Menu
حضارة

إفريقيا والقضية الفلسطينية: مسارات العلاقة ورهانات  النضال المشترك

سليمان عمر منغانـي

افريقيا فلسطين.jpg

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

تهدف هذه الدّراسة إلى رسم مسارات العلاقات الإفريقية الفلسطينيّة والبحث في جملة من المعطيات الضّرورية تسهم في بناء إستراتيجيات وصياغة وعي إفريقي - عربي قادر على استيعاب مضامين القضية الفلسطينية ومفاصلها المركزية كأساس لعمليتي البناء والصياغة. باعتبار إفريقيا جنوب الصّحراء عمقًا إستراتيجيًا للأمن القومي العربي والفلسطيني، وفرصة يمكن استغلالها لتكوين جبهة عالمية مناصرة للقضية الفلسطينية، وذلك نظرًا لما يحويه الفضاء الإفريقي من  إمكانيات  بشرية وذاكرة نضالية كبيرة. كلّ ذلك ضمن نظرة شاملة للقضية الفلسطينية في ارتباطها بإفريقيا، بكلّ أبعادها الدّينية والسياسية والاقتصادية والفكرية. كما أنّ هذا العمل مساهمة في بلورة ثقافة المقاومة في منطقة جنوب الصحراء،  باعتبار هذه الثقافة منظومة متكاملة  تدافع عن قضايا الشّعوب المضطهدة وقواها الحيّة في نضالها من أجل العدالة والحرية، وتدعو إلى كسر قيد التبعية للقوى الإمبريالية، وتنحاز بلا تردد إلى جانب المناضلين في سبيل الحرية والاستقلال والكرامة.

I- علاقة إفريقيا ب فلسطين وبالقضية الفلسطينية: المسارات التاريخيّة والمشتركات الحضاريّة

تعتبر علاقة فلسطين بإفريقيا علاقة قديمة ضاربة الجذور في التاريخ تعود إلى أزيد من ألفي عام حيث كان الشرق العربي وإفريقيا جنوب الصحراء بقعة جغرافية واحدة، وكان العرب والأفارقة يتواصلون عبر مضيق باب المندب بحرًا، حينما كانت السواحل الإفريقيّة تمثّل محطّات تجاريّة للسفن العربيّة، وكذلك برًّا من خلال شبه جزيرة سيناء المصريّة. يضاف إلى ذلك دور الإسلام في توطيد هذه العلاقة منذ وقت مبكّر من البعثة النبويّة مع وصول أول وفد مهاجر من الصحابة إلى الحبشة، هذه العوامل التاريخيّة والجغرافية أسهمت في انصهار الشعوب الإفريقية والعربية من خلال الهجرة والمصاهرة والتجارة، وتنوّع الشعوب العربية عامّة والفلسطينيّة خاصّة خير شاهد على ذلك. على أنّ هذه العلاقة بين الشعبين ستبرز حديثًا في سياق آخر استثنائي ضمن أعمال المؤتمر الصهيونـي الأوّل في بازل سنة 1897م، حيث جاء في صدارة أعماله فكرة اختيار أوغندا ليكون وطنًا قوميًا لليهود، إلا أنّ هذا المقترح رفض في المؤتمر السادس سنة 1903م؛ لعدم استجابته لأهداف ومشروع الحركة الصهيونية العالميّة، ممّا يعني أنّ القضية الفلسطينية ارتبطت منذ نشأتها الأولى بالقارة الإفريقية، وهو ما يضفي على تناول هذا الموضوع أهمية قصوى لاعتبارات تالية:

  1. وجود الكيان الصهيونـي في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى خلق نظام إقليمي صراعي أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربيّة الإسرائيلية.
  2. ارتباط وتأثّر العلاقات العربيّة الإفريقية بالعلاقات الإفريقيّة الإسرائيليّة، أدى ذلك إلى جعل القارة الإفريقيّة ساحة للتنافس والصراع بين "إسرائيل" والدّول العربيّة، وعلاقة ذلك بمتغيّرات النظام الدّولـي.
  3. كون المشروع الصهيونـي بمقوّماته الإيديولوجية والسياسية والاجتماعيّة تمثّل عقبة قصوى أمام التواصل العربي الإفريقي، حيث يطغى النفوذ الغربي على معظم البلاد العربية والإفريقية سياسيًا وفكريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، في تماهي واضح بين المخطط الصهيونـي والمشاريع الغربية في مستعمراتها القديمة.

هذا وقد مرّ علاقة إفريقيا بالقضية الفلسطينية بأربع مراحل أساسية:

1- مرحلة ما قبل الاستقلال

 وقد تميّزت ببناء "إسرائيل" علاقات مع إفريقيا، حيث كانت سياسات الدّول الاستعمارية بالقارة على غرار فرنسا وبريطانيا موجّهة نحو تسهيل العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، وتوفير المقوّمات السياسية والدبلوماسية للكيان للحصول على سند عالمي عبر البوابة الإفريقية، وهنا نتذكّر جهود و مساهمات رئيس وزراء الجمهورية الثالثة الفرنسية، الاشتراكي ليون بلوم  Léon BLUM André  (1872- 1950) الذي عرف بدفاعه المستميت عن الصهاينة و" إسرائيل"، وأفكاره العنصرية تجاه المستعمرات الفرنسية، وكان يزعم أنّه كما يسعى الاستعمار إلى تحضّر الأفارقة فإنّ الصهيونية ترمي إلى تحويل الشرق إلى غرب مستنير([1]).

2-مرحلة الاستقلال وظهور حركات التّحرّر الإفريقيّة

بدأت هذه المرحلة خلال الخمسينيات إلى آخر الستينيات، في وقت كانت جلّ الدّول الإفريقية تناضل من أجل استقلالها، حيث نجحت بعض السياسات العربية  من استثمار حالة المدّ الثوري العربي والإفريقي في بناء محور عربي إفريقي لمناصرة القضية الفلسطينية، حفاظًا على الأمن القومي العربي واعتبار إفريقيا عمقًا استراتيجيًا ومنطقة طوق للعالم العربي، وقوى مهمّة  للتحالفات الإقليمية والدّولية في مواجهة الكيان الصهيوني والأمبريالية العالمية. وكانت أروقة دول عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الإفريقية وأفرو آسوية، والمؤتمر الإسلامي مجالًا فسيحًا للدّفاع عن القضية الفلسطينيّة. فعلًا إثر حرب 1967 أكدت منظمة الوحدة الإفريقية على تأييد القرار الأممي رقم 242 القاضي بعدم شرعية احتلال "إسرائيل" للأراضي العربية، كما أسهمت الجهود العربية ودعمها لحركات التحرّر والإفريقية في دفع سبع دولة إفريقية إلى قطع علاقتها مع "إسرائيل" قبيل حرب تشرين الأوّل- أكتوبر 1973، وهي كلّ من جمهورية مالي والنيجير وتشاد والكونغو برازافيل وبوروندي وزائير وتوغو، إضافة إلى غينيا كوناكري أوّل دولة إفريقية من جنوب الصحراء قطعت علاقتها مع "إسرائيل" مباشرة بعد حرب 1967. هذا وقد قوى هذا الموقف الراديكالي من الدول الإفريقية خيبة أملها من مواقف الدول الغربية من نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا ودعمها المادي والمعنوي له.

 هذا، ويمكن للمستقرئ لمواقف الحكومات الثورية الإفريقيّة من القضية الفلسطينية أن يستنتج ما يأتي:

  •  القضية الفلسطينية ليست قضية دينيّة لكنّها إنسانية وأخلاقيّة وسياسية.
  • لكلّ شعب مظلوم الحقّ في الدّفاع عن نفسه، والمطالبة بحقه بكلّ الوسائل المتاحة.

   ج- الكيان الصهيوني، كيان وظيفيّ فاقد لكلّ الشّرعية التّاريخيّة.

وهو ما يمكن استنتاجه من تصريح رئيس جمهورية غينيا الثورية الشعبية أحمد سيكو توري سنة 1970م:

«إنّ المشكلة الفلسطينية ليست دينيّة يواجه فيها الإسلام دينًا آخرًا، ولا هي مشكلة خاصّة بالشّرق الأوسط تهم البلاد العربيّة وحدها، إنها مشكلة سياسية أولًا... ونحن لا نعتبر المشكلة بين العرب و اليهود مشكلة عنصريّة، فالجنس لا يصنع التّاريخ. إنّ صراع الأضداد وصراع الطبقات يسود التّاريخ، ولذا نقول إنّها مشكلة سياسيّة وأنّنا نؤيّد فلسطين وندين الواقع السّياسي الذي أدى إلى اغتصاب جزء من الأراضي الفلسطينيّة لفرض دولة يهوديّة، وقد كان الاتّجاه نحو إنشاء الدّولة اليهوديّة في إفريقيا سواء في كينيا أو في أوغندا ولم يأتِ الحل الفلسطيني إلا بعد ذلك، ولو أنّ الدّولة اليهودية احتلت منطقة فوتا جالون (غينيا) فإنّ شعبها كان لا بدّ أن ينظّم النضال كما يفعله الفلسطينيون اليوم... إنّ الاستعمار فرض الدّولة اليهودية ونحن نعارض الاغتصاب ومن ثم نعتقد  أنّ جميع البلاد المعاديّة للاستعمار أيّا كان حبّها لليهود ينبغي أن تتفهّم الطّابع المقدّس للوحدة الإقليمية لأي مجتمع وينبغي أن تؤيّد فلسطين في إعادة الحقيقة التّاريخيّة وبعد ذلك يأتي دور الحقيقة الاجتماعيّة والأخيرة قبل الفردية. واليهود يدافعون عن صبغة اجتماعية وهي مشروعة لكنّها تأتي بعد الحقيقة التّاريخيّة... فبعد أن تستعيد فلسطين سيادتها على أراضيها ينبغي أن يتمتّع المجتمع اليهوديّ بجميع الحقوق المعترف بها للإنسان على أساس من الحرية والديمقراطية...»([2]).

3- مرحلة الانكسار    

وتنطلق عقب معاهدة كامب ديفيد للسلام 26-03- 1979 الذي إنهار بمقتضاه قرار الدول الإفريقية مقاطعة إسرائيل بناء على المواقف العربية وفي مقدّمتها الموقف المصري، وذلك بعد تبادل السفراء بين كلٍّ من القاهرة وتل أبيب. ويبدو أنّ هذا الحدث أضرّ كثيرًا بالعلاقات العربية الإفريقية عمومًا والفلسطينية خصوصًا، إذ اعتبر جلّ الدول الإفريقية المقاطعة لإسرائيل "خيانة" ونسفًا للجهود التي بذلتها والتضحيات التي قدّمتها من أجل العرب وقضاياهم العادلة وفي  مقدّمتها القضية الفلسطينية. ومن هنا بدأت مرحلة الجفاء بين العرب والأفارقة مقابل العودة التدريجية للعلاقة مع "إسرائيل" لوهن السياسات العربية والإفريقية على حدّ سواء لعوامل عدّة من أبرزها: رحيل عدد كبير من زعماء حركات التحرّر العربية والإفريقية على غرار جمال عبد الناصر سنة 1970، الذي عجل رحيله بتراجع الدّور المصري على المستويين العربي والإفريقي،  وأميلكال كارال 1973، وأحمد سيكو توري سنة 1984، علاوة على انبعاث وضع عالمي جديد بسقوط جدار برلين سنة 1989، وانفراد أمريكا بالقضية الفلسطينية، خاصّة بعد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط سنة 1991 واتفاقيتي أوسلو 1993 و 1995.

  1. مرحلة الانكفاء والتراجع

وهي امتداد طبيعي للمرحلة السابقة، حيث أدّت عوامل إقليمية ودولية إلى انخفاض منسوب العلاقة الإفريقية الفلسطينية بحكم إفرازات العولمة الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة، وضعف الأنظمة العربية والإفريقيّة، والانقسامات العربيّة، وافتقاد العرب إلى رؤية إستراتيجية تجاه إفريقيا كما كان عليه الحال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، يضاف إلى ذلك فشل بناء الدّول الوطنية في إفريقيا، وانشغال العرب والأفارقة بشؤونهم الداخليّة مقابل إهمال أمهات القضايا الإقليمية والدّوليّة والإستراتيجية. كلّها عوامل ساعدت على تسلسل إسرائيل إلى القارة الإفريقية من خلال استغلال اتفاقيات السلام المزعوم مع الفلسطينيين والعرب، وعبر  استثمار النفوذ الغربي الأمريكي  واللوبي الصهيوني في إفريقيا.

يستنتج ممّا سبق، أنّ إفريقيا وفلسطين يجمعهما التاريخ والجغرافيا وقضايا النضال المشترك من حيث الهيمنة الأجنبية، والاستعمار والاستيطان، والتقسيم  والفصل العنصريّ، على غرار ما عاشتها جنوب إفريقيا وموزامبيق وأنغولا وغينيا بساو. فلا غرابة أن تمثّل إفريقيا ملجأً للفلسطينيين وأرضًا لاحتضانهم، وموضوعًا لشعرائهم وأدبائهم من خلال التزامهم الضروريّ بجميع القضايا الوطنية والتحررية إقليميًا وعربيًا وعالميًا وبثهم خطاب المثاقفة والحوار مع إفريقيا. فأنشد محمود درويش "أغنيات حبّ إلى إفريقيا"([3])، ونظم سميح القاسم " أبّدًا على الطّريق"، و " توتم" أو " باتريس لومومبا"([4]).

هذه المعطيات جميعها كوّنت في الذّاكرة الجماعية الإفريقية مقوّمات ثقافية و دينية و سياسية عن القضية الفلسطينية، نرى الوقوف عليها ضروريًا للتفكير في كيفية صياغة استراتيجيات بناء وعي إفريقي مقاوم ومناصر للقضية الفلسطينية.

III- استراتيجيات بناء وعي إفريقي مقاوم ومناصر للقضية الفلسطينية

تأتي محاولتنا هذه في البحث عن استراتيجيات إفريقية جديدة مقاومة ومشاركة في التضامن النضالي مع الشعب الفلسطيني في ظل واقع سياسي مفعم بالتحديات السياسية المصيرية التي تدفع الشعوب الإفريقية والعربية الوطنية المقاومة، لشحذ طاقاتها واستعادة اللحظات التاريخية التي تمّ فيها الاستيلاء على حقوقها شعبًا وأرضًا بكل معانيها ودلالاتها، بدليل أنّ القوى الإمبريالية والصهيونية التي اغتصبت فلسطين، هي ذات القوى التي تستمر اليوم في محاولة فرض سيطرتها الاستعمارية في آسيا وإفريقيا وأمريكيا اللاتينية، ووضع اليد على حاضر ومستقبل الأمة. هذا الواقع يفرض علينا اليوم استنهاض الطاقات الشعبية وبلورة المواقف الفكرية والسياسية من أجل مواجهة الهجمة الاستعمارية المعاصرة، والعمل الدائم على إحياء الذّاكرة التّاريخية للشعوب المقاومة واكتشاف أبعاد الفعل الاستعماري وأهدافه على أرضية المقاومة وطريق الانتصار. وانطلاقا منها فإنّ رؤيتنا لبناء إستراتيجيات وعي إفريقي مقاوم من أجل القضية الفلسطينيّة تتمثّل في أربعة مستويات: سياسية و اقتصادية و ثقافية و إعلامية.

1- المستوى السياسي

ويهدف إلى مراجعة الأسس التقليديّة للعلاقات العربيّة الإفريقيّة عمومًا والفلسطينية الإفريقية خصوصًا على ضوء المتغيّرات الرّاهنة من خلال تفعيل دور المؤسسات العربيّة- الإفريقيّة والهيئات المنبثقة منها على غرار  منظمة الاتّحاد الإفريقي، واللجنة الدائمة للتعاون العربي الإفريقي، وتحديد آليات عملها بما يستجيب لمتطلبات التعاون من أجل المصالح المشتركة.

يضاف إلى ذلك العمل على المستوى النقابي والحزبي عبر العلاقات العربية - الإفريقية وتكثيف الجهود من أجل تمثيليات دبلوماسية عربية مقاومة قادرة على التّعامل مع المجتمع المدنـي المحلـي الإفريقي، وخاصّة القوى الشبابية الإفريقية التي تتوفّر على  قدرة كبيرة لاحتضان فكرة المقاومة باعتبارها مناهضة للمخطّطات الاستعمارية التي لم يجنِ الشباب الإفريقي من ورائها سوى الفقر والجهل والهجرة غير الشّرعية. كما أنّ هذه الاستراتيجية يمكن لها تمكين القضية الفلسطينية من كسب شرعية سياسية     و قانونية أكثر في المحافل الدّولية، وعزل إسرائيل وتطويقها من خلال بناء تكتّل عربـي- إفريقي، وتقديم الكيان الصهيونـي إلى العالم على أنّه كيان استيطاني وعنصريّ، عبر منظمات إقليمية وقارية على غرار الاتّحاد الإفريقي أو اتّحاد دول السّاحل والصّحراء، دون نسيان دور الجالية العربية في تحقيق هذه الغايات وتفعيلها.

2- المستوى الاقتصاديّ

ويتمثّل في الاهتمام العربي بالسّوق الإفريقي وعقد اتّفاقيات وشراكات اقتصادية ومقاطعة المنتجات والصادرات الإسرائيلية إلى إفريقيا المزدهرة في بعض البلدان على غرار جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا، وإقامة المعارض التجارية المشتركة في الملقيات التجارية العالمية، مع تفعيل دور الصندوق العربي للمعونة الفنيّة ومؤسسات التمويل العربية الإفريقية وتوجيه جزء من مرابيحها لصالح الشعب الفلسطيني والدول الإفريقية المنكوبة. هذا البعد يكسب أهميته كذلك في البحث عن شركاء اقتصاديين أخرى وخيارات اقتصادية بديلة تقطع مع  الرأسمالية العالمية المتلاحمة مع إسرائيل، وذلك عبر انتقالها التدريجي من قوّة كيان محلـي إلى قوّة وظيفية عالمية و تمثيلها الوساطة و التفاوض بين إفريقيا والمنظمات المالية العالمية (البنك وصندوق النقد الدّوليين) علاوة على تولّيها إبرام صفقات الأسلحة واقتحامها سوق الذهب والماس الإفريقي بنسبة (75%)، وربّما حادثة تفجير مركز التسوّق ويستغيت بالعاصمة الكينية نيروبي في21-09-2013م، وانفراد "إسرائيل" بمساعدة السلطات الكينية في مواجهة إرهاب الشباب الصوماليين ظاهرة أخرى من ظواهر تورّط "إسرائيل" في عولمة الإرهاب وتصديرها إلى القارة السمراء.

3- المستوى الثّقافـي

تعتبر الثقافة رافعة العلاقات الإفريقية الفلسطينية، وتتأسّس على بناء الأطر والمؤسسات الثقافية المشتركة التي من شأنها تمكين الطرفين من التبادل الثقافي والحضاري، ونشر ثقافة المقاومة عبر المراكز العلمية والبحثية من خلال الملتقيات العالمية وورشات التدريب والتكوين، وتعريف إفريقيا بعمق القضية الفلسطينية،  واستقطاب النخب الفكرية والدّينية، وتحسيسها بجسامة القضية ومركزيتها في تحديد مصير الأمّة. ونظرًا إلى أهمية الدّين عند شعوب إفريقيا جنوب الصّحراء، فإنّ دور النخبة الدّينية في بناء الوعي الثقافي والدّيني المقاوم في  المنطقة يُعتبر خطيرًا، نظرًا إلى مكانتها الرّوحية ونفوذها الاجتماعية وقدرتها التعبوية، كما أنّ التّماهي بين المشروع الصهيوني والتكفيري، يجعل العمل على إصلاح وترشيد الخطاب الدّيني في بلدان إفريقيا جنوب الصّحراء مطلبًا يوميًا لمواجهة هذين الخطرين اللذين أصبحا يمثّلان واجهة حقيقة للاستعمار الجديد في المنطقة، ومن ثم فإنّ الخطاب الدّينـي بإفريقيا اليوم مطالب للتطوير والإصلاح حتى يكون خطابًا واقعيًا متحرّرًا من التضخّم الأيديولوجيّ، وغير مفرط في الرّوحانيات، حتى يتمكّن من الاضطلاع بمهمته الحضارية والإنسانية، ويكون ملهم الشّعوب ضدّ الإمبريالية ومنتصرًا لقضاياها وفي قمتها القضية الفلسطينية باعتبارها البوصلة و المركز. وانطلاقًا منه  يمكن اقتراح  ما يلي:

- تكوين قيادات مجتمعية إفريقية عامّة ودينية خاصّة لخدمة القضية الفلسطينية، وتوسيع نطاق اهتماماتها بها.

- حشد الدعم الإيجابي لفلسطين على المستوى السياسي في إفريقيا، عبر بناء رأي عام مؤيد وضاغط      و إيجاد جهات داعمة لها ماديًّا ومعنويًا.

-التواصل المعرفي مع الدول الإفريقية من خلال القضايا الإسلامية المشتركة، والتفاعل التبادلي بين العلماء وقادة المجتمع.

- تأصيل فكريّ إسلامي لمفهوم المقاومة والموضوعات الحافّة بها على غرار الاحتلال والتحرير، وتكامل أدوار الأمة في تحرير القدس الشريف، والتوعية بالمخاطر التي تهدده.

- العمل على تفعيل دور الخطاب الدّيني الإعلامي في توجيه الرأي العام.

4- المستوى الإعلامي

ويهدف إلى بناء رأي عام إفريقي مؤمن بالقضية الفلسطينية ومنتصر لها فكرًا وممارسةً من خلال فضح المخطّطات الصهيونية في القارة والمتمثّلة في:

- التأثير في الأمن المائي والغذائي العربـي عبر الضغط على بلدان دول النيل.

- السعي إلى السيطرة على المناطق الإستراتيجية بالقارة للحفاظ على مصالح « إسرائيل»، مثل البحر الأحمر الذي يمثّل نقطة تجسّس إسرائيلي مهمة على العديد من البلدان العربية وممرًّا استراتيجيًا للصادرات الإسرائيلية إلى القارة.

- إضعاف التأييد الإفريقي للقضايا العربية عامّة والفلسطينية خاصّة من خلال محاولة الاستفادة من الصوت الإفريقي في المنظمات الأممية.

- الرّبط الإيديولوجي بين «إسرائيل» وبعض الحركات والجماعات الإفريقية، مثل حركة الجامعة الإفريقية والزنوجة.

- تدعيم العلاقات الاقتصادية مع الدّول الإفريقية والمساعدة على تنفيذ السياسات الغربية في إفريقيا.

إنّ عالمية المقاومة تتطلب اليوم بناء إعلام مقاوم هادف في إفريقيا وفي العالم، بغية التصدّي المخطّطات الصهيونية المتغلغلة بقوّة في القارة تحت مظلّة علاقات دبلوماسية واتّفاقيات اقتصادية ومساعدات ماديّة وتبادلات ثقافية. وفي هذا السياق تقول رئيسة الوزراء الإسرائيلي الأسبق غولدمائير:«إنّ إفريقيا تشكّل من وجهة نظرنا ميدانًا لا ينبغي أن نسمح بنشوء فراغ فيه بعد حصول أقطارها على الاستقلال، لأنّ ملء هذا الفراغ من قبل قوى غير صديقة سيعتبر نكسة لنا... إنّ الدّول الغربيّة الصديقة يمكن لها أن توفّر لنا المساعدات الاقتصاديّة والسياسية والعسكريّة ولكنّها لا تستطيع أن توفّر لنا مجالات حيويّة لصادراتنا ومنتجاتنا، نحن نحتاج إلى من يقّف ما نهدف إليه حقّا...» ([5]).

إنّ البعد الاستعماري للصهيونية العالمية يجعلها في تقاطع مع العولمة " المتوحشة" وفي اقتحام ناعم للقارة عبر معايير اقتصادية (أهمية السوق الإفريقي وثرواتها) إستراتيجية (البحث عن السند العالمي)      وسياسية (الشرعية والخروج من العزلة الدّولية).

خاتمة

إنّ التأكيد على أهمية المحور الإفريقي في عالمية المقاومة والانتصار للقضية الفلسطينية لا ينبغي أن يكون ترفًا فكريًا أو مفاخرة نرجسية، لكن فكرًا واعيًا ونظرة إستراتيجية بعيدة المدى، يعني ذلك:

أوّلًا: أنّ تعامل المثقفين والسياسيين العرب مع الكيان الصهيونيّ كهمّ " عربيّ" فقط واعتبار موقف                 "الآخرين" موقف التعاطف أو التطبيع مع « إسرائيل»، أمر لا يستقيم.

ثانيًا: أنّه من الخطأ التّاريخي التعامل بخفّة مع الحركات الناهضة للكيان الصهيوني في بلدان خارج المنطقة العربيّة عامّة وبإفريقيا جنوب الصّحراء خاصّة، والاكتفاء فقط بالتناول الإعلامي البسيط السّاعي إلى "ملاحقة" النشاط الإسرائيلي دون معالجة علميّة حقيقيّة، وفي هذا تنبيه إلى مخاطر الاسترخاء العربيّ والإسلامي والإفريقي أمام الهجوم الإسرائيلي المعاكس بإفريقيا ودور الكيانات العربية والإفريقية الرّسمية وغير الرّسمية في التصدّي له قبل أن تتحوّل إفريقيا إلى مستوطن إسرائيلي وصهيونـي.

ثالثًا: أنّ أهمية المحور الإفريقيّ باعتباره عمقًا استراتيجيًا تتمثّل في المساهمة للظفر بالقضية الفلسطينيّة والنجاح في تكوين جبهة عالمية للدّفاع عن فلسطين وعن الأمن القومي العربـي والإفريقي. مما يتطلّب تشكيل محاكم شعبية إفريقية لجرائم العدوان الصهيوني الإرهابي على فلسطين وفي إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتفعيل دور المجتمع المدني في تجريم كافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، والضغط على الجهات الرسمية للتنصيص على ذلك في جملة من القوانين التي تضع حدًا للتساهل الرّسمي للمظاهر الخفية من التطبيع التجاري والاقتصادي والمالي والفكري؛ دون أن ننسى الدور المتواطئ لبعض المواقع الإعلامية في التناول المشوّه للمسألة الفلسطينية، لا سيما الغياب المطلق لتجذير الوعي الإعلامي بعدالة القضية.

رابعًا: إنّ المقاومة مسألة وجوديّة ترتبط وثيق الارتباط بالذّات الإنسانيّة في صعودها وانحطاطها، يتغيّر المفهوم حسب تطوّر البشريّة وموقع الفرد والجماعة في هذا العالم، وبذا فإنّ قيمة وعي المقاومة ليست ثابتة بقدر ما هي متحوّلة، فلا ينبغي أن يقتصر الأمر على مقاومة المستعمر والتنديد به، وإن كان ذلك جزءًا لا يتجزّأ من هذا الوعي الطّموح إلى الحرية والاستقلال، بل تجاوزها إلى مقاومة الظّلم والاستبداد والرّشوة والفساد والجرائم المنظّمة. مع العلم أنّ ما يفتك بالأمم من الدّاخل أشدّ نكالًا ممّا يأتي من الخارج، لأنّه يهدّد وجود هويّة تشكّل بالكدّ والجهد الدّامي، وينبئ بتقويض أركان وطن تأسّس بدماء الشّهداء، وإن اختلفت وجهات النظر حول استراتيجيات بناء وعي المقاومة، فإنّها تظلّ في كلّ الحالات التزامًا أخلاقيًّا حيًّا ومتجدّدًا باستمرار.        

خامسًا: إنّ النضالات المظفّرة لقوى المقاومة في العالم أجمع باتت ترسم فجرًا جديدًا لمرحلة بداية عصر انتصارات الخيار المقاوم، في مقابل انكفاء المشروع الصهيو- أمركي وأدواته الرجعية بالمنطقة، بحيث أصبحت الحاجة ملحّة إلى بناء استراتيجية مقاومة لكل المشاريع المشبوهة في حق الأمم، عبر العمل على توحيد الجهود وتضافر الإمكانيات، وصهر الإرادات والطاقات لتشكيل هندسة جديدة لعقل مقاوم، وثقافة ممانعة مدْركة لـميكانيزمات تحصين الصّفوف الوطنية من سائر أشكال الفتن ومظاهر الاستنزاف الذاتي للطاقات، وتوحيد الجهود صوب الأعداء الحقيقيين للأمة والإنسانية.

 

إنّ عالمية الحركة الصهيونية والاستكبار العالمـي يجب أن تقابلها عالمية المقاومة، لأنّ مدينة "يافا" كما يقول عباس محمود العقاد تقف وحدها هناك أما "تل أبيب"  تقف ومن ورائها أمّم موزّعة بين جميع أنحاء العالم تعينها بأحدث ما اخترعه العلم من الوسائل، وأخفى ما يعرفه المال من الأساليب               وأقوى ما تسيطر عليه السياسة من الخدع، لذا فإن  مدينة "يافا" لن تقوى على هذا الصّراع العنيف على انفراد، فلا بدّ لها من عون سريع يُرجع إليها غريمتها، ليجري الأمر بينهما على سنة الإنصاف ويُرجى منه اتّقاء الهزيمة في هذا النضال ([6])، فهل من مستجب؟

 

 


[1] - Léon Blum, Les juifs devant le problème allemand, in L’œuvres, tome 7, Albin Michel, Paris, 1963, P.311.

[2]- حسب ما نشرته مجلة "جين أفريق" (Jeune Afrique )  و دكار ماتين (Dakar Matin ) ، في 07/04/1970م.

[3] - درويش (محمود): أحبك أولا أحبك، دار الآداب، بيروت، 1972.

[4] - القاسم (سميح): الديوان، دار العودة، بيروت، ط1، 1987، ص ص 104- 108.

[5]- مجموعة المؤلفين، العرب والدّائرة الإفريقية، مركز الدّراسات العربيّة، بيروت، ط1، 2005، ص168-172.

[6]- العقّاد، عباس محمود: الأعمال الكاملة، دار الكتاب اللبنانـي، بيروت 1982، مج 22، ط1، ص 540-542.