما بين القومية كمفهوم له دلالات معرفية ووطنية واقتصادية واجتماعية،تشمل كل مكونات المجتمع، وتجمع مصالحهم في إطار منظومة قانونية تحقق مصالح الفئات الاجتماعية بكل تلاوينها العرقية والدينية والمذهبية، في إطار ما أطلق عليه الدستور الذي أسس لدولة المواطنة المدنية الحديثة. هذا المفهوم القومي يتناقض مع المفهوم الديني الذي يحدد الوطن على أساس الفكرة الدينية التي تحمل إقصاء وإحلالًا، وإلغاءً في الحالة الفلسطينية.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (جـ4)

إنّ فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين حملت بجوهرها فكرة إزاحة وإقصاء وإحلال الذي سيؤدي بدورهإلى الإلغاء. هذه الفكرة التي كانت وما زالت المنبع للعنصرية والفاشية والإبادة الجماعية للقرى والبلدات الفلسطينية.

حلت فكرة الوطن القومي اليهودي مكان فكرة حق الأمم في تقرير المصير؛ هذا الحق الذي أُلغِيَ في الحالة الفلسطينية، ولم تمارس مؤسسات المجتمع الدولي: عصبة الأمم أو الأمم المتحدة هذا الحق للشعب الفلسطيني بكل أطيافه بما فيهم اليهود الفلسطينيون.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج5

الفكرة الدينية هي فكرة شمولية تتخطى الحدود القومية، وهي كانت شرطًا في المجتمعات البدائية والإقطاعية لتصنيف البشر والموقف منهم على أساس العلاقة مع الخالق وليس على أساس موقعهم في عملية الإنتاج الاجتماعي، وكانت تستخدم كفكرة لتبرير الحروب والاستيلاء على الأراضي وفرض الضرائب على الفلاحين الفقراء من قبل الأمراء الإقطاعيين في إطار التعاون مع الكنيسة.

الفكرة القومية بالمعنى التاريخي قلصت من دور الفكرة الدينية وأخرجتها من عباءة السلطة السياسية كمرجع لها، وأخضعتها للسلطة السياسية كأداةٍ لاستخدامها عند الحاجة لها، لمواجهة الأفكار التقدمية التي تشكل خطرًا على رأس المال الاستغلالي ولتغطية شرور حروب الرأسمالية.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج 6)

إنّ قرار إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين هو في الجوهر يحمل بعدًا ثلاثيًا إقصائيًاوإحلاليًاوإلغائيًا للمكون العربي الفلسطيني، عمل على تنفيذه من خلال عمل واعٍ بأدوات ووسائل مالية وسياسية وعسكرية وهجرة جماعية وبشرية، واستُخدِمت الفكرة الدينية لإعادة صياغة الواقع بناءً على حقائق لاهوتية تعود أُسُسها إلى ما قبل 4000 عام.

وعمل رأس المال اليهودي الصهيوني القادم وما تطلّبه من أيدٍ عاملة مُدرَّبة على إزاحةرأس المال الفلسطيني، وفكّك منظومته الإنتاجية في المدن، واستثمر في شراء الأراضي الأميرية من سلطة الانتداب في الوقت التي كانت تُسحَب فيه ملكية الأراضي من الفلاحين الفلسطينيين، تحت دعاوى التشكيك في صكوك الملكية، وتم شراء الأراضي التي تملكها العائلات العربية التي كانت تسكن في ما أُطلِق عليه بعد سايكس- بيكو سوريا ولبنان، بعد أن تم وضع الحدود ما بين سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي، وتحول الانتقال الحر بين هذه (الولايات العثمانية ) إلى انتقال مقيدٍبين حدود الانتداب البريطاني والفرنسي، هذه الحدود التي مزقت النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي، وبدأت بإنتاج مفاهيم محلية نقيضة للثقافة الجمعية القائمة التي كانت تسود في مجتمع بلاد الشام.

المظهر العام للاقتصاد الفلسطيني الذي كانت تسوده العلاقات الإقطاعية تعرض لحملة تفكيك واستيلاء وتهجير نتيجة لسياسات الاستعمار البريطاني،بتواطؤٍ معلن مع الوكالة اليهودية التي كانت تستحوذ على 90% من الامتيازات التي تمنحها حكومة الانتداب البريطاني، التي بلغت توظيفاتها النقدية 5789000 جينه، واستخدمت 2619 أجيرًا .(1)

الأرقام الإحصائية لهجرة رأس المال الصهيوني بين 1932 إلى 1936 تُبيّن أن 1380 مهاجرًا يهوديًا يملكون أكثر من ألف ليرة فلسطينية و17119 ألفًا يعتمدون عليهم، و130 ألفمهاجر وُصِفوا رسميًا بأنهم قادمون للاستخدام أو مُعتمدون على هؤلاء القادمين أو على مهاجرين سبقوهم. (2)

الإزاحة لرأس المال الفلسطيني بلغت ذروتهاخلال الأعوام بين 1932 و 1945، إذ اشتدت حملة الهجرة اليهودية وكانت أكثريتها من ألمانيا؛ هذه الأعداد التي كانت تحمل أموالها ورافقتها عمالتها المدربة وتمركزت في المدن الفلسطينية وبدأت بحملة إزاحة لرأس المال الفلسطيني .

ففي عام 1935 كان اليهود يسيطرون على 872 مؤسسة صناعية في فلسطين من أصل 1212، يستخدمون فيها 13678 أجيرًا، فيما كانت المؤسسات الفلسطينية وعددها 340 تستخدم 4000 أجيرًا. وكان يبلغ التوظيف الرأسمالي اليهودي 4391000 جينه فلسطيني، مقابل 704000 جينه فلسطيني لتوظيفات رأس المال الفلسطيني.( 3)

المدقق في هذه الأرقام وغيرها، التي وردت في(دراسة الشهيد غسان كنفاني ثورة 1936 -1939) يستخلص أن رأس المال الصهيوني المهاجر إلى فلسطين لعب دورًا في إزاحة رأس المال الفلسطيني، وبدوره فقد أزاح العمال الفلسطينيين من عملية الإنتاج الاجتماعي الصناعي والزراعي .

هذه نبذة مختصرة (للأرقام الإحصائية)، تٌظهِر الآثار التدميرية التي لحقت بالاقتصاد الفلسطيني بشقيه الزراعي والصناعي نتيجة السياسيت المزدوحة الممنهجة للانتداب البريطاني والوكالة اليهودية ذراع الحركة الصهيونية في فلسطين.

كيف انعكست عملية الإزاحة والإقصاء على المجتمع الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة؟

المجتمع الفلسطيني الذي عانى كما عانت كل المجتمعات العربية التي كانت تحت حكم الخلافة العثمانية، التي كانت تحكم هذه المجتمعات بقوة الفكرة الدينية التي شكلت الناظم والمعيار لحكم الخلافة الإسلامية، بغض النظر عن مكانها وتنقلاتها عبر الزمان والقوى الاجتماعية التي كانت تحكم من خلالها.

عندما خرجت الخلافة الإسلامية من الحيز المكاني الذي أنتجها، وانتقلت إلى خارج نواتها الاجتماعية، انعكس هذا سلبًا وبشكل مضطرد على المجتمعات العربية، مما أدخلها في مرحلة انطواءٍ وتآكل داخلي وركود فكري، وسيطرةً لقوى اجتماعية من خارج السياق التاريخي الاجتماعي العام الذي كان يحكم المكان عبر الزمان.

في هذه المرحلة استخدمت الفكرة الدينية بشكل غير مسبوق لتعميم الجهل العام ومحاربة كل ما يتعارض مع مركز الخلافة، واستثمر في مخزونها البشري وثرواتها لتمويل حروب السلطنة العثمانية .

هذا الوضع العام الذي حكم المجتمعات العربية ومنها المجتمع الفلسطيني، الذي كان يشكل مع جزءٍ هامٍ من 4 مراكز تمتد من بغداد إلى دمشق وفلسطين والقاهرة، هذه المراكز التي كانت تتبادل وتتداخل بينها الأدوار؛ فليس غريبًا أن تجد حركة سياسية أو ثقافية في القاهرة أو دمشق أو بيروت أو حيفا أو القدس أو بغداد لا يكون فيها تداخلٌ عروبيّ واضح المعالم، ناهيك عن النشاط الاقتصادي الذي كانت تشكله الموانئ الفلسطينية وشركات التبغ والزيوت ومشاريعُ كالكهرباء والصابون وغيرها، إذ كانت تعتبرعامل جذب لمحيطها السوري اللبناني لاستقطاب عمالتها .

 

كل هذه الصور كانت متداخلة في ظل الدولة العثمانية، وبدأت بالانقلاب عندما خضعت لتقسيم سايكس- بيكو الذي رُسِم بدقة بين الاستعمار الفرنسي والبريطاني المختلفان من حيث الجوهر الثقافي والمعرفي .

والجدير بالذكر أنّ في مرحلة صعود الرأسمالية وظهور الإشتراكية وتراجع حاسم للفكرة الدينية وتأثيرها في النظم السياسة الأوروبية، وفرض شروط قاسية على النظام التركي الجديد بعد خسارته الحرب العالمية الأولى أدت إلى إعادة رسم حدود الدولة التركية الحديثة، ودعمت اتجاهاته العلمانية. نرى قوى الاستعمار الجديد دعمت فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، هذا التناقض في السلوك يكشف رغبة مشتركة من رأس المال اليهودي (الصهيوني) لاستخدام فكرة الوطن القومي المغلف باليهودية وتحويلها إلى دولة يهودية، تكون ملاذًا آمنًا لرأس المال المالي والعيني (كالذهب والألماس). وإعادة إنتاج المُرابِي اليهودي من خلال المنظومة المالية البنكية، التي اعتمدت في التبادل التجاري بين الدول هذه المنظومة المالية، التي تعاظم دورها في حل التعارضات بين النظم الرأسمالية، واستُخدمت كأداة لإخضاع الدول الناشئة لإعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية غير المباشرة.

فكرة الوطن القومي التي سوّقت لها الصهيونية تحت شعارها التضليلي: "أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرض"، كانت تعي أن تحقيق شعارها لا يمكن أن يمر إلا بأربع مراحلَ؛ تبدأ بالإقصاء الشامل ثم الإحلال ويليه الإلغاء من خلال الإلحاق.

الحركة الوطنية الفلسطينية تبلورت في خضم الصراع مع المشروع الصهيوني المدعوم بشكل واعٍ من قبل الانتداب البريطاني الذي كان يسعى من خلال هذا التوطين إلى إيجاد كيانٍ من خارج سياق النسيج الاجتماعي للمنطقة، ليشكل عامل أمانٍ لاستمرار هيمنتها على ثروات المنطقة، التي بدأت تتكشف ثرواتها الباطنية في العراق والجزيرة العربية.

حكَمت الحركةَ الوطنية الفلسطينية بين 1918 وحتى عام 1948 عدةُ اتجاهاتٍ تعبر عن مصالح القوى الاجتماعية الفاعلة في فلسطين،أبرزها كان :

  1. البرجوازية الإقطاعية المدنية: التي عبرت عن نفسها بمجموعة من الأحزاب (الأحزاب الستة) وحواضنها وتأثيراتها السياسية والإعلامية، هذه الأحزاب التي تعارضت مصالح قياداتها مع بنيتها الاجتماعية القاعدية التي تأثر قسمٌ كبيرٌ منها بحركة القسّام، وشكلت عامل ضغطٍ على قيادتها لدفعها إلى أخذ مواقف أكثر جذرية خلال ثورة 1936.
  2. الاتجاه الديني التقليدي .
  3. الحركة القسامية.
  4. الحزب الشيوعي الفلسطين.

 

أولًا/الاتجاه الديني التقليدي: الذي سارع إلى أخذ شرعيته من المندوب السامي ممثلًا بالمفتي وحاضنته الاجتماعية، والذي كان يرى ان الخلاف مع المستعمر البريطاني يقوم على أساس الموقف من الهجرة اليهودية. ويطالبه بالعمل على وقفها أو تحديدها. هذا الاتجاه لم يدرك المخاطر الوجودية الإقصائية والإحلالية التي تحملها فكرة الوطن القومي اليهودي. وأخذَ خلافُه مع المستعمر البريطاني يتطور مع اشتداد عملية الهجرة الإقصائية والإحلالية، لكنه حكم علاقته مع المستعمر البريطاني من على قاعدة الخصومة وليس العداء التناحري.

هذا الموقف الذي فرض تناقضًا مع حركة الجماهير الفلسطينية، التي كانت تعاني نتيجة سياسات ثنائية الاستعمار البريطاني- الصهيوني. هذا الاتجاه الذي هيمن باستخدام الغطاء الديني من جهة والعنف ضد الحركة العمالية اليسارية في المدن من جهة أخرى، والذي وصل إلى حد تصفية قادتها (كان مسؤولًا عن اغتيال: ميشيل متري- رئيس جمعية العمال العرب في يافا في أوائل الثلاثينيات، وسامي طه- رئيس جمعية العمال العرب في حيفا).( 4 )

وهذا الاتجاه كانت تربطه علاقات متينة مع النظم العربية التي أقامها الاستعمار البريطاني في إطار سايكس– بيكو،والتي لجأ إليها الاستعمار البريطاني لإخماد ثورة الشعب الفلسطيني 1936-1939. والرسائل (5) التي أُرسِلت إلى القيادة الفلسطينية تطالبها بإنهاء العصيان المدني والمسلح أظهرت مدى الدور الذي لعبته هذه الأنظمة، منذ مرحلة مخاض ولادتها الصناعية،في التعاون مع المستعمر لإجهاض المجابهة الوطنية لثنائية الاستعمار البريطاني– الصهيوني في فلسطين.

ثانيًا/ البرجوازية الإقطاعية المدنية: التي رأت في المفتي غطاءً دينيًا لفعلها السياسي. وتطور موقفها من الهجرة اليهودية بقدر ما كانت مصالحها ووجودها يتأثر بسبب هجرة رأس المال الصهيوني، وتوغل سياسات المندوب السامي؛ الذي كان يعطي الأولوية للمنتَجات الصهيونية ويفتح لها الأبواب عبر التضييق على المنتجات الفلسطينية.

اشتد الصراع وتهاوى دور البرجوازية الفلسطينية بعد أن تعاظمت هجرت اليهود الألمان، الذين جاؤوا برؤوس أموالهم، بين 1932- 1939. وبقدر تراكم رأس المال لليهود القادمين من الدول الأوروبية وتوظيفه في الاقتصاد الفلسطيني، كانت تجري عملية إزاحة وإقصاء واعٍ لرأس المال الفلسطيني، وانعكاساته على فقدان العمال والفلاحين الفلسطينيينوظائفَهم وإخراجهم من عملية الإنتاج الاجتماعي.

إن عملية التدمير الممنهج للاقتصاد الفلسطيني أدت إلى تقليص مصالح ونفوذ وتأثير البرجوازية الإقطاعية، وتحول قسمٌ منها إلى وكلاء للمنتجات البريطانية والصهيونية، ما أوجد الفئة العميلة التي تداخلت مصالحها مع ثنائية الاستعمار البريطاني– الصهيوني .

هذا كان أحد الأسباب الهامة الذي جعل مصالح "البرجوازية الفلسطينية الإقطاعية والمدنية" و"الاتجاه الديني" تتلاقىمع دعوات الإضراب العام الذي كان مدخلًا لثورة 1936-1939.

ثالثًا/ العلاقة التي حكمت اتجاه البرجوازية الإقطاعية المدنية والاتجاه الديني التقليدي مع المستعمر البريطاني قامت على أساس الخصومة (التعارض)، وليس التناقض التناحري. وكانت تسعى في كل المحطات إلى تأكيد ولائها لحكومة الانتداب، وفي سلوكٍ كان واضحًا؛ عندما تخلفت عن المشاركة في الجنازة الجماهرية الحاشدة للقائد عز الدين القسام، في إشارة أرادت بها توجيه رسالة إلى حكومة الانتداب تُعبّر بها عن عدم موافقتها على الشكل النضالي الذي مارسته حركة القائد عز الدين القسام. وأرسلت وفدًا يمثل أحزابها ليقدم ورقة مطالب، اشترطت وحذرت أن عدم تنفيذها سيلغي دورها ونفوذها، في عملية ابتزاز واستثمارٍ واضحة لاستشهاد القائد الوطني العروبي الفلسطيني الجيفاري عز الدين القسام. (6)

هنا، لا بدّأن نُذكّر بأن المستعمر البريطاني والوكالة اليهودية أوجدا فئةً من التجار الفلسطينيين، الذين ربطتهم بمصالحها النفعية، ووظفتهم وكلاء لمنتجاتهما، ومنهم من استُخدِم واجهةً للوكالة اليهودية لشراء الأراضي، لنقل ملكيتها إلى الوكالة اليهودية التي وزعت قسمًا منها على المهاجرين القادمين، والأكثرية من هذه الأراضيأقامت عليها "الكيبوتسات" الزراعية الجماعية، في عملية إزحةٍ وإقصاءٍ للفلاحين والمزارعين الفلسطينيين من عملية الإنتاج الاجتماعي، وتركوا قراهم وأعمالهم وأصبحت حياتهم في مهب الريح، وكانوا مادة ثورة1936- 1939.

المصدر 1,2,3,4,5,6 كتاب الشهيد غسان كنفاني ثورة 1936-1939