Menu
حضارة

قراءة في دراسة وائل الجاغوب بعنوان "الكارثة المبهمة لليسار"

حسين البدري

اليسار الفلسطيني.jpg

سعدت في الأيام الأخيرة، بقراءة دراسة مسؤول فرع الأسرى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، الرفيق الأسير وائل الجاغوب المعنونة بـ"أزمة اليسار وسبل النهوض"، ومبعث سعادتي أن الدراسة تشير بوضوح إلى مواطن الخلل، وبقدر سعادتي أثارت فيَّ الدراسة شجون قديمة عن أزمة مستحكمة تتصاعد تأثيراتها يومًا تلو الآخر، والمحصلة أنه لا حل طالما بقيت الأطر القديمة نفسها والهيئات القيادية ذاتها، ربما نحتاج إلى "ثورة ثقافية" مثل التي نفذها ماوتسي تونج في الصين لكي نتخلص من تبعات "الكارثة المبهمة" بتوصيف آلان باديو عن سقوط الشيوعية المروع في القرن العشرين.

يمكن تلخيص واقع اليسار العربي الراهن في كادر ماركسي بدأ حياته السياسية في العقدين الأخيرين من القرن الماضي في خنادق المقاومة، داعيًا للعنف الثوري ضد الأنظمة والقوى الرجعية وبالطبع إسرائيل، وأنهاها الآن مناضلًا في مخابئ مراكز بحثية وحقوقية ضد التحرش الجنسي واضطهاد المثليين وأحكام الإعدام مع حديث منمق وزائف عن الأقليات الجنسية والهويات العرقية والاختلافات الثقافية، للهروب من نقاشات حقيقية وملحة عن حال الجماهير وفقرها وعذاباتها اليومية في ظل نظام اقتصادي يسحق إنسانية الإنسان ويحوله إلى شخص مقهور ومعذب. إن خطاب اليسار المتماهي مع الإمبريالية يعادي جماهيره في الأساس بدلًا من العمل على تحريرها، ويحولها إلى عدو مفترض ويقدمها لقمة سائغة إلى أعدائها الطبقيين بوصفها خطر على التطور والحضارة.

المأزق الوجودي

يبدأ الكاتب دراسته بوصف "المأزق الوجودي" الذي يعيشه اليسار العربي، قائلًا إن "الأزمة تُنتِج مَن يمثلها وتخلق مصالحها"، ومهمة تجاوزها "تستدعي النضال والصدام ليس مع الآليات والأدوات والأساليب، بل مع عقل وثقافة ومصالح أصبحت راسخة"، إن اليسار العربي لم يعد مشغولًا بالقضايا الكبرى وبات همه اليومي الطنطنة عن قضايا صغيرة وقد تكون هامشية أحيانًا، ربما الفشل المفجع في تحقيق الآمال العريضة دفع البعض إلى هزيمة ذاتية منكرة، تتجلى في خطاب سياسي واجتماعي يشبه الخطاب اليساري، لكنه في العمق ليس يساريًا، بل يعطل القوى الحقيقية الممثلة للطبقات الكادحة عن القيام بدورها، فكل هذا الضجيج اليساري من حولك ولا شيء يحدث على الإطلاق.

تتكشف عثرات اليسار العربي من واقع اليسار الفلسطيني، ما يوضحه الجاغوب بقوله إنه مثّل "خيارًا على مدار سنوات الاشتباك مع المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني"، حتى "ساهم العامل الموضوعي بتكشف الأزمة من انهيار للمنظومة الاشتراكية، وبداية إعادة ترتيب العالم، وتجلّى ذلك عربيًا وفلسطينيًا في مسارات التسوية السياسية"، يشير الكاتب بوضوح إلى فداحة سقوط اليسار على مسار القضية برمته، حيث نُحى الكفاح جانبًا وجلس المقاتل السابق (وإن لم يكن يساريًا) مع المُستعمر الصهيوني لعقد وثيقة استسلام.

لم يكن انهيار اليسار العربي مفاجئًا، فقد سبقته إشارات دالة، لقد حدث منذ بدايات الثمانينيات من القرن العشرين ما يمكن وصفه بالاختراق الإمبريالي المنظم للقوى اليسارية في الوطن العربي عن طريق منظمات التمويل الأجنبية، وتحوّل المناضل السابق إلى أجير يدافع عن أجندات غربية في سياق إعلان الاستسلام التام للهيمنة السياسية والثقافية المحمولة على ذراع العولمة فيما بعد، والتي يقتبس الجاغوب من محمد عابد الجابري في وصفها "نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن: وبالتالي؛ إذابة الدول الوطنية، وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية".

يخلص القارئ بعد مطالعة الدراسة المهمة إلى أن أزمة اليسار نتجت عن ثلاثة أسباب: 1- غياب الحركة الاجتماعية 2- الاختراق الإمبريالي 3- الاستسلام للهيمنة الثقافية. وهي أسباب تشير إلى حد بعيد إلى مواطن الخلل، وتكشف دون مواربة عمق الإشكالية وتجذر أسبابها في واقع اليسار الراهن، ليس الفلسطيني فحسب، بل العربي أيضًا.

اليسار الذي نريد

الكاتب لم يتركنا ضحايا شعور اليأس من إصلاح حال اليسار، بل يختتم دراسته بتوصيات سبعة تبدأ بالاعتماد على الشباب وإدخالهم في الهيئات القيادية، ويُنهي الدراسة إلى ضرورة ممارسة العنف الثوري ضد المُستعمر الإسرائيلي لأن "تجاوز اليسار العربي العام لأزمته، يرتبط بقدرة اليسار الفلسطيني على تقديم أنموذج وتمثيل رأس حربة لمواجهة الاحتلال بجميع الأشكال".

اليسار الذي ننشده كعرب باختصار ليس هو اليسار الراهن، فلسطينيًا على الأقل بسبب المعركة الوجودية المستمرة على أرضنا مع المستعمر الصهيوني، لقد خبرنا يسار جورج حبش ووديع حداد وغسان كنفاني، وليس علينا في زمننا هذا رغم ما نعانيه من تردي وانهيار على كل الأصعدة بأن نتعاطى مع يسار يعجز عن الإقدام على حمل لواء شعب في مرحلة تحرر وطني، إن الشعب الفلسطيني في كل أرجاء العالم يبحث عن من يمثله بعيدًا عن ثنائية الاستقطاب الحاد بين "حماس" و"فتح"، وليس سوى اليسار المخول بتحقيق نقلة نوعية على مستويات العمل الكفاحي والقيادة الجماهيرية والخطاب السياسي المتبوع بالفعل على الأرض.

إن القضايا العادلة تستحق رجال على قدرها قبلتهم الوحيدة هي الوطن، وليس سوى فلسطين قضية عادلة وواضحة في زمن اختلطت فيه الأشياء، وصار "زمن الحق الضائع" على حد وصف الشاعر صلاح عبد الصبور