Menu
حضارة

تفكيك «الناتو» في مقطع فيديو

عبد الله السّناوي

نقلا عن الخليج الإماراتية

كأنه مقطع معدل من الشريط السينمائي «الكيت كات»، المستوحى من رواية «مالك الحزين» للأديب الراحل «إبراهيم أصلان».
من دون أن ينتبه الشيخ الكفيف «حسني» أن ميكروفون العزاء ما زال مفتوحاً، وأن الحي كله يسمع، أخذ يذكر ما وصل إلى علمه من فضائح بالوقائع والأسماء.
كان ذلك تعبيراً عن حجم التحلل الأخلاقي والسياسي في الحي الشعبي الفقير، منتصف سبعينات القرن الماضي، بأثر الانفتاح الاقتصادي وتحولاته في بنية المجتمع المصري.
هكذا بدا مقطع الفيديو، الذي التقط وبث من دون قصد، أثناء حفل استقبال في قصر بكنجهام الملكي البريطاني على شرف زعماء دول حلف «الناتو»، بمناسبة مرور سبعين سنة على تأسيسه.
كان المقطع قريباً من الحقيقة، على الرغم من أجواء النميمة فيه، حقيقة أحوال الحلف ومدى التحلل السياسي والاستراتيجي الذي يضرب أركانه.
الجو العام في مقطع الفيديو يشي بسخرية لاذعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومؤتمراته الصحفية المطولة، التي أفضت إلى تأخير بدء أعمال قمة حلف «الناتو» في صباح ذلك اليوم.
في السخرية نظرات سلبية لمستقبل الحلف، كما مستوى القيادة الأمريكية. ما تعريفه لدوره؟ لا توجد إجابة واحدة متماسكة. من هو العدو؟ لا توجد إجابة قابلة للتوافق عليها.
عند تأسيس الحلف عام (1949) كان ذلك مشفوعاً بردة فعل تخشى من تمدد النفوذ السوفييتي في شرق أوروبا على أمن الحلفاء الغربيين.
بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام (1991) لم يعد هناك داعٍ موضوعي لبقاء حلف «الناتو»، غير أنه بقي ولم تتوقف محاولات البحث عن عدو بديل.
في بعض الأوقات بدا أن العدو الجديد هو ما أطلق عليه «الإرهاب الإسلامي». وفي عام (2014) عادت روسيا إلى صدارة الأعداء، بعد ضم جزيرة «القرم»، من دون قطع «احتمال إقامة علاقات بناءة عندما تجعل تصرفات روسيا ذلك ممكناً»، حسب بيان صدر عن القمة الأخيرة.
في هذه القمة أضيفت الصين، بضغط أمريكي، لأول مرة إلى قائمة الأعداء، «بما تمثله من تحدٍّ استراتيجي متزايد» من دون أن يكون هناك توافق حقيقي على مثل هذا الخيار.
لم تكن مصادفة أن يصف الرئيس الفرنسي في حوار مع مجلة «الإيكونوميست» حلف «الناتو» بأنه «ميت سريرياً»، على خلفية أن بعض أعضائه يتخذون قرارات انفرادية من دون تشاور، قاصداً العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، واستيراد أنقرة منظومة صواريخ «إس 400» من العدو الروسي المفترض. كانت تلك رسائل مقصودة للقمة قبل أن تبدأ.
ولم تكن مصادفة حجم الإهانات غير المسبوقة التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الفرنسي قبل قمة «الناتو»، فهو مبتدئ ويفتقد إلى الخبرة في محاربة الإرهاب، كما أنه هو نفسه في حالة «موت سريري».
على الرغم من دوافعه الخاصة في نقد السياسة الفرنسية، التي تناهض عملياته العسكرية في شمال شرق سوريا باسم مكافحة الإرهاب الكردستاني، إلا أن أردوغان تحدث باسم قوة أكبر منه حرضته على مثل هذا السلوك الخشن.
الرئيس الأمريكي تبنى الانتقادات نفسها، بعبارات أخف نسبياً، حيث وصف تصريحات ماكرون بأنها «بغيضة» على الرغم من أنه هو نفسه صرح في وقت سابق بأن الحلف «عفى عليه الزمن».
كان مثيراً للالتفات الترحيب المبالغ به بأردوغان على حساب ماكرون.
في مثل هذه الأجواء كان مقطع الفيديو كاشفاً لحجم التهافت الاستراتيجي في بنية الحلف وتوجهاته.
لم تكن القضية ردات فعل ترامب على مقطع الفيديو، حيث وصف ترودو بأنه «ذو وجهين»، وألغى مؤتمراً صحفياً مقرراً مغادراً إلى واشنطن، ولا محاولة تنصل القيادات التي لم تسمع أصواتها في مقطع الفيديو من الحدث كله.
بصورة رمزية عبّر مقطع الفيديو عن أزمة حلف «الناتو» الذي لم يعد يعرف لنفسه تعريفاً متفقاً عليه بين أعضائه ولا هدفاً يجمعهم.
بصورة أو أخرى جرى تجاوز «ابتزاز أردوغان» برفض خطط دفاع «الناتو» ما لم تحدث تفاهمات بشأن عمليته العسكرية في سوريا، والتقليل من شأن انتقادات «ماكرون» المأزوم في وضعه الداخلي بقوة الإضرابات العامة.
هكذا بدا ممكناً ما دعا إليه رئيس الوزراء البريطاني من مباحثات بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا بعد أن علمت الدول الأوروبية ب«الضغوط الهائلة»، التي تتعرض لها من تهديد إرهابي حقيقي يمثله حزب العمال الكردستاني.
بقدر حجم الشروخ والتصدعات والإملاءات غير المقنعة في بنية وتوجهات حلف «الناتو» يتبدى مقطع الفيديو الساخر، كما لو أنه إعلان عن قرب انهياره من داخله.