Menu
حضارة

عن عالمٍ تحكمه الرأسمالية

جونسون بوريس

خاص بوابة الهدف

تؤكد المنظومة الرأسمالية المهيمنة يوميًا درجةَ استعدادها للذهاب بعيدًا في مساعيها إلى طحن أية إرادةٍ مضادّة؛ هذا ما تشي به الممارسة الواسعة لكل أشكال التحريض والتشويه ضمن الانتخابات البريطانية الأخيرة، إذ أوضحت المنظومة بشكلٍ لافت أنها لن تسمح بأيّة فرصة لمنافسة ديموقراطية حقيقية لمن يخرج عن معاييرها السياسية والاجتماعية وبرامجها، فتمّ التنكيلُ إعلاميًا بالمرشح جيرمي كوربين وجناحه في حزب العمال البريطاني، وتسلّطت عليه المنظومة الإعلامية وصولًا إلى إسقاطه.

لم يكن كوربين يساري متطرف أو حتى ذلك المناصر المتحمس لكامل الحق الفلسطيني، فمن يقرأ مواقف الرجل السياسية والقرارات الصادرة عن حزب العمال في ظل رئاسته له، يرى أنه قدم رؤية إصلاحية للموقف البريطاني المنحاز بشدة للكيان الصهيوني، فلم ينادي مثلا بمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة أمام المحاكم الدولية، أو يهاجم فكرة وجود المشروع الصهيوني، أو قام بتحديد رؤيةٍ لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم، أو طالب بريطانيا بالمقاطعة التامة للكيان الصهيوني؛ لم يقم بشيء من هذا، ومع ذلك كان خطابه ومواقفه المطالبة بتعديل الانحياز الفاضح للكيان الصهيوني كفيلةً باستعداء كامل المنظومة الرأسمالية البريطانية وداعميها من الولايات المتحدة وغيرها للانقضاض عليه وتكبيد حزب العمال خسارةً فادحة.

الحقيقة أن السائد في تاريخ حزب العمال البريطاني تجاه القضية الفلسطينية هو أقرب إلى مواقف توني بلير وليس إلى جيرمي كوربين، وهذا ما عملت المنظومة الرأسمالية للتأكيد عليه، استعادت هيمنتها على النقاش والخطاب السياسي الدائر في بريطانيا لتوضح مجددًا حدود المسموح والممنوع في هذا النقاش، وفي أي نشاطٍ أو فعلٍ سياسي.

لا يتخذ هنا المنع أدوات القمع البوليسي المباشر منهجًا له، فالحالة لم تطالب بتغيير أسس النظام، لكنها تستخدم أدوات لا تقل ضراوةً في مواجهة الرأي السياسي، فيعمل الإعلام على شيطنته، وإلصاق جملة من الوصمات به، بما يحرمه من أيّة فرصة حقيقية لمخاطبة عقل الناخب، الذي يتم استثارة أقصى هواجسه لمواجهة أيّ طرح يطالبه بإعادة النظر في سلوك هذه المنظومة.

لم يكن المثال البريطاني إلا نذرًا يسيرًا مما يحدث في أمريكا الجنوبية، حيث تتحرك المنظومة الرأسمالية بأقصى أدواتها الوحشية، فتنظم الانقلابات، ومؤامرات قضائية لتطيح بحكومات منتخبة، بل وتلاحق رموزها وقادتها وتزجّهم في السجون، وتطلق القوى الأمنية والميليشيوية المتحالفة معها لإنفاذ القتل والتعذيب والقمع ضد الجماهير إذا خرجت محتجةً على هذا الظلم.

تزيح المنظومة الرأسمالية أيَّ خصمٍ يحاول منع عملية نهبها المستمر لموارد البلاد، أو يسعى لمجابهة سياسات الإفقار للغالبية العظمى من سكان العالم، ويستمر التجويع والحرمان الممنهج من أبسط اشكال الرعاية الصحية، وذلك كله بهدف واحد ومحدد وهو مواصلة مراكمة الثروة وتجميعها لمصلحة تلك القلة المسيطرة المهيمنة في هذا العالم.

تقدم لنا هذه المنظومة بسلوكها دعوةً يومية للثورة ضدها، دعوة تحتاج منا للتنظيم والتأطير والإدراك الحقيقي لوحدة المواجهة، ووحدة المصير، مصير الشعوب المطحونة كل يومٍ بفعل تروس هذه الآلة الوحشية عديمة الرحمة.