Menu
حضارة

إلى متى يتم اختطاف ليبيا؟

د. موسى العزب

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

تتفاعل الأزمة الليبية منذ بداية شباط 2011 مترافقة مع إرهاصات ما أطلق عليه: "الربيع العربي"، وقد تصاعدت الأحداث بتدخل الجامعة العربية وحلف الناتو بطائراته ومواكبة طيران إماراتي – قطري؛ شملت الضربات جميع الأراضي الليبية مستهدفة وحدات الجيش الليبي، حيث نجح التحالف بإسقاط النظام واغتيال القذافي بصورة بشعة في 20 أكتوبر من نفس العام، فيما تحولت ليبيا إلى قاعدة "للأصوليين وللسلفية الجهادية" وساحة للفوضى والحرب الأهلية.

تتمتع ليبيا بموقع جغرافي مميز، وتتشارك بحدودها مع أربعة دول عربية مؤثرة في الخريطة الجيوسياسية للصراعات في الإقليم، وهي مصر والسودان وتونس والجزائر، ولا تبتعد شواطئ ليبيا عن أوروبا بأكثر من350 كيلومتر بحري.

وتعد ليبيا من بين إحدى أغنى دول النفط في الإقليم، فجذبت أطماع الغرب والجماعات الإرهابية التي وسعت من نفوذها وصولًا لتمدد "داعش" والقاعدة.. تعمق الانقسام، ونشأ فراغ أمني، شكل تهديدًا لدول الجوار، ومنصة للهجرة غير الشرعية، وقطع التواصل الطبيعي بين دول شرق وغرب الشمال الإفريقي.

  أسهمت الطبيعة القبليّة للمجتمع الليبي بضرب آمال بناء المجتمع المدني الموحد، وقد أدى تقويض النظام وغياب الدولة إلى تشظي المجتمع وتحول المجاميع الاجتماعية المسلحة إلى صراع محموم على السلطة والنفوذ، يتداخل فيه الأيدلوجي الديني مع القبائلي العصبوي مع التدخل الأجنبي!

فصائلية جهوية وانقسامات دموية:

في إطلالة على الوضع الليبي نلحظ تداخل كبير بين القوى المسيطرة وتبادل مستمر للمواقع. هناك حكومة طبرق ومجلس نوابها المنتخب عام 2014، سيطرت هذه الحكومة على معظم الشرق الليبي وجزء من الوسط والجنوب عقب تبنيها للجيش الوطني الليبي، بقيادة اللواء حفتر، والذي نجح بتحقيق انتصارات هامة في معظم معارك محيط بنغازي والهلال النفطي. تحالفت معه في بعض المراحل، كتائب الزندان التي تتمركز في جبل الزاوية جنوب غرب طرابلس، بينما تنازع الجيش حول بنغازي ودرنة، مع ميليشيات إسلامية إخوانية، "مجلس الشورى"، والقاعدة تحت مسمى "أنصار الشريعة"!!

في الغرب، برزت حكومة طرابلس الانتقالية، التي تقوم على صيغة تحالف يضم القوى السياسية والميليشياوية ذات التوجهات الإسلامية التي خسرت انتخابات 2014، حيث شكلوا مجتمعين ما أطلق عليه؛ المؤتمر الوطني العام وذراعه الضارب "فجر ليبيا"، وشكلت جماعة الإخوان ممثلة بحزب العدالة والبناء، عمودها الفقري. وتقاسمت تفاهمات زبائنية عملياتية مع كتائب مصراته القوية في وسط البلاد، والتي تحالفت بداية مع القاعدة لطرد "داعش" من سبها، ثم قامت بطرد القاعدة بدعم عسكري أمريكي بريطاني! وهنالك أيضًا الجماعة الإسلامية وزعيمها عبد الكريم بلحاج نزيل غوانتنامو السابق. هذه القوى لم يكن يعترف بها دوليًا، قبل مؤتمر المصالحة في الصخيرات المغربية، والذي نتج عنه حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، حيث اعترفت بها المؤسسة الدولية العام 2016، رغم معارضات داخلية وخارجية عنيفة.

بالإضافة للصراع الدائر على الخريطة الليبية، تبرز الخلافات داخل التشكيلات الكبرى نفسها، فبين أطراف حكومة طبرق برزت تجاذبات حول أهلية اللواء حفتر لقيادة الجيش، وخلافات جدية حول توزيع الحقائب الإدارية على الأقاليم. وفي طرابلس، اندلعت خلافات داخل صفوف المؤتمر الوطني وأطراف الحكومة حيال العملية السياسية والسيطرة العسكرية. 

بموازاة هذا الصراع والانسداد السياسي، تجري على المقدرات الليبية حربًا شرسة بالوكالة، حيث يبرز تكتلًا يتشكل من تركيا وقطر والسودان- قبل التغييرات الأخيرة في الخرطوم- يدعم "طرابلس"، بالمال والسلاح والإعلام، وتم استخدام حدود السودان مع ليبيا وبعض الموانئ والمطارات لإدخال الأسلحة وعناصر "داعش" الفارة من سورية والعراق، وقد ازداد حضور تركيا في دعم الإخوان، فعينت مبعوثًا خاصًا لها لدى مجلس طرابلس، وشكلت خطوطها الجوية "شريان الحياة"، كجسر جوي لمصراته. في المقابل تقدم السعودية والإمارات ومصر، دعمًا لوجستيا واستخباراتيا لحكومة طبرق وللجيش الليبي، فيما نقلت مصر إلى الحدود وحدات استطلاعية وقتالية.

تمارس كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا تدخلًا متشعبا في الوضع الليبي، في الجانب الاستخباراتي والسيطرة النفطية، ويتواجد لها قوات خاصة، ووحدات مرتزقة، تحت ذريعة مقاتلة تنظيم "داعش"، ويلتحق بالدور الغربي على الأرض؛ شركات التأمين الخاصة وأعداد كبيرة من مرتزقة بلاك ووتر وتانجو سبيشال في شركات الحماية، التي تعمل على تأمين منشآت النفط وتجارة الأسلحة وتهريبها.

تعثر عمليات حفتر على أبواب طرابلس:

بعد "اطمئنان" حفتر لترتيب لوضعه في الشرق، وسيطرته على مواقع في الجنوب والغرب، شن هجومًا واسعًا للسيطرة على معاقل حكومة الوفاق الوطني في العاصمة. وبدخول "معركة طرابلس" شهرها السابع، كان الجنرال يتعرض لنكسة شديدة بخسارته لقاعدة غريان الاستراتيجية جنوب غرب العاصمة، فانتقل إلى هجوم مضاد بغارات جوية طالت بعض أحياء المدينة وتاجورا ومصراته، بينما يتوقع مراقبون بأن تعثر حفتر على أبواب طرابلس، سيؤثر على صورته كرجل ليبيا القوي، ويضعف من قبضته في معقله الأساسي في بنغازي، مما يسمح لخصومه هناك،  بالتحرك من جديد، ودون تأخير، تحولت المدينة مجددًا إلى مسرح للاضطراب وعمليات الاختطاف والاغتيال الممنهج.

بعد خسارته لغريان بدا بأن حفتر يفتقد إلى الرجال والعتاد، ولم تسعفه أساليب التجنيد الإجباري الخشنة، التي فرضها على أبناء القبائل التي خاب أملها، ولم تعد راضية عن عودة أبنائها في أكياس من حروب لا تؤمن بها، ولا تقدم أي مشروع سياسي.

وينعكس هذا القلق أيضًا على السكان في الجنوب والجنوب الغربي، الذين بدؤوا يبحثون عن خيارات أخرى، وقد عزز من قلقهم، نتائج الهجوم المباغت والشرس الذي جرى على قاعدة حفتر في براك الشاطئ قرب سبها، حيث شارك فيه مجاميع مسلحة محسوبة على طرابلس، اقترفت جرائم حرب، وقتل في الهجوم 141 مقاتلًا من أصل 200 جندي تواجدوا في القاعدة عند بدء الهجوم.

ردت قوات الجيش الوطني الليبي على الهجوم بغارات جوية على مواقع المهاجمين ومستودعات أسلحتهم، ويدور الحديث الآن حول لجوء حفتر إلى المرتزقة وحلفائه الجدد في السودان للتعويض عن خسائره البشرية، ورفع وتيرة علاقاته مع الطوارق من خلال دعمهم بالمال والموقف السياسي.

ماذا عن الغرب الليبي؟!

في طرابلس الوضع ليس أفضل حالًا، ما يزال الصراع على السلطة يعيد تشكيل العلاقات بين المجاميع السياسية والعسكرية داخل معسكر حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج، بينما تحاول كتائب مصراته ومعسكر فجر ليبيا الإسلامية، انتزاع الأفضلية من ميليشيات طرابلس التي تضع يدها على موارد الدولة بتواطؤ مع حكومة الوفاق الهشة، وهكذا تفشل الميليشيات المتعددة في إنشاء هيكلية عسكرية حقيقية، تمثل تراتبية جيش منضبط يمكنه أن يمثل حالة وطنية. وتعمل الدوائر الغربية على تأبيد الانقسامات والصراعات الليبية البينية، لإبقاء فرض سيطرتها على الخريطة السياسية، والنفط الليبي؛ استخراجًا ونقلًا وتسويقًا.

ملف المهاجرين، يراوح في أبعاده السياسية والإنسانية!!

وسط هذا الصراع المتعدد الأطراف والأوجه تبرز قضية المهاجرين الأفارقة الساعين للهجرة إلى أوروبا، ويقدر عددهم بإثني عشر ألفًا، حيث يتم احتجازهم في معازل ومعسكرات مغلقة قرب طرابلس، يعانون فيها من أشكال جائرة من الترويع والابتزاز والإساءات من قبل عدة جهات ليبية تتبع لحكومة السراج، كما يعانون أيضًا من شبكة المهربين الذين يشكلون كابوسًا كلما حاولوا العبور خلسة إلى الضفة الأوروبية في مغامرات مميتة. ومن جانب آخر، فإن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون المهاجرين، تقوم بشكل مقيت بتقنين حركة الهجرة المنظمة، وإبطاء وتيرتها تحت ضغوط هائلة من دول الاستقبال.

هل هناك حل؟

في الأثناء أعلنت إيطاليا -الدولة المستعمرة السابقة لليبيا- بأنها مستعدة لتوجيه تحالف من دول المنطقة، لوقف تقدم "دولة الخلافة"، ولكن التداخلات الإقليمية والدولية تعرقل أي حل سياسي، إضافة للوضع الداخلي الإيطالي غير المستقر.

محاولة الاتحاد الإفريقي للحل، يتم اجهاضها في مهدها، حيث أخفق ممثلوا أفريقيا في مجلس الأمن، باعتماد تعيين مبعوث إفريقي إلى ليبيا، أمام تعنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ورفضهم استبدال المبعوث الدولي غسان سلامة، وإصرارهم على إبقاء الأمور تحت سيطرتهم، بينما وقفت كل من روسيا والصين في وضع أوسط، و"أجلوا"  التحدث عن المقترح الإفريقي لما بعد انضاج الظروف، وتبلور موقف إفريقي موحد، في أجواء توحي بتدخل غربي مباشر!!

في حين أن الجيران العرب المتضررين من المشهد الليبي، يرفضون أي تدخل غربي بالشأن الليبي، وقد أقامت تونس ساترًا أمنيًا على طول حدودها مع ليبيا، بينما أقامت الجزائر قاعدة عسكرية هامة في منطقتها الحدودية، نشرت فيها تجهيزات مراقبة ووحدات مدرعة وصاروخية.

لا بديل عن التصدي للإرهاب بكافة أشكاله، وإبعاد التدخلات الأجنبية عن الحالة الداخلية، وإطلاق مسار سياسي تفاوضي بين المكونات المجتمعية الليبية يعزز من وحدة الدولة ودور مؤسساتها، ويبدأ بسحب المسلحين إلى مناطقهم وتسليم أسلحتهم ودمجهم في الحياة العامة ومؤسسات الدولة بصورة قانونية سلمية.