Menu
حضارة

عن العروبة 

خاص بوابة الهدف

لا تنقطع تلك الأنباء التي تشير إلى تقاربٍ بين الكيان الصهيونيّ وحكوماتٍ ونظم عربية، تزامنًا مع مسعى متزايدٍ لتصفية القضية الفلسطينية، وذلك على نحوٍ لا يمكن النظر إليه بشكلٍ منعزلٍ عن الإستراتيجية الصهيونية الرامية لفصل الفلسطينيين عن أيّ ظهيرٍ لهم؛ وخصوصًا عمقهم العربي.

وفي مقابل هذه المساعي الصهيونية لعزل وتطويق الفلسطينيين، بل وتوسيع وتعميق كل أشكال الانقسام الداخلي في الصف الفلسطيني، تعطي الجماهير العربية من فلسطين وغيرها مؤشراتٍ متزايدةً على وعي جمعيّ بالأهداف الصهيونية. وإذا كانت الجماهير العربية في ساحات الاحتجاج عبرت عن مطالبَ اقتصاديةٍ ومعيشيةٍ وأخرى متعلقة بالديموقراطية؛ فإنها تتشبث بالتعبير عن موقف واضح من الالتزام تجاه القضية الفلسطينية، ورفض الكيان الصهيوني وكل ما يمثله في هذه المنطقة. 

إذا كان الفصلُ والتفردُ هو رهانُ المشروعِ الصهيوني، فإن الرهانَ الشعبيّ العربيّ كان دومًا له عنوانٌ واضحٌ، ومسمى سياسيّ تاريخيّ، هو مشروع الوحدة العربية؛ وحدة الهوية والذات العربية، ووحدة الاصطفاف السياسي والإدراك لحقائق الصراع مع المُستعمِر، والوحدة في خندق المواجهة مع هذا المستعمر وكل أدواته في المنطقة. 

صحيحٌ أنّ هذه الوحدة لم تنعكس إلا في حالاتٍ محدودة على المستوى الرسمي العربي، وعملت النظم العربية ضدها في الغالب، لكنّ الشعوب لم تخسر يومًا رهانها عليها، وحافظت على وعيها الجمعي بضرورة هذه الوحدة، مستندة إلى ذاكرةٍ تاريخية لا تخيب، تستحضر كل ما هو عربي ومشترك، وكل الإرث التاريخي العريق في مواجهة كل مشاريع الغزو التي تعرضت لها هذه المنطقة وهذه الأمة.

إنّ الالتزام الحقيقي اليوم تجاه الشعوب العربية وتطلّعاتها لا يتكرسُ بالتنظير للوحدة العربية، أو طرح موجِباتها فحسب، فهذا أمرٌ تؤمن به شعوبُنا العربية، وإن عدمت الوسائلَ لتحقيقه؛ لكن المهمة الضرورية والمُلِحّة والممكنة اليوم، البحثُ في السبل والروافع والحوامل القادرة على تجديد دماء البناء القومي العربي، باعتباره جسمًا تنظيميًّا وبرنامجًا للعمل السياسي الموحد، الذي ينظر إلى المشتركات في نضال هذه الأمة ويرعى التفاصيل الخاصة بالنضال في كل بلد عربيّ، ويحمي موجبات التضافر بين الجهود النضالية في الساحات العربية. 

ما قد يحمي فلسطين اليوم وقضيتها، كما كل قضايا العرب المركزية، هو هذا الوعي الجماهيري العربي. لكنّ ما قد يتكفّل بالانتقال من موقع الدفاع ضد التصفية إلى مواقع أكثر تقدمًا في فلسطين وغيرها من قضايا ومواقع النضال، هو البحث السياسي الجاد في آليّات ترجمة الوعي الجماهيري إلى برامج عمل تعكس إرادة هذه الجماهير، وتفي لتضحياتها وآمالها المشتركة.