Menu
حضارة

تقريرحاتم أبو سيسي.. أول شهيد في انتفاضة الحجارة

حاتم أبو سيسي

لم يُسرع حاتم أبو سيسي حين استشهد في أول يوم من أيام انتفاضة الحجارة، بل الانتفاضة هي مَن تأخرت عليه.

رغم صغر سنه (16 عامًا) إلا أنه كان منذ طفولته يُعد نفسه لأن يكون "شهيدًا".

يقول أقاربه "قبل اندلاع الانتفاضة الأولى، لم يترك حاتم مواجهة إلا واشترك بها، وحين لا يجد مواجهة كان يذهب بنفسه إلى أماكن تواجد جيش الاحتلال، ليصنع المواجهة بنفسه".

وجد حاتم في اندلاع الانتفاضة يوم 8 كانون أول 1987، بعد يوم واحد من استشهاد أربعة عمال دهسهم مستوطن بشاحنته على حاجز "ايريز" الاحتلالي، فرصته للاشتباك، ليسجل اسمه كأول شهيد في الانتفاضة.

تقول شقيقته حنان أبو سيسي "قبل استشهاده كان يحلم بأن يكون عنده حطة "كوفية"، لكن لم نسمح له باقتنائها لأن الجيش كان يلاحق من يرتديها"، مُضيفةً "قبل استشهاده بليلة حضر شقيقه الأكبر غازي وزوجته من الأردن وأحضر له الحطة هدية، وكانت فرحته بها كبيرة، حتى أنه لبسها مباشرة وبدأ يقول: أنا شهيد، أنا شهيد".

"كثيرًا ما كان يغلق الغرفة على نفسه ويستمع عبر راديو صغير للأغاني الثورية، أبي وأمي كانا مدركين أنه سيصيح شهيدًا، في إحدى المرات قبل استشهاده منحه والدي راتبه كاملاً طالبًا منه فقط أن يحضر كيس طحين للبيت وأن يتصرف بباقي المبلغ، وذلك من خوف أبي عليه وشدة حبه له، لمنعه من الذهاب لنقاط الاحتكاك، أما والدتي فصرخت عليه أكثر من مرة في سوق جباليا وهي تراه يلاحق الجيبات والجنود، وكان يعود للبيت بعد كل مواجهة بملابس ممزقة"، تقول حنان.

وتروي "في صبيحة استشهاده، طلب والده من غازي أن يمنعه من الذهاب إلى المدرسة أو الخروج من المنزل، لأنه يعرف أن نتيجة خروجه ستكون التوجه للمواجهات خاصة أن الأوضاع كانت متوترة، وطلب من شقيقه غازي أن يراقبه ويصده، لكنه خرج دون أن يتمكن أحد من ردعه، خرج وعاد إلينا شهيدًا".

وتقول "كنت أنشر الغسيل فوق سطح بيتنا في معسكر جباليا، وجاء ابن سلفي وقال لي حاتم أصيب برصاص الجيش وحملته سيارة "فولوكس" إلى المستشفى، فتوجهت مباشرة لبيت أهلي القريب، دخلت على أمي وكانت صامتة ولا تعلم شيئًا، قلت لها: حاتم أصيب، ردت: حاتم لم يصب، حاتم استشهد".

وتتابع "خرجنا نجري باتجاه مستشفى الشفاء، فوجدنا ضجة كبيرة ومعظم شباب جباليا كانوا في المستشفى، مع تواجد للجيش بأعداد كبيرة، سألنا عن حاتم، فقالوا لنا: حاتم لم يستشهد بل أصيب، فدخلنا في حيرة كبيرة عرفنا بعدها بدقائق أن من قالوا لنا أصيب كانوا يُخفون الجثمان تحت أسرة قسم الاستقبال قبل أن يقوم بتهريبه من المستشفى. عدنا للبيت لتوديع حاتم، لكننا لم نجد الجثمان في البيت، ووجدنا الجيش هناك، فعرفنا أن الشبان أخذوه لبيت الجيران، ولم نتمكن من توديعه إلا عن بعد".

وتضيف "بعد حضور الجيش للحارة تنبّه الشبان لنيتهم خطف الجثمان، فخبأوه عند بيت الجيران، وبقي الكثير من الشبان في بيتنا وجاؤوا بنعشين، النعش الذي خرج من بيتنا كان فارغًا ويحمل مخدة وأغطية، بينما خرج جثمان حاتم من بيت الجيران وتم دفنه دون أن يعي الجيش أنه هزم في معركة خطف الشهيد".

تقول احدى النساء اللواتي كن لحظة استشهاده "في التاسعة صباحًا بدأ الشبان يلقون الحجارة على إحدى جيبات الاحتلال في منطقة معسكر جباليا، ولشدة رشق الحجارة هرب الجنود إلى سطح بيت قريب وتركوا الجيب فارغًا، ثم بدأوا بإطلاق النار على الشبان، وكان حاتم في المقدمة، فقام بحرق الجيب، قبل أن يبادره جندي برصاصة في صدره، فبدأ يدور في مكانه ويبتسم، ظن الجندي أنه لم يصبه فأطلق الرصاصة الثانية على صدره أيضًا، ليسقط حاتم شهيدًا".

وتبيّن "توقف والدي عن العمل في أراضي ال48 المحتلة، بعد استشهاد حاتم، وتغيرت أحواله وأحوال والدتي كثيرًا، حيث كان يعمل دقاقًا للحجر، لكنه بعد حاتم لم يعد يقوى على حمل نفسه، وتوفي عام 1993، ثم تبعته والدتي في عام 1995".

وعن آخر ذكرياته معها، تقول حنان "طلب مني ليلة استشهاده أن أقوم بعمل قلاية بندورة لأنه يحبها من تحت يديّ، صنعتها له، لكنه تأخر، وحين عاد قال ضاحكًا: تعشيت مع أصحابي لكن أعدك أن أتناولها آخر الليل".

استشهد حاتم في منطقة مستشفى اليمن السعيد، التي كانت في الانتفاضة الأولى مجرد رمال، وكان حاتم كثير التردد على تلك المنطقة ومنطقة بركة أبو راشد، اضافة إلى أن الشارع الذي يسكن فيه أطلق عليه بعد استشهاده شارع الهوجة، نسبة إلى أصله، وهي قرية الهوجة المهجرة".

المصدر: يامن نوباني _ وكالة وفا