Menu
حضارة

العراق ولبنان: احتكار الفساد المعولم

موسى جرادات

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

منذ أكثر من شهر برزت أحداث كبرى في مسار حركة الشعب العراقي واللبناني، بحيث خرجت أصوات الناس معلنة رفضها الكلي لكل مسارات الدولة وآليات عملها، هذا الرفض عبرت عنه احتجاجات كبرى طالت مختلف المدن والأرياف في كلا البلدين.

وعلى الرغم من اختلاف أدوات القمع بين البلدين لتلك الاحتجاجات، إلا إنها في المحصلة النهائية تبدو خطوط الأزمة متشابه إلى حد التطابق في مسببات الأزمة الطاحنة التي تعصف في بنى اقتصاديات الدولتين.

ف العراق ولبنان تحكمهما صيغ توافقية تقوم على المحاصصة الطائفية داخل مؤسسات الدولة، في نظام سياسي قائم بالشكل على ديمقراطية مزيفة هدفها إعطاء صبغة ديمقراطية تبرر مسار الفساد المتنامي بحيث تحوّل إلى غول نهش لحم الدولة والمجتمع وتطاول على البنى القيمية المجتمعية وحولها إلى رماد.

والفساد بمعناه العام في كلا الحالتين تطاول على كل شيء بحيث تجاوز في تعبيراته العملية حدود الاقتصاد والاجتماع والسياسة ليذهب أبعد من ذلك ليطال مشروعية بقاء الدولة التي وصلت في نهجها العام حد الإفلاس، فهي غير قادرة على تجاوز أزمتها بنفس المنطق المتبع وهو اللجوء إلى شروط صندوق النقد الدولي الذي يقترح دومًا حلولًا لتلك المشاكل تزيد من تعمق الأزمة وأوصلها إلى حدودها القصوى.

وقبل والولوج إلى تفاصيل المشهد والحراك الشعبي الذي يرفع شعارات كبرى في وجه الطبقة السياسية الحاكمة في كلا البلدين، لا بد من الإشارة إلى أن الشعب العراقي واللبناني الذي سبقه في تبني هذه الصيغة في الحكم، لم  يكن لهما أي دور أو مشورة في قيام هذا الشكل الطائفي للحكم، ففي لبنان منذ إنشائه ولاحقًا عبر وثيقة الطائف التي أعادت إنتاج النظام الطائفي من جديد، اتخذ النظام السياسي مشروعيته عبر التوافقات الإقليمية والدولية، فيما العراق تم صياغة النظام الطائفي فيه مباشرة بعد غزوه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2003، وعليه يمكننا القول إن هذه الصيغ جاءت لتخدم بشكل واضح دول السيطرة الغربية، بحيث أبقت تلك البلدان تحت مظلة التوتر الدائم، وبقيت النظم السياسية تنتج الأزمات المتلاحقة بحيث تحول المشهد إلى دراما تتكرر فيها الأحداث.

فكل الأحداث المتلاحقة في كلا البلدين تؤكد أن النظام السياسي مرتهن لتلك القوى وخاضع لهيمنتها شبه الكلي، فيما المجتمع اللبناني والعراقي تحولا إلى ضحايا لهذا الارتهان، وانطلاقا من وعيهما الاقتصادي خرجت الحشود الشعبية إلى الشوارع بعد أن وصلت الأزمة ذروتها، بحيث تعطل النظام السياسي وأصيب بانسداد الأفق، فلا هو قادر على الاستمرار ولا هو قادر على اجتراح حلول إبداعية تطيل في ديمومة بقاء النظام ولا هو قادر على الاستجابة لشروط المهيمن، الذي يجهد إلى تحقيق هدفين أساسيين من الطبقة السياسية الحاكمة في كلا البلدين؛ الهدف الأول: إبعاد إيران عن المشهد. والثاني: فرض استسلام سياسي واقتصادي وثقافي يملى على الشعبين.

وما بين تلك المسارات تبدو خطوط الأزمة تتداخل ما بين المحلي والإقليمي والدولي، في محاولة أخيرة لرسم حدود الملعب واللاعبين والقوانين الناظمة الجديدة، فهل ينجح المهيمن الغربي وبالتحديد الأمريكي والفرنسي في تثبيت خطوطه العريضة أمام قوى سياسية متعارضة في كلا البلدين؟ أم إن الأزمة تتجه إلى حروب أهليه طاحنة تنتهي في انهيار الدولة وتآكل المجتمع؟ وحتى لا نُضيّع البوصلة ونتمادى في تأييد الحراك اللبناني أو العراقي أو نحيله إلى مؤامرة تستهدف كلا البلدين، لا بد من الإشارة إلى إن النخب السياسية في كلا البلدين وإن اختلفت مسمياتها وأيديولوجياتها، سواء كانت في الحكم أو في المعارضة، قد خضعت مسبقًا لهذه الصيغ العمياء والتي لا تقود إلى بناء دول قادرة على الفعل والاستمرار، وأن كل ما تستطيعه وعبر سنوات الحكم الماضية هو إنتاج الفساد بكل ألوانه وأطيافه التي طالت كل رقعة من مؤسسات الدولة ولاحقًا مؤسسات المجتمع، وتحول الشعبان إلى أدوات استهلاكية لمنتجات مستوردة ونظام اقتصادي مرابي وغير مهتم في إقامة البنى الإنتاجية، وبالتالي تعطلت القدرات المجتمعية بعد أن أغلقت كلا الدولتين باب الانتساب الوظيفي فيهما بعد أن أشبعت بالعديد الزائد عن الحاجة. وكل الحلول التي حاولت فيها الطبقة السياسية تقديمها للخروج من المأزق الوجودي الذي تعيشه، لم تكن ترتقي إلى قراءة الأزمة بأبعادها البنيوية، فالوصول إلى تلك القراءة سيطالها؛ لأنها جزء من الأزمة وهي جزء أساسي ومركزي، فعبرها ترجمت سياسات الدول المهيمنة التي أوصلتهم إلى هذا الجرف، فإعادة تدوير الزوايا واختلاق مشكلات تحول دون حل المشكلات السياسية، كوجود أعداء "داعش" في العراق "واللاجئين الفلسطينيين والسوريين" في لبنان، لم تعد تجدي؛ فالأزمة المعيشية تخطت حدود المخاوف لكلى الشعبين بعد أن أصبحت البطالة المرادفة لتعطل الإنتاج الحقيقة الوحيدة الضاغطة على كلا الشعبين، مما دفعهما إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج والتظاهر ورفض لكل ما تقوله الطبقة السياسية المأزومة. فهل ينجح الحراك في حل تلك الأزمة بعد أن فشل النظام السياسي في ذلك؟ وهل الشعبين قادرين على بناء صيغ جديدة للنظام السياسي؟ كل تلك الأسئلة مشروعة وهدفها ملاحقة ومعرفة المسارات الحقيقية لكلا الحراكين ومعرفة قدرتهما على هذا الأمر.

الشعب اللبناني يعيش منذ عقدين أزمة اقتصادية طاحنة مسببها الأساس النظام الاقتصادي والمتمثل بجوهره في المصارف، والذي أسهم إلى حد بعيد في تهميش كل القطاعات الإنتاجية واستبعادها من المشهد الاقتصادي؛ الأمر الذي أدى إلى هجرة الخبرات إلى الخارج بحثًا عن حلول فردية لازمة البلد الاقتصادية، ومع استحقاقات مؤتمر سيدر والذي فرض حلول اقتصادية تقوم على تحميل المواطن اللبناني أعباء ضريبة كبيرة وجديدة وغير قادر على تحملها، بالإضافة لتلك الشروط فرض حكومة سياسية تستجيب لتطلعات المستثمر الغربي والتي لا تتوافق مع الكوكتيل الحزبي المنخرط في النظام السياسي التوافقي، وفي هذا الملعب يمكن النظر إلى المشهد العام وترتيب حدود الأولويات بالنسبة للمحتجين، بالإضافة إلى دخول قوى سياسية لبنانية هي بالأصل جزء لا يتجزأ من النظام السياسي إلى خط تبنى شعارات الحراك، وهذا تناقض يمكن فهمه وفهم دلالاته من خلال عملية الفرز، حيث تنتمي تلك القوى بفعلها لحركة المهيمن الغربي، إنه صراع إرادات والمشهد اللبناني ما يزال يراوح مكانه حتى هذه اللحظة، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور إذا بقيت الأزمة مستعصية.

أما في المشهد العراقي فالحراك هناك والذي يعتمد على الشباب الذي لم يعد يجد مكانًا له في بنى الدولة ومؤسساتها، فهو غير قادر حتى هذه اللحظة عن إنجاز وثيقة سياسية قادرة على قراءة الواقع السياسي برمته، وبالإضافة أيضًا إلى دخول قوى سياسية على خط دعم هذا الحراك وهي حتى هذه اللحظة جزءًا من النظام السياسي، بالإضافة إلى اعتماد الحراك على طائفة واحدة وغياب مكونات طائفية واجتماعية عنه، لأسباب تتعلق بضعفها وعدم انخراطها وتوجسها من النظام ومن الحراك نفسه.

وما بين المشهدين تبقى مسارات التغيير مفتوحة على كل الاحتمالات، وإن كان الشعب العراقي واللبناني في حراكهما قد أنتجا ملامح خاصة لتجربتهما في الصراع الجذري مع النظام السياسي، وفتح خطوط المواجهة على أبعد مدى.