Menu
حضارة

محمود درويش وذكريات النزق الجميل

 محمود علي السعيد

تمتاز الكثرة من الذوات المبدعة بالحساسية المفرطة، والرهافة السبّاقة، ونزق الشفافية (بالمفهوم الإيجابي جدًا للمصطلح) تحليةَ للريق وإنعاشًا للحدث، فكيف إذا كان يعضدها خيلاء النجومية المحببة التي قُطفتْ باستحقاق وجدارة وامتياز. أسوق وجبةً منها تجسّدت في شخصية الشاعر الفلسطيني الاستثنائي محمود درويش، عايشتها عن قرب لتتناقلها الذاكرة الشفوية الفردية والجمعية، تنضاف إلى مداميك عمارة هذا الرجل الخلّاق الذي رصّع اسم فلسطين بأنصع الحلل في سجل تاريخ القرية الكونية من قبيل التدليل الإيجابي، والانحياز المجاهر، مع الشطب بالأحمر سلفًا التفسير الموارب، والفهم الأعوج لطاقم النيّات الصيادة في الماء العكر، وطرق الضباب، ودهاليز العتمة.

  1. في جلسة ود مع الضيفين القادمين من الأقاصي الشاعر محمود درويش والفنان مصطفى الحلاج في غرفة مجلس إدارة النادي العربي الفلسطيني في حلب، همس في أذني أحد رموز اتحاد طلبة فلسطين بالتوسط له لإجراء حوار مع الشاعر محمود درويش، ليصار إلى نشره في مجلة اتحاده، شريطة الإلمام الواسع بنتاج ومسيرة درويش الحياتية والإبداعية، فكان له ما كان، دار قرص المسجلة، وانطلق السؤال الأول كرصاصة أصابت مرتكزًا معنويًا (أخ محمود تقول في قصيدتك سجل أنا عربي) ولم يكمل مقولته حتّى انتفض درويش بقشعريرة نزق مكهرب لذيذ (بعدك في قصيدة سجل أنا عربي)، وأغلقت ستارة المقابلة على الرقم صفر.
  2. في بهو المطعم المنشود، وبحضور نخبة من مبدعي المدينة ومنصاتها الأمامية، دارت دورة الكؤوس والأطعمة بشتى صنوفها ومختلف أفواهها، وابتدأ الحوار المرصود بشغفٍ ودقةٍ وأمانة لإغناء صفحات (مجلة المقاومة)، التي كانت تصدر عن اللجنة الثقافية للنادي العربي الفلسطيني، بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بطلعته البهية الجذابة، انطلق صوت من طاولة مجاورة يستقدم نادل المطعم الذي كان اسمه بالمصادفة (محمود)، وإذا أردتم مراعاة دقة النحو العربي القويم (فمحمودًا) بتكرار صاخب، استدار محمود درويش بتأفف ملحوظ إلى الوراء ظنًا بأنّه المقصود وصرخ (محمود .. محمود .. محمود..) فقلت له مداعبًا.. هوِّن عليك يا صديقي، ففي هذه الصالة العاجة بالحضور العديد من المحاميد، فإذا كان يظهر الكنز على كل ثلاثةٍ، فنحن سنحصد في هذه الليلة فيضًا من الكنوز.
  3. اقترب موعد إحدى أمسياته المقررة؛ فاستأذن بالصعود إلى غرفته في فندق سياحي شهير في حلب لقضاء حاجة أفلتها كمبيوتر الذاكرة المتعبة، استفرد به رقم آدمي عبيط يأتي في مرتبة متأخرة من مجموعة المعنيين بشؤون الأمسية واشيًا بنقل مكان الأمسية من صالة كبيرة إلى أخرى أصغر بحجة طارئ فني وتصليحات مفاجئة، استشعر محمود درويش لفرط الرقة الروحية وطلاوتها سهم إهانةٍ أصابت مكمن شاعريته فاستشاط غيظًا، ويمم شطر السيارة المرافقة التي كانت تقلُّه، ضاربًا عرض الحائط ببضع محاولات من بعض أعلام الفكر والأدب في ثنيه بالعدول عن قراره، حاولت ترطيب خاطره، وتطمين باله بإضمامةٍ من كلمات الحب، مبينًا له الظرف المستجد؛ فصاح بصوتٍ متهدج (حتّى أنت يا محمود)، أجبته وأنا أتقلب مع الحشد التوّاق لتغريده الشجي على جمر اللهفة: (هيا بنا إلى مخيم العودة النيرب؛ لنقيم لك أجمل عرس فلسطيني)، ولكن سبق السيف العذل، وضاعت فرصة من أثمن فرص عمر المدينة.
  4. اكتظ مدرج الجاحظ في كلية الآداب بالحضور لدرجة التخمة بما فيه الممرات الجانبية احتفاءً بشاعر المقاومة الأبرز، وما أنْ اعتلى منصة الإلقاء، وطفق يغرد، دبَّ ضجيج من شدة الازدحام في ميسرة المدرج العلوية، فما كان منه إلا أنْ رشق جملة من الكلمات الغاضبة على مسمع الحضور وغادر القاعة؛ مما حدا بعمادة الكلية ولفيف من الواجهات الأدبية والأكاديمية المرموقة في المدينة إلى ترطيب الحال بقبلات الود وإعادته بمشقة بالغة.
  5. في جولة سياحية لبعض معالم حلب مع لفيف من الصفوة، همس محمود درويش في أذني مستفسرًا عن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وأردف: إنّه من أهم كتب التراث العربي, يممنا صوب المستودع الأرضي لإحدى المكتبات العامرة, احتضن محمود أجزاء الكتاب الفاخرة طباعة وإخراجًا بين يديه, أخذنا بتؤدة نصعد سلم الدرج, سارع أحد الأدباء، وقد كان بالمصادفة أقل وزنًا وأصغر حجمًا؛ يريد أنْ يحمل الكتب عنه تقربًا أو تملقًا (عنّك أخ محمود). لم يرق هذا التصرف لمحمود درويش، فرد عليه بعصبية ملحوظة: (شيل حالك).
  6. في الزيارة الأخيرة (للمدينة البيضاء) حلب، وبعد تبادل نخب التحيات هاتفيًا بالوصول بالسلامة، تنطع دسّاسٌ من الطراز المحترف بإيصال رسالة ملفقة جائرة بدهاء، مفادها أنَّ كوكبةَ من شعراء المدينة يتصدرها أبناء جلدتك الفلسطينية تستميت بالنيل من مكانتك الشعرية المرموقة، وعلو بنيانك الإبداعي الشاهق؛ فارتفع ضغط شريان بوصلة النزق الدرويشي الأبيض إلى درجة الغليان؛ مما اضطرنا، وعلى جناح السرعة؛ بتوجيه رسالة له بعنوان (بطاقة حب إلى محمود درويش) ممهورة بتواقيع المجموعة المومأ إليها، نشرت في مجلة الحرية الفلسطينية في حينه؛ لرأب الصدع، وترميم الخدوش، وامتصاص الشوائب.

أقول: كم هو جميل إحساس المبدع الرهيف غير المبرمج، وعفوية النزق الفطري البريء، ونرجسية الذات الطيبة الممتلئة بالزهو والفخار والسؤدد – اعصم النفس عن نعتها أنانية الذات– وبخاصة إذا صدرت عن نفس مطهمة، ومضغة أصيلة الأرومة والمقلع، وكينونة طينية محبوبة الخصال والمناقب والسجايا، ومعمار تشكيليٍّ خلاّب، بكل تجليات وجوه الموشور الحياتي الدنيوي المكتظ بالنصاعة والنبل والألق .