Menu
حضارة

قراءة في موضوعة الرفيق الأسير وائل الجاغوب (اليسار وأزمته الذاتية)

زكي أبو العيش

مع التثمين لهذا الجهد الرائع الذي بذله الرفيق الأسير ومحاولته بموضوعية تشخيص أزمة اليسار الفلسطيني والعربي الذاتية بوصف "الذاتي محدد وحاسم ويمتلك صفة الحسم مسلحًا بإرادة ووعي وقدرة على التوظيف" واسهامًا منا في مناقشة ما ورد في الدراسة سنسجل بعض الملاحظات التي نرى أنها جزء من الأزمة وتشكل من وجهة نظرنا إثراء للنقاش للخروج من هذه الأزمة.

الملاحظة الأولى: ما هو اليسار وما معناه وما هو الدور المناط به

لقد أطلق اسم اليسار على أطياف واسعة من القوى في الساحة الفلسطينية العربية بالرغم من أن بعضها لا يختلف شيئًا عن اليمين أكان في الطرح السياسي أو حتى الأيديولوجي، ويتم الهروب من التسمية "اليسار" ليطلق عليها اسم القوى الديمقراطية لتشمل طيف أوسع، وبهذه المناسبة أنه من الضروري أن يتم التصنيف وفق معايير محددة على أساس أيديولوجي وسياسي من ناحية وعلى أساس طبقي من ناحية أخرى، فليس من الجائز وضع كل هذا الطيف المتنوع والمتشرذم في سلة واحدة، وعلى هذا التصنيف تصبح التحالفات مفهومة.

وفي اعتقادي ان توسيع مصطلح اليسار هو ما يعمق أزمته ويزيد من تعقيداتها حيث تشكل تلك الشرذمات متاهة لا تبرر وجودها فتصبح مجرد أسماء لا تقنع الجماهير بل وتصبح عبء على ما عداها من قوى، لأنها تخلق تناقضات وصراعات فيما بينها على حساب القضية الأساسية، فيصبح التنافس على الصدارة همها وأولوياتها بينما يحقق ذاته وأهدافه تاركًا اليسار يصارع ويؤزم ذاته في ظل انشغالاته بذاته.

اقرأ ايضا: "الهدف" تنشر دراسة للأسير وائل الجاغوب: "واقع اليسار الفلسطيني وسُبل النهوض"

وكنت أفضل أن تتناول الدراسة الجبهة الشعبية بمفردها بدون الذهاب بعيدًا لمعالجة اليسار برمته، ورغم أن ذلك مفيد وضروري ولكن في تصوري أن نهضة الجبهة الشعبية كمحور لليسار الفلسطيني سيعكس نفسه على باقي اليسار وينهض به أكان على المستوى القُطري الفلسطيني أو على المستوى العربي القومي.

الملاحظة الثانية: إن كنا في مقاربة أزمة اليسار ومحاولة الخروج منها فإننا أمام عدة مسائل أهمها المسألة النظرية التي ينطلق منها اليسار ولعلي هنا أركز على مسألة المنهج المادي الجدلي والتاريخي الذي يتبناه اليسار العربي والفلسطيني بالذات، بالمعنى الذي يؤكد تبني أو استرشاد ولكن يظل هذا مجرد نظرية لا تجد ترجماتها على أرض الواقع، أقول ذلك لأن فهم ووعي المنهج لا يعني أن لا نستطيع قراءة واقعنا الخاص الذي يتميز عن غيره، واستنباط مفاعيل التغيير التي تتناسب مع هذا الواقع، فواقعنا العربي وواقعنا الفلسطيني يختلف عن الأوروبي وعن روسيا وعن الصين... إلخ وبالتالي فإن تاريخنا وواقعنا له خصوصياته ومن هنا يجب أن نقرأها من زاويتنا القائمة على المنهج وليس من خلال التماثل مع الأوروبي أو غيره، وهنا أقصد أن التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي جرى في أوروبا من الاقطاعي إلى الرأسمالي وبروز طبقتي البرجوازية والبروليتاريا كنتيجة للتطور الصناعي الذي جعل البرجوازية ثورية في حينه وفصل الدين عن الدولة والتحول إلى العلمانية مما أسس إلى الاستعمار الذي ربط باقي شعوب الأرض به بحيث أوقف نمو وتطور هذه الشعوب لتظل تابعة وخاضعة ويظل النموذج الأوروبي هو المسيطر اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا، وتظل الشعوب الأخرى ترزح تحت وطأة الجهل والفقر لا تتقدم، بحيث بات من الممنوع عليها احراز أي تنمية تحقق استقلالها وتطورها.

نضيف إلى ذلك عدم قدرة اليسار على معالجة المسألة الدينية في المستوى النظري بالرغم من أن الأحزاب اليسارية تم تأسيسها منذ أمد بعيد ولكنها لم تستطيع احراز البعد الجماهيري المطلوب لعملية التغيير وعلى هذه الأحزاب مساءلة نفسها لماذا لم تستطع إحراز اختراق في أي قُطر عربي بينما القوى الدينية استطاعت أن تحقق لذاتها البعد الجماهيري، وقد يقول قائل أن الدين تاريخه أبعد ومتجذر أكثر في الوجدان الشعبي، ولكن إذا قلنا أن أحزاب اليسار هي الأقرب للجماهير المسحوقة والفقيرة وتعبر عن أهدافها وطموحاتها فمن البديهي أن تصطف هذه الجماهير خلف اليسار، بمعنى أن هذه المعادلة لا يمكن مقاربتها مع الواقع الذي يعيشه اليسار من تشرذم وأزمات ذاتية وابتعاد الجماهير عنه.

إذًا نحن أمام معضلة ذاتية من الناحية النظرية من ناحية ومن المسألة الأخلاقية من ناحية أخرى، وبالرغم من كل ما كتب في المسألة النظرية من مفكرين عرب حاولوا قراءة المجتمع العربي والفلسطيني، إلا أنهم ظلوا يتعاملون مع الإسلام السياسي على أنه قاصر، بل وذهب الكثيرون إلى تخوينه لأنه يصب في النهاية إلى نظام رأسمالي أو كمبرادوري وتابع ولا يحقق مصلحة للجماهير بالمعنى الذي يفصلهم عن الحركة الجماهيرية، بينما ما يجري على الأرض هو تمدد لهذه القوى بين الجماهير مستثمرة الحالة النفسية المتدنية لعموم الشعوب العربية والفلسطينية بالذات، وباختصار فإن اليسار معني بإيجاد صيغة نظرية تستطيع التغلب على المسألة الدينية ولا تجعلها أساس في مقاربة الصراع الاجتماعي بين القديم والجديد، بحيث تصبح المسألة الطبقية هي أساس الصراع في المجتمع العربي والمجتمع الفلسطيني ولكن كيف؟ هذه مسألة تحتاج إلى دراسة مستفيضة تستطيع الوصول للجماهير وتأطيرها خلف اليسار؟؟

الملاحظة الثالثة: وهي مسألة الحزب من طراز جديد

لعل هذه المسألة هي من أدق الأزمات التي تعيشها أحزاب اليسار، فالأزمة هنا طالت البنى والهياكل التنظيمية التي ترهلت مع التغيرات التي جرت في المحيط، ولا شك أن ما جرى عام 2011م وما يجري في عام 2019م من ثورات أو حركات وانتفاضات شعبية في معظم البلدان العربية وبالذات الجمهوريات لم تستطع قوى اليسار قيادة هذه الثورات بل وغيبت عنها وعن مشاركتها الفاعلة بها، ومن هنا تظهر الأزمة وعمقها في عدم تلبية بنى وهياكل هذه الأحزاب للمستجدات التي تحدث للجماهير أو بمعنى آخر عدم قدرتها على قراءة الواقع رغم التنظير من ناحية وعدم الاستجابة السريعة لهذه البنى والهياكل لما يحدث في الشارع من ناحية أخرى، ومن الواضح أن هذا يطرح المهمة الأساسية التي قد تتغلب على الأزمة الذاتية وهي بناء حزب ثوري من طراز جديد على الأرضية ال لينين ية، مع احتواء المسألة الديمقراطية وتوسيعها قدر الإمكان بمعنى أن المعادلة في الوقت الحالي تحتاج إلى استنهاض حقيقي وجدي وفق بنى وهياكل تنظيمية صارمة تلتزم بالقانون الناظم من ناحية، وبالأيديولوجيا من ناحية أخرى والالتزام بالمسألة الديمقراطية من ناحية ثالثة حيث أتفق تمامًا مع ما ورد في الدراسة عن "اليسار الذي نريده وهو اليسار الجذري حامل للمشروع ويعيش بين الناس، يسار لا نخبوي منعزل".

الملاحظة الرابعة: الطبيعة البنيوية لأحزاب اليسار حيث لا نجد مفر من الاعتراف بأنها باتت أحزاب غارقة في البيروقراطية نظرًا لانسجامها إلى حدٍ بعيد مع اللغة التي فرضت عليها من قبل السلطات الحاكمة فاستبدلت بالفعل مفرداتها بمفردات لا نستطيع القول عنها إلا أنها تدوير زوايا لتصبح مقبولة من قبل القوى السائدة، الأمر الذي يفيد بابتعادها عن منطلقاتها وأسباب تكونها وتأسيسها، وما يفترضه هذا من مصالح وتكوين جماعات مصالح على حساب النضال الفعلي كنوع من الانجرار إلى تقاسم الكعكة أو على الأقل الاستفادة من الفتات الذي تستغني عنه السلطات الحاكمة، مما يعمق الأزمة البنيوية ويزيد من التناقضات الداخلية التي تؤدي إلى مزيد من الانقسامات والتشرذمات بحثًا عن الذات الفردية أو الزعامة الفارغة التي لا هدف لها سوى الزعامة.

وإذا قلنا أن التفتت هو حال اليسار بالرغم من الطرح السياسي المتقارب والأيديولوجي المتقارب، فلماذا لا يتم التوحد والاندماج على الأقل ولو في ساحة واحدة ولكن ما يجري هو مزيد من التفتت والانقسام، ألا يشير ذلك إلى عدم جدية هذا اليسار في حمل هموم الجماهير وطموحاتها والسير بها حتى النهاية، وهل وجود خلافات هامشية سبب للانقسام مع إقرار الجميع بأن هذا يعمق الأزمة ويكثير من ذيولها، ألا يعزز ذلك خيار العمل الفردي خارج الأطر الحزبية، ألم ينطلق معظم كوادر الأحزاب اليسارية إلى مؤسسات N.G.O.S أو المشاريع الشخصية بعيدًا عن الانغماس المباشر في هموم الأحزاب والجماهير.

الملاحظة الخامسة: التوصيات، لقد عمم الرفيق وائل هذه التوصيات على القوى التي تسمي نفسها باليسار، وهنا أتقف مع ما جاءت عليه التوصيات ولكن طالما أن المسألة ذاتية بالمعنى الذي جعل كل فصيل أو حزب مأزومًا ذاتيًا فإن النهوض أيضًا يكون ذاتيًا ينبع من كل فصيل، متجاوزًا لحالة المحاصصة والصراع البيني على الصدارة وإحالة المسئولية عن الفشل أو الأزمة على غيره من القوى،ـ نقول أيضًا أن الأحزاب والقوى اليسارية التي تدعي الجذرية مطالبة بالتوحد وحتى الاندماج وترك حالة التشرذم في أعداد أكثر من القوى أو الأحزاب التي لا داعي لها أمام حالة النضال الضروس والجدي المتوقع منها في ظل المخاطر التي تهدد أكانت الساحة الفلسطينية أو الساحة العربية التي يستفحل بها حالة الصراع الطائفي والمذهبي والاثني بما يهدد النسيج الاجتماعي لهذه الدول ويدفعها نحو البعثرة والانهيار والتشظي.

لقد بات أمر استنهاض القوى اليسارية لذاتها ضروري بل وأكثر من ضروري ومُلِح وهي في مفترق طرق إما الذهاب إلى إعادة تصدرها للمشهد الكفاحي الجماهيري أو الذهاب نحو التلاشي والاندثار، أما البقاء في الوسط تتماهى مع هذا أو ذاك من سلطة أو قوى دينية بات لا يجدي ولا يشكل البديل الذي تحتاجه الجماهير.