Menu
حضارة

هُوية الحرية.. كلما ضَعُفتْ الهُويةُ سَهُلَ الاستعباد

وليد عبد الرحيم

يبدو السؤالُ اليومَ أكثر إلحاحًا فيما يخص فحوى ومعنى الانتماء, ليس المقصود هنا عربيًا فقط، بل عالميًا بتواتراتٍ وتجليات شتى, حيث يمتد ريح التشرذم الانتمائي النفسي والفكري ليشتمل البقاع الجغرافية في الأرض كافةً, باعتبار فحوى الهوية- المعبر الأول عن الانتماء- تعبيرًا سياسيًا اجتماعيًا في الظاهر، سيكولوجيًا وثقافيًا وإنسانيًا في عمقه.

في ثقافة الفرد المكتسبة طوعًا تنويهٌ للرغبة الذاتية، وفي اختبار سؤال الهوية امتحانٌ ليس فقط للعنوان العام, بل هو سبرٌ يحفر عميقًا في خصوصية فهم الذات والعلاقة بالمجتمع والمحيط وكلِّ آخر، وبالتالي العالم, تلك أساسيةُ جدلية الوعي الثقافي المتشكل من عناصر أكثرَ تعقيدًا مما تبدو عليه في المشهد الأمامي، المشهد الواضح للعيان كتجلٍ مُبسَّط.

ثمة أمثلة كثيرة خلال التاريخ حول هذه المسألة - أعني وعي الذات والعالم- لكن النتيجة شبيهة بواحدة موحدة, وهي العلاقة الجدلية الحتمية بين الأنا والآخر- المحيط والبعيد, كما بين اليومي والتاريخي, ويبدو الفرد هنا (مهما كان جهده) ليس مجرد "مشارك" أو "منفعل" مع المحيط بل صانعًا لمفرداته, باعتباره مكونًا لها لا بوصفه عنصرًا عدديًا فحسبْ أضيفَ للوحة ما.

إنَّ أخطر ما تنتجه الثقافة، سواءً البسيطة منها أو العميقة، الحياتية أو الأكاديمية هو منحى التوجه نحو المحيط وبشكل أوسع صوبَ العالم- ثم الكون ذاته, حيث إنَّ رؤية ما حولنا تُحكم بالدرجة الأولى بما نكتسبه أولًا، لا بما يُجمع أو يُتوارث جمعيًا.

وهنا أيضًا تتشكل الثقافة الجمعية ليس من محصلة مجموع ثقافة الأفراد, بل من انصهارهما وترسيخهما في آنٍ معًا, وهذا أمر بديهي، ثم ينتج نزاعٌ بينيٌّ ما، وبنسب متفاوتة في خضم ذلك.

في سؤال الهوية والحرية يبرز سؤالٌ ضمنيٌ مفاده: ما العلاقة بين الحرية والهوية؟

سوف تأتي الإجابة النهائية الحقُّ على الشكل الآتي: لا وعي للحرية دون إدراك الهوية، ولا وعي للهوية بمعزل عن إدراك فحوى الحرية, ومن هنا؛ فإنَّه لا يمكن لفرد أو مجتمع صياغة هويته بمعزل عن إدراك وجهد الفرد المُشكِّل للجمعِ لمفاتيح صياغة حريته، بناءً على اختلاف شكل ومضمون القيد.

في مستوى الفلسطنة السورية العروبية, ثمة مستوىً معبرٌ بشكل واضح عن ذلك، وهو ما تشكَّل عبر تجربة طويلة، غزو واحتلال صليبي مجرم، احتلال عثماني طويل الأمد, احتلال انتدابي من قبل شريكي المنتدَبين (بريطانيا وفرنسا)، ثم تكلل بنجاح العصابات الإرهابية الصهيونية في تأسيس كيان، ومع لحظة إدراك قيمة الحرية كصانع للهوية بالتشارك، أو لِنَقُل مبدئيًا اتضاحها، ثم امتلاك بدايات وعي الهوية الحقيقي, أعني هنا طبعًا بوصفها ثقافةً لا عنوانًا للانتماء الوطني أو الجغرافي فحسب.

إنَّ وعي الحرية - قيمة الهوية- يُنتج ثورات في الغالب, حتّى في الدول والقارات التي لا تتعرض لاحتلال مباشر, ليتم فهم العالم من خلال الذات وفهم الذات من خلال العالم-  بمعنى آخر لتجلي الهوية, وهو ما جرى مرارًا في القرن العشرين، وما يجري الآن كنماذج ساطعة في إفريقيا وآسيا، وهو أيضًا ما يجري في بلداننا العربية بعناوين مختلفة.

في الراهن البليغ شاهدٌ حصري, انتفاضة لبنان التي صعقت مستويات الاستقراء المنهجي والسياسي, فقد تشكلت في هذا البلد الصغير هوية جديدة لم تُنجِز أُكلَها بعد, لكنها تحفر الآن طريقها في جبال وعرة, وبالتالي قد تصل لحظتها الإنجازية وقد لا تصل, لكنها رسمت ملامح مفاهيم تحول ثوري عميق على صعيد فهم الذات والمحيط والعالم.

لسنوات طويلة خَلتْ تمَّ تزييف الوعي الذاتي والوطني- هوية لبنان الحقيقية-, وشرذمة تنوعه ومعناه الحضاري, وتشويه مواطنة الفرد عبر طوئفته، شارك الجميع في ذلك, وأخطر مَنْ شارك هم المثقفون وأشباههم, الذين هم الفئة الأخطر في حفر التأثير من ناحية صياغة وعي الشخصية, فانتمى الجميع إلى طوائفهم البدائية "قبائلهم المتخلفة"، وهو ما أنتج ظاهريًا شخصية- هوية منغلقة عنصرية متخلفة تعكس امتداداتها بشكل لا يليق بسوية الفرد اللبناني الثقافية المُستحدَثة شكلًا, لنتخيل هنا - كمَثلٍ طارئ- بروفسورًا في جامعة قد يكون بارزًا أو مبدعًا في اختصاصه, ويُعرِّف نفسه بأنَّه "ماروني, سني, شيعي..."، ويختصر الوطني والقومي والإنساني بالإطار الطائفي، وهي حالة بدائية تليق بما قبل البداوة، ولا تنسجم مع إمكاناته المعرفية الذاتية!.

لم تتشكل الهوية الطائفية الوهمية في لبنان وسوريا والعراق و مصر وعموم الوطن العربي صدفةً, لقد اشتغلت دوائر كبرى عالميًا وأنظمة العرب التبعية القائمة بدأبٍ وتنظيم دقيق لتحقيق ذلك؛ مما تطلب حشد العشرات بل المئات من رجال الدين والمثقفين التابعين، وأنصاف وأرباع المثقفين لتحقيق ذلك التشرذم المنظم الهادف, كل ذلك بُغية محو الوعي القومي – الوطني، فلا يمكن للطائفي أنْ يكون وطنيًا أو قوميًا؛ نظرًا لضيق أفق فضاءاته وتقوقع مساحاته الإنسانية وانحساره الأخلاقي بالتالي.

منذ سنوات قليلة وبعد فشل تذويب أو محو الهوية الفلسطينية التي تكتسب ميزاتها وتميزها من شكل صراع حادٍ واضح قائم منذ قرن خلا, تمَّ ابتكار شكل جديد من الهجوم الثقافي على جوهر تَشَكُّل الشخصيةِ اللاطائفية, إنْ كان عبر جهدٍ تكفيري أو انطلاقًا من مقولات دينية ذات بعد توراتي، منطلقة بدايةً من خرافة التاريخ المُتخيَّل, وبدأ بالتالي جهدٌ من نوع آخر – تحييد قضية الحرية والاستقلال وجوهر الحق بهدف نسف الهوية ارتباطًا، والتوجه نحو طرح مقولات ساذجة مستميتة لمحو تاريخ فلسطين السوري الجنوبي العربي وتهويمه باعتباره تاريخًا إسرائيليًا مختلط النسب, ونظرًا لسذاجة هذا الطرح الذي يستكمل كذبة "أرض بلا شعب" الفاشلة أصلًا، نحن لا نجد اليومَ مثقفًا حقيقيًا واحدًا ذا شأن دخل في معمعان هذا التزييف, بل إنَّ كل مَنْ شارك حتّى الآن في ذلك لا يمتُّون للسوية الثقافية بصلةٍ سوى تبعيتهم المُلمعةِ إعلاميًا من دوائر السلطان الحاكم الذي ينفذ بخنوع، ويخضع كل يوم لتحقيق مآرب حُماته من القوى العالمية المهيمنة والدوائر الصهيونية الموازية.

لقد حارب هذا السلطان الحاكم طويلًا هوية وسمعة وشخصية الفلسطيني (باعوا أرضهم, لا أمان لهم, مشاغبون، زعران..)، وروج للشخصية اليهودية حضاريًا وشرعيًا، ولهذا وجدنا كنتيجةٍ أنَّ مع كل اضطراب في بلد عربي يُستهدف الفلسطيني بهويته وقضيته ووجوده وأمنه، وهو بمكانة تقديم فاتورة عالمية سلفًا.

لا مناصَ إذن لهويةٍ تأسست على الانعتاق من صياغة منهج حرية موازٍ من أنْ تشكل قلقًا للدكتاتوريات والمتسلطين والقوى الكبرى, هذا ينقلنا أيضًا إلى العالمي من زاوية ثانية، حيث يبدو العالم اليوم منقسمًا بوضوح أشد إلى تيارين، تيار إمبريالي صهيوني رجعي متحد يهدف إلى محو الهويات وأحلام الحرية، وتيار عالمي حر ما زال مشتتًا من حيث البنية؛ الأول يسعى لترسيخ استغلال البشرية اقتصاديًا وإنسانيًا، والثاني ينحى باتجاه الانعتاق من القيود, وبالتالي الأول بالضرورة مناهض للهوية الفلسطينية وأي هوية حضارية أخرى بوصفها تعبيرًا إنسانيًا أوليًا عن معنى الحرية, الثاني ينشد ويعمل لتحرر الإنسانية ورفع الهيمنة ودحر الظلم, هذا الأخير شهد فترة خضوع طويلة، أما اليوم وبفعل انتشار ثقافة الحرية، فهو يمتد وعيًا ليصل كل بقعة في الأرض, وهذا ما يفسر رفع العلم الفلسطيني والأغاني المقاومة في كل بقاع الأرض، وبخاصة عربيًا في الثورة المصرية, التونسية, الجزائرية، وحاليًا في لبنان والعراق، وهذا ما يفسر قيام داعش والنصرة بالتكليف بمعاقبة مَنْ يرفع العلم الفلسطيني في مخيم اليرموك، بعض هذه العقوبات وصلت حدَّ الإعدام!.

لقد فشلت الطائفية ورُعاتها بكل منمقاتها وعناوينها في إعادة تكوين أو تسويق نفسها كحالةٍ معاصرة, وفشلت بالتالي الصهيونية في تدمير الوعي الثقافي القومي العربي، وحتّى الوطني الأضيق، وكذا الإنساني العالمي، وهي لذلك تدفع عبر مخابراتها ودوائرها ومؤسساتها الخفية بعض المأجورين للشتم والسَّب، وتشويه التاريخ بمفردات ضعيفة بل ومضحكة، كما تدفع أيضًا آخرين لاختراق التجمعات والثورات.

إنَّ وعي الهوية الحضارية في أي مكان وزمان لا بُدَّ أنْ يفضي إلى وعي مفهوم الحرية, لهذا يبرز الهجوم على الهوية الوطنية والقومية مع كل لحظة احتداد صراع ما مهما كان عنوانه، ولكون فلسطين آخر البلاد المحتلة من قبل عصابات الصهيونية ذات النشاط والامتداد العالمي الدؤوب، فإنَّ أحرار العالم يسعون للخلاص من هذه التجربة التاريخية المريرة والدامية، ولهذا فكلما برزت صرخة حرية في أي مكان، كان لفلسطين وشعبها وعلمها نصيب من تعبيراتها.

إنَّ وعي الهوية الإنسانية والقومية - الوطنية الحقيقية بالتالي ينتج توقًا وثقافةً تنشد الحرية ورفض الاستغلال, هذا أيضًا سبب الحرب العالمية على الهوية العربية الأخطر عالميًا، وهويات أخرى بصورة أقل، وهو سر محاربة التابعين للصهيونية والغرب لأي جهدٍ تحرري حقيقي، من خلال الاندساس في الحراكات وتشويهها، إنها إعادة اقتباس لتجربة سابقة جرت، تحويل الغضب الشعبي من أخطاء الأنظمة الشيوعية وتجييره لمصلحة الاستغلال الأميركي الأسوأ بمسافات والأكثر وحشية وقهرًا واستغلالًا، هي معركة طويلة إذن بين فريقين عالميين، فريق المستغِلين، وفريق الأحرار، تلك هي المسألة.