Menu
حضارة

وكر للتجسس وليس مستشفى

د.فايز رشيد

نقلاً عن الخليج الاماراتية

القرار الأمريكي بنقل مستشفى عسكري متنقل من الجولان المحتل إلى حدود قطاع غزة المجاورة للمنطقة المحتلة عام 1948 (عند معبر إيريز)، وافتتاح مدخلين له، أحدهما من الجهة المحتلة «إسرائيلياً»، والآخر من جهة القطاع الفلسطينية، هو فصل جديد من فصول المسرحية الأمريكية المعلنة بوضوح في مؤامرة «صفقة القرن» الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية تصفية تامة ونهائية.

واشنطن تحاول جاهدة الظهور بوجه إنساني، وكأنها تهدف إلى تخفيف معاناة الفلسطينيين ومعالجة مرضاهم! ولكن من الناحية السياسية تعترف ب القدس الموحدة عاصمة للكيان الدخيل، وتنقل سفارتها إليها، وتعترف بشرعية المستوطنات في الضفة الغربية، ويبارك وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، خطوة نتنياهو بالسعي إلى ضم منطقة غور الأردن وشمالي البحر الميت، إلى الكيان.

من يريد معالجة المرضى الفلسطينيين لا يؤيد القصف الوحشي للأحياء السكنية في قطاع غزة، ولا يعتبر ذلك (دفاعاً «إسرائيلياً» عن النفس!). وللعلم، فإن المستشفى المذكور لا يعدو كونه مجرّد بركسات، وهو مستشفى ميداني أقرب إلى مستشفيات الطوارئ العسكرية التي تقام أثناء الحروب وبعد الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات.

على الجانب الآخر، كيف وافقت حماس على هذه الخطوة؟ هل هي محاولة لعقد هدنة طويلة الأمد مع العدو، وهو الهدف الذي تحدثت عنه وكالات الأنباء؟ وهل تريد حماس التأثير في موقف حركات الجهاد الإسلامي الرافضة للتهدئة ولاتفاقيات أوسلو جملة وتفصيلاً وما نتج عنها؟

ألا تُدرك حماس أن واشنطن تطمح إلى أن تكون لها قاعدة بحرية في غزة، وقريباً من حقول الغاز والنفط؛ نظراً لموقعها الاستراتيجي، ولهذا بدأت أصوات في داخل الكيان تتحدث عن أهمية إنشاء جزيرة عائمة على شاطئ قطاع غزة! هذا يعني أن وراء الأكمة ما وراءها.

الولايات المتحدة تريد المستشفى وكراً للتجسس الأمريكي الصهيوني على الفلسطينيين وقوتهم التسليحية، وأيضاً مركزاً للقاءات الفلسطينية «الإسرائيلية»، وضغطاً على السلطة الفلسطينية لتلحق بركب المفاوضات مع الكيان تحت التهديد بإقامة العلاقة مع حماس!.

مؤسفة هي الخلافات بين فتح وحماس التي أوصلَت القضية الفلسطينية إلى ما هي عليه من تراجع، ونلوم أنفسنا على ذلك قبل أن نلوم المجتمع الدولي، أو الانحياز الأمريكي السافر لدويلة العدو الصهيوني، وإدارة ظهرها بازدراء للقانون الدولي وحقوق إنسان والنواميس الأخلاقية والإنسانية.

السلطة الفلسطينية هاجمت حماس بعد موافقتها على إقامة المستشفى، وما تزال تغمز في قناتها وتتهمها بعقد صفقات مشبوهة مع المحتل بوساطة إقليمية ودولية وعربية. بالطبع يمكنها مواصلة انتقاد عدم حماستها لمساعي المصالحة التي تبذلها القاهرة، ويمكن للسلطة أيضاً إصدار المزيد من البيانات المحمولة على مصطلحات وعبارات لاذعة وحتى تخوينية؛ إذ لا مفاجأة في ذلك، بعد انحدار لغة الخطاب بينهما إلى ما يشبِه اللغة الهابطة.

يريد الأمريكيون الظهور بمظهر إنساني، لكن هذا الموقف التزييفي واضح ولن ينطلي على أحد. يجدر بفتح (السلطة) وحماس الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وأن تحترما عقول وحقوق الشعب الفلسطيني، وأن تُغلقا ملف الانقسام، وتُغادرا لغة التخوين المتبادَلة بعد أن أوصلتا شعبنا الفلسطيني إلى مرحلة غير مسبوقة من القرف والغضب.
ونحسب أنهما تسمعان بوضوح ما يقوله الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع: بالله عليكم كفى! وليعد الصراع إلى مربعه الأول. لقد فشل حل الدولتين، وحل الدولة ثنائية «القومية»، والدولة الواحدة. الحل الوحيد الممكن على الرغم من صعوباته، هو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، مهما بلغت التضحيات.