Menu
حضارة

كيف تعمل الإمبريالية؟

بوليفيا: قصة قصيرة عن الإنسان في عصر الثروة

تضاهرات بوليفيا الداعمة لموراليس

خاص بوابة الهدف

في ما نعرفه اليوم باسم بوليفيا ازدهرت حضارة عظيمة منذ ما يزيد على ٢٥٠٠ عام، صدَّرت لجيرانها صناعات كانت ريادية في تلك الأزمنة الغابرة، وعرفت أنماط متقدمة من البناء قياسًا بمعايير عصرنا ناهيك عن معايير ذلك الزمان، وقد كانت بوليفيا جزء من امبراطورية الأنكا، التي دمر حضارتها وأنهى وجودها الاستعمار  الأسباني ١٥٣٨، أي أننا نتكلم عن امتداد حضاري متتابع لأكثر من ٣٥٠٠ عام، هو بالتأكيد أطول من عمر المشروع الاستعماري الغربي وهيمنته الوحشية على العالم.

هذه البلاد عرفت استقلالها الأول في العام ١٨٢٥م، لتحكمها الأقلية البيضاء حتى العام ٢٠٠٦،  ايفو موراليس المرشح عن حزب الحركة لأجل الاشتراكية. كان الرجل المعروف كمناضل نقابي قديم هو مرشح حزب الحركة لأجل الاشتراكية في تلك الانتخابات، قبل الاطاحة به في انقلاب عسكري نوفمبر ٢٠١٩ بذريعة وجود احتجاجات شعبية ضده.

قصة أخرى عن بوليفيا:

تمتلك بوليفيا ٢٤،٨ تريليون قدم مكعبة من الاحتياطيات المؤكدة للغاز الطبيعي، كما تعتبر البلاد المصدر الأول للقصدير في العالم، بجانب تصديرها للذهب والفضة، وأكثر من ذلك تمتلك البلاد الاحتياطي عالميًا من الليثيوم أحد أهم الموارد الطبيعية في عصرنا الحالي، وتحتوي البلاد على ٤٠% من النباتات التي يعرفها كوكب الأرض، ومع هذا الرصيد الهائل من الثروات الطبيعية تعتبر بوليفيا واحدة من أكثر البلدان فقرًا في أمريكا الجنوبية والعالم.

نسبة البطالة في بوليفيا لا تتجاوز ٥ بالمئة ونسبة المتعلمين من أبنائها تصل إلى ٩٥ في المئة، ولكن كل هذه الثروات الطبيعية سابقة الذكر، والمورد البشري الهام، والشقاء الكبير الذي يقدمه الشعب البوليفي في العمل، لم يقيه شيء من شرور الفقر، فالبنية التحتية لمعظم المناطق في البلاد بقيت في الحضيض طيلة فترة حكم الأقلية البيضاء.

 وكذلك أفتقد معظم السكان إلى الرعاية الطبية، فعمليًا لم يكن الاستقلال البوليفي عام ١٨٢٥ إلا انتقال للحكم من المركز الاستعماري في أسبانيا، إلى شريحة المستعمرين التي استوطنت البلاد، وأمسكت بأجهزة الحكم والسلطة فيها، هذه الشريحة لم تتجاوز ١٠ بالمئة من سكان البلاد فيما البقية التي تكونت من ٧٠% من الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، وخليط من الأقليات التي جلبها الاحتلال الأسباني من بقية مستعمراته. 

عملت الأقلية الاستعمارية البيضاء الحاكمة كوسيط لتسهيل نهب ثروات البلاد من قبل القوى الاستعمارية الكبرى وشركاتها، بحيث يحرم الشعب البوليفي من موارد بلاده، فأي مقارنة بسيطة تقول أن معدل دخل الفرد في بوليفيا يجب أن يماثل نظيره في دول الخليج أو بلدان أوروبا، فيما تحل بوليفيا في المرتبة ١٠٨ من حيث معدل دخل الفرد قياسًا ببلدان العالم الأخرى، أي أنها واحدة من أكثر بلدان العالم الثالث تدنيًا من حيث دخل الفرد.

موراليس والثروة:

في العام ٢٠٠٩ نجح حزب الحركة لأجل الاشتراكية وفي ظل رئاسة موراليس للبلاد في اصلاح القانون الأساسي للبلاد، مصدرًا تعديل قد يكون الأهم في تاريخ البلاد، بإعلان جميع الثروات الطبيعية كملكية وطنية بوليفية، وقد فتح هذا التشريع الباب أمام الحكومة للبدء في خطوات متلاحقة لإلغاء الاحتكارات الأجنبية التي عادت في معظمها لشركات متعددة الجنسيات تدور في الفلك الأمريكي البريطاني.

عمليات التأميم هذه، وضعت موراليس وحزبه كهدف رئيسي للسياسات الأمريكية المعادية، فتتابعت المحاولات للتخلص من حكمه، وتدبير عمليات انفصالية في الأجزاء الأكثر حيازة للثروات والموارد الطبيعية من البلاد، باءت جميعها بالفشل، في ظل نجاح الحزب الاشتراكي وموراليس في استثمار ما بدأ يتاح من موارد البلاد المستردة تدريجيًا في تحسين الخدمات الأساسية التي كانت تفتقدها أغلبية السكان.

كيف تعمل الإمبريالية؟

اتخذت الاطاحة بموراليس صفة الأولوية العاجلة لدى المعسكر الإمبريالي مع بداية الصراع على الليثيوم، اذ أن بوليفيا تحوز على ٦٠% إلى ٧٠% من احتياطي هذا المعدن، والليثيوم يصنف اليوم كمادة المستقبل في هذا العالم ومفتاح الازدهار الاقتصادي في عالم الصناعات الحديثة.

الليثيوم هو العنصر الأكثر أساسية في تصنيع بطاريات الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المنقولة، وسلسلة لا تنتهي من الأدوات الإلكترونية، وكذلك السيارات الكهربائية. وبالنظر إلى النمو السريع لصناعة تكنولوجيا المعلومات وإنتاج أنواع مختلفة من الإلكترونيات، فإن الطلب على هذا المعدن يتزايد باستمرار. ووفقًا لمصادر مختلفة، تضاعف الطلب، خلال السنوات الـ 10 الماضية، ثلاث مرات، وفي مواجهة سعي الشركات متعددة الجنسيات لمواصلة سلب هذه الثروة من بوليفيا، مضى حزب الحركة لأجل الاشتراكية ورئيس البلاد موراليس في خطوات متعددة لإتمام تأميم هذه الثروة، وإنهاء كافة العقود الاحتكارية التي حصلت عليها الشركات متعددة الجنسيات، وبدأ البحث فعليًا عن منافذ أخرى لتسويق هذا المعدن بسعره الحقيقي وبما يعود على البلاد بفائدة من بيعه، حيث اتجهت الحكومة البوليفية لمجموعة من العقود والخطط الاستثمارية مع شركات صينية وروسية، محققة بذلك كسرًا خطيرًا للمحاولات الغربية لاحتكار المعدن وحرمان المنافسين منه.

الراهن:

جاء الانقلاب على الرئيس ايفو موراليس وعلى السلطة المنتخبة بما لا يعكس التوازنات الحقيقية للقوة في بوليفيا، واذا كان يمكن توصيفه بدقة فهو استثمار لحظي للقوة العسكرية التي تدين بالولاء لأعداء البلاد أفضى لعزل الرئيس والحكومة المنتخبة، لكن مظاهر الاحتجاج الشعبي الممتدة والمستمرة وعميقة التأثير أظهرت بوضوح أن المعركة لأجل بوليفيا لم تنتهي.

وأخيرا أعلن حزب الحركة لأجل الاشتراكية تعيين ايفو موراليس كمسؤول عن حملته الانتخابية في الانتخابات المقبلة، واستعاد الحزب لحد كبير توازنه واستعداده، وتحركت أذرعه ومفاصله التنظيمية على اتساع البلاد، حيث يراهن الحزب على فوز كبير في الانتخابات، وقد أعلن موراليس أن الحزب يستطيع تقديم مرشح موحَّد يهزم منافسه من الجولة الأولى.

لا زالت المعركة على استقلال بوليفيا في الشارع، يخوضها الملايين من فقراء البلاد وأبنائها الأصليين، في وجه المشروع الاستعماري وأتباعه، معركة قد تسهم كثيرًا في تحديد الخارطة السياسية في أمريكا الجنوبية التي طالما تعاملت معها الولايات المتحدة كحديقة خلفية تنفذ فيها سياساتها من خلال المؤامرات والانقلابات العسكرية، وتنهب ثرواتها دون رادع.