Menu
حضارة

الانتخــابــات الفلسطينية بين تجديد الشرعيات... وتأبيد ذات السياسات

ابو علي حسن

لجنة الانتخابات.jpg

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

 لم يزل الحديث المتواتر عن الانتخابات الفلسطينية في مناطق السلطة الفلسطينية "الضفة وغزة" و القدس , يأخذ جدلًا لا يتوقف بين متفائل ومتشائم من استحقاقها فعليًا, وتناول التعقيدات والعراقيل التي تقف أمام إمكانية قيامها في الأمد المنظور. ولا يتوقف الجدل عند حدود التشاؤم والتفاؤل والعراقيل, إنما يمتد إلى المكاسب والمصالح من وراء هذه الانتخابات لكل من حركتي فتح وحماس, لا سيما وأنهما يبحثان عن شرعية سياسية من الشعب الفلسطيني بعد ما فقداها مع انتهاء ولاية المجلس التشريعي الزمنية, فضلًا عن حلّه بقرار رئاسي قبل أكثر من سنة... ويمتد الجدل إلى العديد من الأسئلة لمواقف الطرفين الرئيسيين في الانقسام, وتكتيك كل طرف في شكل ومضمون الموافقة أو الرفض للانتخابات, بيد أن سياسة حافة الهاوية في مواقف الطرفين قبل وبعد المرسوم الرئاسي, لا زالت هي السائدة, وهي سياسة الصراع على الشروط والآليات والمضامين للعملية الانتخابية.

    ومن نافل القول أن الانتخابات في أي بلد من البلدان هي مظهر من مظاهر الديمقراطية, بل هي أحد أهم عناوين التجارب الديمقراطية، وهي آلية مهمة في تعزيز الحريات العامة, وضمان حرية الاختيار للأشخاص والبرامج السياسية والاجتماعية التي سيكون التنافس الانتخابي عليها, وأية تجربة انتخابية لبلد ما ليست إلا حالة إفراز وانعكاس لحالة ديمقراطية أشمل وممارسة في المجتمع وتعكس في ذات الوقت المناخ الإيجابي السائد, وعلاقة الحكم بالمجتمع والقانون...

   في هذه العلاقة بين الانتخابات كمظهر سياسي واجتماعي, والحالة الديمقراطية السائدة, هل يمكن القول أن العملية الانتخابية المراد إجرائها في المناطق الفلسطينية تعكس حالة ديمقراطية قائمة في المجتمع الفلسطيني...؟ أم أنها قرار فوقي من أعلى, له من الأهداف السياسية والأمنية, وتمكين قوة السلطة في المناطق الفلسطينية دون ضمان الحريات العامة واقعًا وما بعد الانتخابات؟!

   وعليه ربما يصعب القول أن إجراء الانتخابات قبل تعزيز التجربة الديمقراطية واقعًا هو خيار صحيح, وقبل إنهاء الانقسام, ومن البداهة أن الانقسام ليس عمل أو سلوك ديمقراطي, إنما هو عمل لا ديمقراطي مسنود بالقوّة وفرِض عنوة على الشعب الفلسطيني.

   ومما لا شك فيه أن الدعوة إلى إجراء الانتخابات من قبل السلطة الفلسطينية (فتح) تفتح المجال لعشرات الاسئلة ذات الصلة, والتي تبحث عن كنه ومآلات الانتخابات والرؤى المختلفة حولها, لماذا الدعوة للانتخابات الآن وليس قبل...؟ على قاعدة أن فترة المجلس التشريعي قد انتهت منذ سنوات وكذلك الحال فترة الرئاسة قد انتهت أيضًا منذ سنوات...فلماذا التأخير...؟ ولماذا الآن...؟ هل هناك ضغوط إقليمية ودولية وعربية على السلطة لإجراء الانتخابات في هذا الوقت بالذات...؟ هل هناك حسابات داخلية لدى السلطة الفلسطينية والرئيس قد فرضت نفسها للدفع بإجراء الانتخابات اليوم قبل غدًا...؟ وقبل هذا وذاك من الأسئلة, هل الدعوة إلى الانتخابات دعوة جدّية...؟ أم هي في سياق المناورات السياسية والعكّ السياسي لإشغال الرأي العام الفلسطيني, وفي سياق سياسة الصراع مع حركة حماس وحشرها في الزاوية, وتحميلها مسؤولية استمرار الانقسام...؟

    أما إذا كانت الدعوة جدّية مفترضين حسن النية والمقصد, فما هو الهدف منها...؟ إن كافة المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية تشير إلى أن السلطة الفلسطينية تعيش مع أكثر من أزمة, حيث الأزمة الوطنية المتمثلة في أن السلطة في أدائها السياسي مع العملية السياسية, تدور في حلقة مفرغة؛ فالمفاوضات مع العدو الصهيوني متوقفة منذ سنوات دون بدائل, والسلطة والمجلس المركزي والوطني غير قادرين على تنفيذ قراراتهم المأخوذة من سنوات بفك الارتباط مع الاحتلال, وإنهاء التنسيق الأمني وخلافه, أي أن السلطة الفلسطينية تفقد تدريجيًا مصداقيتها أمام الشعب الفلسطيني, هذه الأزمة مترافقة مع أزمة الانقسام الحاضر بقوّة في كل مناحي الحياة الفلسطينية سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا وماليًا, فالسلطة في موقع الاتهام في معاملتها مع أهل القطاع, لا سيما في الرواتب والعقوبات...إلخ. والسلطة متهمة بمسؤوليتها عن استمرار الانقسام حين تقول (إما أن نستلم كل شيء في غزة أو لا شيء) عبر سياسة التمكين, مما يجعلها متساوية في مسؤوليتها مع حماس في استمرار الانقسام, كما أن السلطة تعيش أزمة قصورها على مواجهة الاحتلال لمنع القتل والاعتقال والمطاردة للشباب الفلسطيني ومحاصرة القرى والمدن الفلسطينية دون قدرة السلطة على ردع الحملات الإسرائيلية اليومية مما يخلق رأيًا فلسطينيًا عامًا غاضبًا ضد السلطة وعجزها عن حماية مواطنيها.

   ولا يحتاج الأمر أيضًا لاكتشاف عناوين عديدة للأزمة الشاملة لدى السلطة الفلسطينية ولا سيّما الأزمة المالية وعجز الموازنات والرواتب والمقاصة التي رفضت السلطة استلامها منقوصة, ثم انصاعت أمام هول الأزمة المالية, فاستلمتها منقوصة...!!

   من الثابت أن كل تلك المظاهر من الأزمة لدى السلطة الفلسطينية قد دفعها للبحث عن مخارج سياسية وداخلية لمغادرة الأزمات ولو مؤقتًا, ولكن بتفويض شعبي يتمثّل في الانتخابات, ومحاولة تجديد شرعية السلطة ورموزها, وسياساتها, للانتقال من مرحلة الأزمة والمراوحة في ذات المكان إلى مرحلة المبادرات السياسية الجديدة بغطاء الشرعية الجديدة, وفتح اتوسترادات سياسية جديدة لا تبتعد عن ماراثون أوسلو.

   وفي السياق ذاته, قد تستهدف الدعوة إلى الانتخابات محاولة إرباك حركة حماس وتحميلها مجددًا وباستمرار مسؤولية حالة الانقسام, ظنًا من السلطة بأن حركة حماس سوف ترفضها, الأمر الذي يبرهن ويوفّر الدليل على مسؤولية حماس عن استمرار الانقسام, وحشرها في الزاوية أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي, أي وضع حماس في قفص الاتهام. ولما كانت حماس تعي ربما مناورات السلطة الفلسطينية وغاياتها, فإنها على الفور استجابت للدعوة, وتوافقت مع الفصائل على الرؤية, لإسقاط غايات السلطة, ورد الكرة إلى ملعبها...!! لكن السلطة الفلسطينية استمرت في دعوتها إلى أجراء الانتخابات لإيصال حماس إلى الجدار المسدود, فأرسلت حنّا ناصر إلى غزة للتأكيد على إصرار السلطة على العملية الانتخابية, وهنا مجددًا أعطت حماس مع الفصائل موافقتها على الانتخابات ضمن تصوّر وشرط لقاء القيادة الفلسطينية قبل المرسوم الرئاسي, إلا أن الرئيس أصرّ على المرسوم الرئاسي قبل لقاء الفصائل, لإفراغ لقاء الفصائل من أي معنى بعد أن يعلن المرسوم الرئاسي, واستمرت لعبة عضّ الأصابع في الشروط والآليات بين الطرفين, فانصاعت حماس إلى الاستجابة للعملية الانتخابية بصرف النظر عن الشروط "تصريح هنية" وبغض النظر عن اجتماع الفصائل، حيث أكّد السيد هنية, وكذلك السيد السنوار بأنهما لن يعطّلا العملية الانتخابية في غزّة، ولن يكونا حجر عثرة أمامها, وسيعملون على تذليل كافة العقبات أمامها.

    ما الذي يفسّر هذه الاستجابة لحركة حماس لموضوع الانتخابات, وبدون أيّة شروط...؟ من الثابت أن حركة حماس تمارس التكتيك, والاستراتيجيات في آن واحد, فهي من جهة لن تعطي السلطة الفلسطينية في رام الله أي ذريعة أو ورقة تستخدمها في مواجهتها لا محليًا ولا عربيًا ولا دوليًا, وهي وفق هذا التكتيك القائم على قناعة أن فتح والرئيس يناوران في موضوع الانتخابات, فإنها تنزع كل أوراق المناورات والأسلحة من يد السلطة, ومن جهة أخرى هي تمارس استراتيجيا التمكين القائمة على قناعتها بأن الانتخابات لو حصلت فإنها لن تكون ضدّها, إنما ستنافس حركة فتح وكل القوى, "وستفوز" عليهم جميعًا في غزة والضفة؛ الأمر الذي يمكنّها من جديد الحصول على أغلبية المجلس التشريعي, وهي بهذه النتيجة تكون قد حققت شرعيتها من جديد بالطريق الديمقراطي الذي ارتضته القوى الفلسطينية, ومباركة إقليمية ودولية, مما يجعلها تملك الرقم الصعب في المعادلة الفلسطينية, وإما أن تفوز بأقل من الأغلبية، أي أقلية وازنة, وهي بالأغلبية الوازنة تصبح مكوّن سياسي طبيعي من السلطة الفلسطينية, وهو خيار أفضل من غياب الشرعية عنها.

   وفي كل الأحوال سواء حصلت على الأغلبية أو الأقلية الوازنة فإنها ستبقى محتفظة بنفوذها في غزّة سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا, وسيبقى سلاحها بيدها, هذه الرؤية الحمساوية هي التي تفسّر تدرّجها  في الموقف المشروط إلى الاستجابة الغير مشروطة.

الانتخابات والاستحقاقات الوطنية...

   ربما من غير المنطقي الحديث عن إجراء الانتخابات بمعزل عن الشروط الوطنية ومقاومة الاحتلال, وكأنها البلسم الشافي من كل الأزمات الوطنية, فهي التي ستحقق الديمقراطية...! وهي التي ستنهي الانقسام...! وهي التي ستنهي الأزمة الاقتصادية والسياسية...إلخ. فالتجربة السابقة للانتخابات والمجلس التشريعي قد قالت كلمتها بأن الانتخابات ليست هدفًا بحدّ ذاتها, وهي ليست حلاّلة العقد الوطنية, لأسباب أصبحت معروفة, تتعلق بأم المصاعب والمتاعب أوسلو... فالأصل أن استحقاق الانتخابات الفلسطينية هو ما نصّ عليه في وثيقة إعلان المبادئ/ أوسلو عام 1993, واتفاقية المرحلة الانتقالية في 28/ديسمبر/1995, حيث نصّت على أن أحد أهداف عملية المفاوضات هو إقامة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية تتمثّل في مجلس فلسطيني منتخب, ليمارس سلطات وصلاحيات في مجالات محدّدة, ومتفق عليها لمدة خمس سنوات انتقالية...!

   وتنصّ هذه الوثيقة على (أن لهذا المجلس حق الولاية على كل الضفة والقطاع, ما عدا القضايا المتروكة لمفاوضات الحل الدائم, وهي القدس والمستوطنات والمواقع العسكرية...إلخ من النص)...على ذلك فإن الانتخابات المنوي إجراؤها هي امتداد لفكرتها الأساس في وثيقة المبادئ, أي أنها فكرة خادمة لإدارة الحكم الذاتي الإداري المحدود, وخادمه لاتفاق أوسلو, وهي مطلب الأطراف الموقّعة والضامنة لأوسلو, بغضّ النظر عما تفكّر فيه الآن الأطراف المتحفّزة للانتخابات.

   إن المنطق الوطني والسياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في عام 1999, أن يصار إلى إعلان الدولة الفلسطينية, وتحقيق الاستقلال التام, وبقطع حبل التبعية مع الاحتلال كليًا, بيد أن هذا لم يحصل ومضى عشرون عامًا على انتهاء الفترة الانتقالية دون حد أدنى من التقدّم على مسار الاستقلال التام, هذا الأمر يقودنا إلى القول أن استحقاق العملية الانتخابية بالضرورة أن يكون قائمًا على برنامج سياسي متوافق عليه, يدفن اتفاق أوسلو, ويقطع مع كل شروطه وتبعاته, وأن نبدأ مرحلة جديدة من بناء شروط الاستقلال مع الاحتلال, وهذا لا يتأتّى إلا عبر الانعتاق كليًا من تبعية السلطة مع الاحتلال, اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا, وعلى كل المستويات من أجل الإقدام على إعلان الدولة الفلسطينية.

   إن تغييب الاستحقاقات الوطنية عن موضوع الانتخابات, هو إمعان في ذات المجرى وذات السيناريو القائم منذ ربع قرن, ومن هنا فإن الانتخابات تتحول إلى ملهاة فلسطينية جديدة, ومحاولات للبحث عن شرعيات مفقودة.

   وهنا من الضرورة التأكيد بأنه ليس كافيًا أن توافق حماس, وحركة فتح على إجراء الانتخابات حتى تصبح أمرًا واقعًا, فالثابت أيضًا, أن هناك جملة من العقبات والعراقيل تقف أمام العملية الانتخابية:

  • لا زالت حسابات الربح والخسارة لدى فتح تمثّل عاملًا مهمًا في الدفع باتجاه إنجاز هذا الاستحقاق, أو رفض هذا الاستحقاق وإيجاد مبررات لإيقافه, فثمّة معطيات تشي بأن هناك خلافًا لدى بعض قيادات السلطة وفتح حول احتمالات الربح والخسارة.
  • لم يزل العامل الإسرائيلي يشكّل عاملًا آخر في عرقلة الانتخابات أو تسهيلها وفق مصلحته ومدى تحليلاته في حال فازت حركة فتح أو حركة حماس, وكيف سوف تتعاطى "اسرائيل" مع الفائز, وأيهما أفضل... وبالتالي فإن موقفها سيكون قائمًا على المقاربة بين الفائزين وسهولة التعامل معهم, إضافة إلى حسم مسألة مشاركة القدس في العملية الانتخابية.
  • إن دخول دحلان "وفتح الإصلاح" على خط الانتخابات, وعزمه على الدخول فيها, قد يدفع بعض الأطراف ولا سيما فتح للتوقف مليًّا أمام احتمالات النتائج, ولا سيما وأن دحلان سيدخل بقوّة في غزة والضفة تحت عنوان التنافس مع فتح, واستخدام المال السياسي بقوّة في ذلك.
  • ما من شك إن الحسابات الإقليمية والدولية لها دور في الدفع أو التأجيل لإجراء الانتخابات, ارتباطًا بحساباتها, ومراهناتها, وتخوفاتها من النتائج لغير غاياتها ومصالحها... فالثابت أن مصر لها حساباتها, وتركيا وقطر لهما حساباتهما, والغرب وأوروبا لهما حساباتهما أيضًا, حيث تتحول هذه الحسابات إلى مواقف ونصائح بإجراء أو عدم إجراء الانتخابات.

   في كل الأحوال لا زال هناك مسافة زمنية ما بين الدعوة, والاستحقاق الانتخابي, قد تلعب فيه عوامل كثيرة, ما يؤخر أو يقدم العملية الانتخابية.

  وفي كل الأحوال أيضًا, فإن المال السياسي سيكون في هذه الانتخابات  -حال جرت- حاضرًا بقوّة ولاعبًا أساسيًا في ترجيح من يفوز، ومن يحقق أعلى نسبة من الأصوات والخاسر الأكبر هم فاقدي المال لا الفكرة.