Menu
حضارة

استراتيجية التمدد الإسرائيلي نحو إفريقيا..!

محمد صوان

افريقيا.jpg

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

لا تتعدى أحاديث معظم فقهاء السياسة العرب عن الأمن القومي العربي في إفريقيا حدود التعليق على الأوضاع في دول الشمال الإفريقي أو دول حوض النيل وتجلياتها على حقوق العرب التاريخية، وهذا هو كعب أخيل الخطاب القومي العربي تجاه إفريقيا، بوصفه مجرد تعبيرات "للأمن القومي" التقليدية!..

ففي الاستراتيجيا, نواجه اليوم الخطابات المعادية؛ سياسيًا وإعلاميًا وثقافيًا للشمال الإفريقي، وصولًا إلى الصومال ونيجيريا وجنوب إفريقيا, وفي الاستراتيجيا، نواجه أيضًا الاقتصاد المعتمد لحركة الوحدة الإفريقية، ومراكز المنظمات الإفريقية القارية, والوظائف الكبرى للاتحاد الإفريقي.. وفي الاستراتيجيا كذلك؛ نبحث عن دور التعاون والتنسيق بين العرب والأفارقة, وبما يخدم حركة النهوض المشترك على أساس حداثي وثقافي وحضاري.

ولغياب مثل هذا الحضور بدرجات صارخة, بدأ التحرك الإسرائيلي الأخير مفزعًا لكثير من الدول العربية, "فإسرائيل" ذات نفوذ جديد فعلي في القارة الإفريقية، وهي اليوم تتاجر في 75% من إنتاج الماس الإفريقي, كما أنّها تصدّر السلاح والخبراء لعدد من الدول، وفي مقدمتها وأغناها (نيجيريا), فضلًا عن بلوغ تجارتها رسميًا لأكثر من ثلاثة عشر مليار دولار سنويًا, وفي إطار المؤسسات والشركات الدولية، بما يصل لستة عشر مليار، بالإضافة إلى مراكز الأمن العسكرية المرتبطة بأمن الأنظمة نفسها، وتغطي "إسرائيل" كل هذا الحضور الفاعل بغطاء من صندوق النقد والبنك الدوليين؛ مما يجعلها وسيطًا لعمليات القروض وسداد الديون للدول الإفريقية المتطلعة الآن لإقامة العلاقات معها؛ الأمر الذي مكّن رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو من زيارة أهم البلدان في القارة من أثيوبيا وكينيا وأوغندا إلى نيجيريا وغانا, وفق خطة معلنة؛ لتمتين الروابط والعلاقات الإسرائيلية- الإفريقية, وذلك عقب الزيارة الأخيرة أوائل عام 2019 للرئيس الفرنسي ماكرون لبعض هذه الدول, ربما لا تخفى دلالته.

إذن, العرب أمام "منافس إقليمي" مباشر يرتب إقليم الشرق الأوسط من جهة، ويدعمه بظهيره في القارة الإفريقية من جهة أخرى، وفق خطاب سياسي صريح عن "إسرائيل الكبرى" أو  "القوة الإقليمية النافذة" في الشرق الأوسط التي تنوي قيادة العرب ضد "إيران" .. أو الاقتراب أكثر من "الاتحاد الأوروبي", فضلًا عن تكثيف التعاون العولمي في إطار القيادة العسكرية الأمريكية من جهة وإفريقيا من جهة ثانية.

ومثل هذه الاستراتيجيات العدوانية لا يكفي أنْ تواجه بخطاب إعلامي تقليدي محدود الأبعاد, وإنّما تواجه بحضور حقيقي وفاعل على مستويات مختلفة بين البلدان العربية وإفريقيا من ناحية, وبوعي مخاطر التمدد الإسرائيلي نحو إفريقيا من ناحية أخرى.

المدخل الاقتصادي للنفوذ الإسرائيلي:

انعكس الإدراك الإسرائيلي لأهمية تأثير العامل الاقتصادي في تحولات سياساتها الخارجية تجاه معظم البلدان الإفريقية, فنجحت "إسرائيل" خلال السنوات العشر الماضية في أنْ تكون شريكًا تجاريًا مهمًا لإفريقيا, رغم حالة الجدل المستمر بين الدوائر السياسية الإسرائيلية ونظيراتها الإفريقية فيما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، والحقوق الوطنية والسياسية المشروعة للشعب الفلسطيني؛ الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث حالة فتور في العلاقات بين تل أبيب وعدد من البلدان الإفريقية.

تمكّنت "إسرائيل" من كسر المقاطعة الدبلوماسية والسياسية التي فرضتها البلدان الإفريقية عليها تدعيمًا للحق الفلسطيني, وأصبح لها حاليًا علاقات دبلوماسية مع "42 دولة" من أصل "52 دولة" إفريقية, ومن أهم وسائل التعاون الاقتصادي التي تستخدمها إسرائيل مع إفريقيا, ما يُعرف باسم مشروع التعاون الدولي الإسرائيلي "MASHAV"، وهو قسم من وزارة الخارجية، يقوم بدور الوسيط بين الدول النامية ودول يمر اقتصادها بفترة انتقالية من جانب, وبين الدول الاقتصادية الكبرى ومنظمات الإغاثة الدولية, مثل: منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "FAW "، ومشروع التطوير التابع للأمم المتحدة "UNDB"، ومنظمة الصحة العالمية "WHO"، والبنك الدولي من جانب آخر.

تتركز أنشطة المشروع الإسرائيلي في دول جنوب ووسط إفريقيا, وعلى نحو خاص الدول التي كانت مناهضة في السابق لإسرائيل، وقد نجح "MASHAV" منذ تأسيسه بتدريب "400 ألف" رجل وامرأة من مختلف الدول الإفريقية، سواءً داخل "إسرائيل" أم في دول إفريقية, وذلك لإكسابهم خبرات تقنية وفنية لبناء مشروعات إنتاجية صغيرة؛ بهدف مواجهة التحديات التنموية في مجالات، مثل: الحد من الفقر, وتقديم الخدمات الصحية الأساسية, وضمان الغذاء, ومكافحة التصحر, وتحقيق المساواة بين الجنسين, وإقامة شركات صغيرة ومتوسطة, وتطوير متكامل للمناطق الريفية, حيث يتم إرسال خبراء ومدربين إسرائيليين إلى مناطق يتم اختيارها وفق دراسات جدوى اقتصادية كبرى تستخدم فيها الخبرة والمال اليهودي، إضافة للإمكانات البشرية والمادية الإفريقية, بشكل يساعدها على المزيد من التغلغل الاقتصادي في الدول الإفريقية, بما يمكنها من تدعيم الشراكة القائمة بين "تل أبيب" والعديد من البلدان الإفريقية.

مآل السياسة العربية الرسمية في إفريقيا:

في عصر العولمة الذي يكاد يصبح غطاءً لكل عجز أمام الحقائق العالمية الكاسحة, نرى في مناطق عديدة شواهد على قدرة البقاء خارج إطار هذا العجز, فثمة تكتلات أو مقاربات في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تلعب فيها الدول ذات الثقل الإقليمي أدوارًا بوزنها التاريخي أو الفعلي, يحدث ذلك في ظل العولمة أو في "أمركة العولمة"؛ لأنَّه ما يزال هناك مفهوم سياسي حول القوة الإقليمية بدليل سعي "إسرائيل" نفسها لهذا الهدف بجوارنا الإفريقي.. فلماذا تظل دول شمال إفريقيا، ومن ضمنها مصر، محاصرة بمفهوم دول الجوار ودور الوسيط، أو مجرد إطفاء حرائق الصراعات الداخلية؟! أليس ذلك دورًا متواضعًا لدول الشمال الإفريقي مجتمعة؟!

لقد كان لدول شمال إفريقيا دورٌ أساسيٌ بإقامة بنية التعاون العربي – الإفريقي, وعقد في القاهرة مؤتمر القمة الإفريقي- العربي الأول في آذار عام 1977, فجاءت كامب ديفيد لتعطل مسيرته, ثم عادت الجامعة العربية إلى القاهرة عام 1990, وتلا ذلك اتفاقية أوسلو بين "إسرائيل" و "م.ت.ف" عام 1993, والتي فتحت الباب أمام "إسرائيل" للتمدد داخل القارة السمراء؛ الأمر الذي جعل النظام الرسمي العربي عاجزًا لثلاثة عقود من الزمان عن وضع صيغة لمعاودة العمل مع الجوار الإفريقي.. لقد أظهر العرب عجزًا غير مسبوق عن الاستفادة من تكتلات عدة أخرى تخصهم، وتحركت تحت أعينهم, مثل: مؤتمر الكتلة الآسيوية – الإفريقية فيما سمي "عودة باندونغ 2005 , أو الإفريقي – الأمريكي اللاتيني 2006.. إلخ!..

كل ذلك يثير التساؤل عمّا إذا كان النظام العربي الرسمي جزءًا فاعلًا من حراك "الشراكة"  المعلنة هنا وهناك, أم أنه يعاني عزلة أو إقصاء لا يحس به ؟! نتساءل أيضًا: ما علاقة دول شمال إفريقيا، ومن ضمنها مصر بتكتلات مثل: الإيكواس, أو الساحل, أو السادك، أو حتّى كوميسا؟! وما حجم علاقاتهم بنيجيريا القوة الإقليمية الضاربة في غرب إفريقيا, أو كينيا أو أثيوبيا المشاغبتين في حوض النيل, أو حتّى بمدى التنسيق العربي في تجمع الشمال المغاربي؟! وما حقيقة الدور والحضور العربي في مشكلة الصحراء, وإفريقيا كلها؟!

مثل هذه التساؤلات هي مبرر قولنا في مقدمة المقال: إنَّ السياسة الخارجية ذات الصلة هي كعب أخيل خطاب "الأمن العربي القومي"!..