Menu
حضارة

الاستيطان.. المبتدأ والخبر

عوني صادق

بدأت القضية الفلسطينية، كما بات معروفاً، في تلك الأيام الغابرة من القرن التاسع عشر التي بدأت فيها الدول الغربية الاستعمارية تفكر في إقامة «حاجز بشري» يكون مرتبطاً بها، وفي خدمتها تحقيقاً لأطماعها ومصالحها في «منطقة الشرق الأوسط»، حيث وقع الخيار في نهاية المطاف على فلسطين.
في مرحلة لاحقة بدأ اختراع الأكاذيب، من أكذوبة «إقامة وطن قومي لليهود» إلى أكذوبة «أرض الميعاد» إلى أكذوبة «أرض بلا شعب..»! وكانت بداية الترجمة العملية إقامة أول مستوطنة يهودية على أرض فلسطين.
ألاعيب تلك الدول الاستعمارية، التي قادتها بريطانيا العظمى، غطيت في إحدى مراحلها بسياسة «الانتداب»، التي غطيت بدورها بقرارات «عصبة الأمم» (التي كان الأصح أن تسمى عصابة الأمم)! وكانت أبرز الشاخصات على الطريق «إعلان بلفور» البريطاني في تشرين الثاني 1917، ثم قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين 1947، وآخر التجليات تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في تشرين الثاني / نوفمبر 2019.
«صفقة القرن» الأمريكية كانت واحدة من تلك الأكاذيب التي اعتمدتها الحكومتان، البريطانية بدءاً والأمريكية انتهاء، لتنفيذ «المشروع الصهيوني». الكذبة الأولى تحدثت عن «وطن قومي لليهود»، لتأمين «مأوى» لليهود تحول إلى إنشاء «دولة لليهود» منحتها أكثر من نصف أرض فلسطين العربية! والكذبة الثانية تحدثت عن«صفقة» لتحقيق السلام بين طرفين، بينما لا توجد صفقة ولا يوجد سوى طرف واحد هو الطرف الصهيوني الأمريكي، بدليل أن بنودها وضعت موضع التطبيق قبل أن تعلن هي أو بنودها، وآخر رصاصاتها «قانونية وشرعنة المستوطنات»! ولأن الكيان الذي أقيم على أرض فلسطين هو في التعريف الأخير والدقيق «مستوطنة كبرى»، بدأ بعمليات استيطان متفرقة ومتباعدة واستمر ساعياً لمضاعفة وزيادة وتوسيع هذه المستوطنة. وكل السياسات «الإسرائيلية»، العسكرية والاقتصادية والثقافية، خلال أكثر من سبعة عقود لم يكن لها من هدف إلا الاستيطان وتوسيعه، وقد حققت إنجازات كبيرة في هذه الميادين، لكنها، كما نرى، فشلت في أن تخلق «مجتمعاً» متماسكاً أو موحداً حتى اليوم.
هكذا كان الاستيطان جوهر «إسرائيل» المشروع والدولة والاحتلال، وهو المبتدأ والخبر في حياتها الماضية والباقية، وهو كذلك المبتدأ والخبر في القضية الفلسطينية. وتأكيداً لهذه الحقيقة جاء إعلان الإدارة الأمريكية «قانونية وشرعنة المستوطنات»، الذي فتح الباب على مصراعيه لكل النوايا والأفعال، وما جرى ويجري الحديث حوله في الأوساط «الإسرائيلية» الحاكمة منذ البدء حتى اللحظة، حيناً بشكل صريح، وموارباً في أحيان كثيرة! وللكاتب «الإسرائيلي»، جدعون ليفي، مقال معبر، نشر في صحيفة (هآرتس- 21/11/2019) وكان عنوانه بالغ الدلالة: «ننتظر قراراً أمريكياً آخر لطرد الفلسطينيين... أو قتلهم»، قال فيه: «اختيار ترامب وبومبيو و(إسرائيل) واضح ومخيف، وهو أن المستوطنات قانونية، لا يوجد احتلال ولا يوجد شعب فلسطيني، ولا توجد حقوق إنسان ولا يوجد قانون دولي. ويمكن الانتقال إلى المرحلة المقبلة، إلى الضم والطرد، وأمريكا ستسمح أيضاً بذلك»!
ماذا بقي أن يقال؟
منذ عام تمسك برقبة الاحتلال أزمة سياسية حادة، عنوانها تشكيل حكومة تحوز على ثقة الكنيست. وعلى الرغم من كثرة الأحزاب والكتل السياسية المتنافسة، فبرنامجها واحد هو الاستيلاء على ما بقي في أيدي الفلسطينيين من أرض، وتوسيع الاستيطان! هذا يطالب بضم الضفة، وذاك يعد بضم الأغوار، هذا يقترح مشروعاً استيطانياً جديداً، وذاك يزاود عليه بمشروع أكبر! وكعينة لما يجري الآن، أكتفي بخبرين:
* في اجتماع عقده مؤخراً بنيامين نتنياهو مع رؤساء السلطات المحلية في مستوطنات الضفة الغربية مساء يوم 28/11/2019، أبلغهم أنه سيحول (40 مليون شيكل) لتمويل برامج أمنية في هذه المستوطنات. وفي بيان صدر عن رؤساء هذه السلطات بعد الاجتماع، جاء تأكيدهم أنهم «يدعمون حكومة تدعم الاستيطان وتقويه، وتفرض السيادة (الإسرائيلية) على منطقة غور الأردن».
** وفي اليوم التالي، ذكرت صحيفة (إسرائيل اليوم - 29/11/2019)، أن وزارة البناء والإسكان تجهز خطة لإقامة (11000) وحدة سكنية على مطار عطاروت (قلنديا) في القدس الشرقية.. والمزاد مفتوح.