Menu
حضارة

الصمود الكوبي في مواجهة السياسات العدوانية الأمريكية

حاتم استانبولي

كلمة ترامب أمام الدورة الـ74، خصّص فقرة منها للهجوم على النظام الاشتراكي في كوبا، ومن خلاله على الشيوعية، واعتبرها العدو الأول للولايات المتحدة، وقدّم الصّراع الأيديولوجي على الصّراع السياسي، واتّهم كوبا بأنّها وراء صمود النظام في فنزويلا، في إشارة واضحة إلى قوة النظام، وتأثير كوبا على بلدان أمريكا اللاتينية. كوبا التي واجهت وما زالت تواجه أعتى قوة رأسمالية عالمية هذه المواجهة، التي فرضت حصارًا اقتصاديًا عليها منذ ما يقارب الستين عامًا. كوبا ما قبل الثورة كانت جزيرة منكوبة مهانة من قبل الأمريكيين الذين استباحوا شعبها، وسرقوا ثروتها الزراعية، وارتكبوا المجازر عبر نظام باتيستا البائد. كوبا نجحت في ثورتها، ودفعت حركتها 26 يونيو التي لم تكن ماركسية البدايات بل كانت يسارية إلى أنْ تُوحِد قواها التي اشتركت في الانتصار الثوري على نظام باتيستا، ووجدت نفسها في وضع يحتم عليها أنْ تقف مع مصالح شعبها لاستعادة ثرواته وأرضه من الملَّاك ومن الأمريكيين الذين كانوا يتحكمون بالجزيرة، ويمتصون ثرواتها، ونفذت سياسات توزيع الأراضي على الفلاحين، ومصادرة أملاك الشركات، وتحويلها لملّكية الدولة، وأممت مصافي النفط التي رفضت تصفية النفط القادم من الاتحاد السوفييتي. هذه السياسيات التي وضعت كوبا وقيادتها في مواجهة حتمية مباشرة مع الولايات المتحدة قائدة النظام الرأسمالي، وبقدر تصاعد المواجهة مع الإمبريالية الأمريكية وأدواتها، كانت قيادة الثورة تعمق التزامها بالفكر الماركسي بمسحة كوبية ثورية.

تعرضت كوبا لمخاطر جدية في أزمتي خليج الخنازير والصواريخ الروسية التي كانت يمكن أنْ تكون سببًا لحرب عالمية ثالثة، وبالتالي فناءٍ للجزيرة وشعبها، ولكن انتهاء حرب خليج الخنازير وقتل واعتقال جميع المعتدين الذين تخلت عنهم الولايات المتحدة، أما عن أزمة الصواريخ، فكانت نهايتها بتعهد أمريكي بعدم الاعتداء على كوبا أو اجتياحها وسحب الصواريخ الأمريكية من تركيا . كما واجهت كوبا سياسة العقوبات الأمريكية بسياسة داخلية حازمة، استطاعت أنْ تصمد وتعيد بناء الدولة الكوبية على أسس العدالة الاجتماعية اعتمدت المساواة، وأنجزت نظامًا صحيًا وتعليميًا عادلًا. كوبا ورغم إمكاناتها المحدودة لكنها ساهمت بشكل جدي وفعّال في مساعدة الشعوب في جميع المجالات هي ساعدت ثورة الجزائر، ووقفت مع الثورة الفلسطينية، ولم تعترف بقيام إسرائيل وزار قائدها تشي جيفارا مدينة غزة في تعبير واضح ومبكر لدعم حق الشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين. وشكّلت كوبا وما زالت تشكل رأس حربة في مواجهة الهيمنة الأمريكية في القارة اللاتينية، وهي كانت ملهمًا لشعوبها في نضالها التحرري السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وشكّلت الأنموذج النقيض للأنظمة التابعة والعميلة وللدكتاتوريات العسكرية.

 السؤال المهم الذي فرضته الثورة الكوبية، لماذا نجحت واستمرت وحافظت على نظامها رغم شدة الهجمة المتعددة التي وصلت لحد استخدام سياسة الاغتيال بحق قائدها فيديل كاسترو، والتي وصلت 638 محاولة؟، الدرس المهم الذي يُسجَّل أنّ الثورة الكوبية امتلكت الفكر الماركسي عن وعي لظروف التطور التاريخي للجزيرة، ووظفت تاريخ ثقافتها لخدمة أهداف الثورة، وامتلكت قيادة مخلصة لجماهيرها، ولم تغريها كل محاولات واشنطن في التخلي عن الفقراء والمسحوقين. البعض كان لديه أوهام بسقوط النظام الاشتراكي في كوبا بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، بظنهم أنّ النظام كان يعتمد على المساعدات السوفييتية، لا أحد ينكر أنّ المساعدات كان لها أثر كبير في بناء النظام الكوبي، لكن استمرار صمود كوبا بعد عشرين عامًا على انهيار الاتحاد السوفييتي، يؤكد أنّ العامل الذاتي هو الحاسم، وأنّ عملية البناء المستمرة والمتجددة للنظام الكوبي وطبيعته الثورية، كانت هي العامل الحاسم في صمود كوبا أمام التغول الأمريكي، وخطّ سياسة اقتصادية وسياسية مكّنته من الاستمرار رغم الحصار الظالم على كوبا وشعبها.

البعض يتكلم عن الوضع المعيشي للشعب الكوبي، ويتناسى أنّ كوبا امتلكت مكاسب جمعية عادلة في ظل حصارٍ دائم استمر حوالي 55 عامًا، وكانت وحدها خلال 20 سنة الأخيرة، ورغم ذلك؛ فإنّ كوبا أعطت للإنسانية انتصارًا طبيًا على داء إيبولا، هذا الداء الذي نال من بعض الأطباء الكوبيين، وفقدوا حياتهم من أجل شعوب إفريقيا والإنسانية. واستطاعت كوبا أن تحقق تقدمًا طبيًا وتعليميًا لم تصله دول امتلكت المليارات، وقدّمت مساعدات عينية وتعليمية للكثير من شعوب وحركات التحرر العالمية.

السؤال الصحيح الذي يجب أنْ يطرح، كيف ستكون كوبا لو أعطوها فرصةً للتطور بلا حصار وقيود، وخضعت المنافسة بين نظامها والنظام الرأسمالي لشروط ومعايير متكافئة؟، الجواب سيكون في ظل هذا الحصار، حققت كوبا صمودًا أسطوريًا وبنت نظامًا شعبيًا عادلًا، ليشكل أنموذجًا لشعوب القارة والعالم، وبالتأكيد إنَّ وضع كوبا وأمريكا اللاتينية سيكون مختلفًا لو كانت المنافسة قائمة على أساس قيم من العدالة، وبعيدًا عن سياسة الحصار والتجويع.

 كوبا منذ عشرين عامًا تواجه وحدها الهجمة الأمريكية الثقافية والأيديولوجية والسياسية والاقتصادية على الفكر الاشتراكي، وأعطت مثلًا أنَّ مصداقية الفكرة الاشتراكية لا ترتبط بتجربة تمَّ التآمر عليها من داخلها، وقوّضتها الخطأ ليس بالفكرة، وإنما بعمق فهمها وإبقائها في حالة من الحركة الدائمة؛ لتضمن تطورها الذي هو انعكاس لتطبيقها وممارستها في الواقع الخاص بكوبا. لا أحد يقول إنَّ التجربة الكوبية لم تشوبها الأخطاء، لكن أخطائها كانت نتيجة لحجم واستمرار وشدة الحصار، وهي أخطاء يجب رؤيتها في هذا السياق التاريخي الذي حافظت فيه على استقلالها وكرامة شعبها، وشكلت أنموذجًا ثوريًا فريدًا للشعوب الساعية لنيل حريتها.

الدرس المهم الذي يمكن تسجيله أنّ كاسترو، وجيفارا، وكاميلو سيينفيغوس، وراؤول كاسترو، القادة الذين دخلوا هافانا في 8 من كانون ثاني 1959، لم يتعاملوا مع خصومهم بانتقامية، بل حولوهم للمحاكمات الثورية، وقاموا عن وعي بتوحيد القوى التي شاركت في عملية التحرير بشكل يحفظ ويحترم دور كل منها، وأنتجت الوحدة، وبانضمام الشيوعيين للوحدة أعلن عن تشكيل الحزب الشيوعي عام 1965 بزعامة فيديل كاسترو. الشيوعيون صحيح أنهم لم يشاركوا في الثورة المسلحة، لكنهم شاركوا بفاعلية في عملية البناء الاشتراكي، ودعموا كل القرارات الثورية لقيادة الثورة، وكان لهم دور رئيسي في عملية البناء الاشتراكي.

إن العقلانية التي يتحلى بها الشيوعيون نتيجة للالتزام الكلاسيكي بالنص بالمنحى العام هي صحيحة، لكنها في بعض الأحيان تصبح معوقة إذا تحولت لنمط في السلوك العام الدرس المهم للثورة الكوبية، إنّ كاسترو وجيفارا وراؤول وكاميلو فجّروا الروح الثورية في النص الماركسي، وحولوه إلى واقع ملموس واتّصفوا بالمغامرة، لكن المغامرة الثورية في بعض محطات النضال الثوري ضرورة وشروط نجاحها مرتبط بقراءة الواقع الملموس، وتأمين الشروط الذاتية التي تبدأ بالأمل والحلم والفكرة والتصميم، ودرجة عالية من التضحية التي جميعها اتّسمت بها الثورة الكوبية، وحوّلت حلم 82 ثوريًا حملهم اليخت غرانما إلى شواطئ كوبا إلى حقيقةٍ حققوا من خلالها حلم الشعب الكوبي في الحرية والعدالة والمساواة .