Menu
حضارة

أمريكا وإسرائيل

من الأرض الجدة إلى كنعان: أسطورة التأسيس المشترك

أحمد مصطفى جابر

صدر في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤخرًا كتابين جديدين، يبحثان في تأثير "العهد القديم-التوراة" على الأجيال المؤسسة للأمريكيين، وهذان الكتابان، بيّنا بشكل واضح أن تأثير العهد القديم على هؤلاء كان واسعًا جدًا بمقدار الأرض التي استعمرها تحت رايته.

ويشرح الكتابان إنه قد تم تشكيل التجربة السياسية الأمريكية من تقاليد فكرية متنوعة، من بينها بطبيعة الحال الدستور البريطاني، وأفكار ليبرالية عصر التنوير، والجمهورية الكلاسيكية، وبيّنا كيف استمد الأمريكيون بعمق أفكارهم التأسيسية من المصادر العبرية والمسيحية، بل كان تأثير هذه واضحًا بشكل كبير وخصوصًا في نيو انجلند أو انكلترا الجديدة، إحدى المستعمرات الأقدم، ساعين إلى تأسيس كومنويلث وفقًا لقوانين ومبادئ الكتاب المقدس.

الكتابان هما: "أرض الأمل: دعوة للقصة الأمريكية العظيمة" من تأليف ويلفريد م. مكلاي، وهي قصة تاريخية واسعة النطاق تعالج خمسة قرون من التاريخ، تهتم بدور الدين في تشكيل الشخصية الأمريكية. والكتاب الثاني: " نعلن الحرية في كل أرجاء الأرض: الكتاب المقدس العبري في الولايات المتحدة" الذي يركز خصوصًا على مساهمات الدين في النظام السياسي الأمريكي، وقد جمعه وحرره  مئير س. سولوفيتش، وماثيو هولبريتش، وجوناثان سيلفر، وستوارت دبليو هالبيرن، هذا المصدر يعرض بوضوح كيف اكتسب "الكتاب المقدس" العبري بشكل خاص مكانته كـ "نص أساسي" في التقاليد السياسية الأمريكية.

طبعًا، وما سنبينه أكثر فيما يأتي من هذا النص، كان الدين"عاملا" أساسية في قصة أمريكا، منذ زمن الحُجاج، وحتى الآباء المؤسسين، وحتى الأجيال اللاحقة، رأى الكثير من الأميركيين أنفسهم كشعب مختار - كإسرائيل الجديدة لله - يعيدون قصة الخروج. وقد اختلفت ملامح المقارنة مع إسرائيل القديمة اعتمادًا على من استحضرها ومتى.

وربما تكون طبيعة العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، قد أُشبعت بحثًا وتدقيقًا، في مجالاتها السياسية والاقتصادية، ولكن الأهم هو في أبعادها الأيدلوجية والدينية، والخيال المسياني الذي حكمها.

النص التالي مداخلة عامة حول هذا الموضوع الشائك، بالاعتماد على عدد كبير من المؤلفات والأبحاث التي تناولت هذه القضية، في محاولة لإلقاء ضوء جديد عليها.

العديد من الدراسات حاولت تحليل سبب وثوقية العلاقات، وكيفية فهمها، ولماذا تبدو غير قابلة للكسر، بغض النظر عن الحزب الذي يحكم في الكونغرس أو البيت الأبيض؟ هذه العلاقات التي وصفت بأنها توأمة وتآخ حينًا، وبنوة وتبعية وتحكم وسيطرة ونفوذ، حينًا آخرًا، كلها تحت شعار التحالف الاستراتيجي، وبأنها علاقات مميزة بل هي "العلاقات المميزة" وصلبة، واستراتيجية وأبدية ولا بديل عنها، والتي  يتبارى زعماء الولايات المتحدة على تأكيدها بمقولة متكررة، إنه لا يوجد صديق أفضل من الولايات المتحدة لإسرائيل، ولا يوجد أفضل من إسرائيل للولايات المتحدة.

بالطبع، مرت هذه العلاقة بين الطرفين بتحولات عدة لتصل إلى شكلها الحالي، في سياق متذبذب، تراجعا وتعمقا ، ولكن في مسار ثابت، في سياق التطور إلى هذا الشكل النموذجي انتقالًا بين دور الأداة إلى دور الشريك لتتحول إلى التبادلية بين الشريك والأداة، فخدمات إسرائيل للولايات المتحدة كمركز قوة استراتيجي في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى تساعد في تفسير إخلاص الولايات المتحدة لإسرائيل ودعمها لها ومن جهة أخرى فهذا الارتباط الأيدلوجي العضوي لإسرائيل بالولايات المتحدة يساعد على فهم الآلية التي تحكم عدوانية إسرائيل ورفضها اتخاذ قرار بالسلام تجاه المنطقة.

إن هذا الكلام لا ينفي وجود ما يسمى اللوبي اليهودي وأدوات النفوذ والتي تأخذ على أرض الواقع شكلًا مؤسسيًا نافذًا، ولكن إحالة كل شيء إلى اللوبي يشي باستسهال كبير، وبالتالي يجب وضع هذا الأمر في سياقه الطبيعي، فهذا النفوذ ليس غريبًا عن النظام الأمريكي كما يميل العقل السياسي العربي للتفسير، ليس ظاهرة (احتلالية)؛ فالمشكلة هي في طبيعة النظام الإمبريالي الأمريكي القائم على النهب والاستغلال، والمستند إلى الاحتكارات الكبرى التي تملك القرار دون أن يغير شيئًا إن كانت هذه الاحتكارات يهودية أو غير يهودية، فرأس المال ليس له دين.؟ إن نظامًا من هذا النوع يفرز بالضرورة منظمات مثل أيباك أو غيرها وهو المكان الطبيعي لولادة العناصر الأكثر انحرافًا في الفكر الاستعماري.

ولكن هذا ليس كل شي، فالفهم الصحيح لمسألة اللوبي الصهيوني ينطلق من أن السلطة الأمريكية نفسها أو بالأصح النظام الأمريكي تماهى في اللوبي، فاللوبي أصبح هو السلطة وهذه مرة أخرى ليست ظاهرة احتلالية أو اختراق تجسسي وإنما نتاج طبيعي للبنية المجتمعية القائمة على سيطرة المصالح الرأسمالية وطبيعة النظام الاستعماري القائم المتحالف مع نظام مماثل في إسرائيل.

دين المؤسسين: ما وراء إعلان الاستقلال الأمريكي

لا يمكن لأي مؤرخ موضوعي أن ينكر دور العامل الديني في تأسيس ونشوء الولايات المتحدة، طبعًا ثمة الكثير من العناصر تداخلت عبر الزمن، وأثرّت في طرق التفكير وسبل الحياة والممارسة السياسية، ولكن بقي للدين ورموزه التأسيسية على الدوام دور حاسم في هذه البنية.

ونحن هنا نتحدث عن بنية كان "العهد القديم" بمثابة دليل السلوك الميداني لمؤسسيها، حيث لم تنفصل فكرة أمريكا في الأصل عن كونها التطبيق العملي للفهم البريطاني لأساطير العبرانيين، وحكايات التوراة، حتى بلغ الأمر بالمهاجرين الأوائل أن سموا أنفسهم "إسرائيليين، وعبرانيين، ويهودا"، بل أطلقوا على الأرض المكتشفة حديثا اسم "كنعان" و "إسرائيل الجديدة".

وأصبح معروفًا في النصوص التاريخية، أن كريستوف كولومبس كانت تحكمه رؤية دينية أثناء مغامراته التي قادته إلى اكتشاف العالم الجديد، وبلغ به الأمر أن زعم نفسه "رسولا لله إلى الجنة الجديدة"، زاعمًا أن يوحنا المعمدان تحدث عن هذا في "سفر الرؤية"  وبالتالي اعتقد أن "مغامراته تأتي ضمن إرادة الرب". وقد خصصت الباحثة كارول ديليني فصلًا كاملًا من كتابها الذي ألفته عن كولومبس للبحث في معتقدات الرجل الدينية، عبر تأريخ الحروب الدينية التي سبقت ولادته وتأثر بها أعظم تأثر، ليتبنى عقيدة الألفية ونهاية العالم، التي لم يخترعها إنما تلقاها من تاريخ أسطوري ديني مديد. وكل مساعيه لاكتشاف طرق جديدة وأرض جديدة إنما كانت سعيًا وراء هذا الهدف، وكل الجرائم التي ارتكبها هو ومن تبعه إنما تأتي في سياق تطهير "الأرض الموعودة" من الكفار، أو تهيئتهم لتلقي تعاليم "المُخلّص".

وقصة اكتشاف العالم الجديد، وتصويرها كـ"أرض الميعاد" وجدت ترجمتها مع المهاجرين البيوريتانيين، الذين فروا من الاضطهاد الديني، بعد هزيمة كرومويل وأتباعه، حيث كان البيوريتانيين قد انضموا إليه، فتمثلوا قصة "خروج اليهود من مصر" وأسقطوها على تجربتهم. فتقمصوا شخصيات التوراة، وأطلقوا أسماء أشخاصها على أبنائهم، وتعهدوا في طقوس جماعية بالالتزام مع "الرب" على غرار ما فعله العبرانيون مع يهوه حيث أكدوا أنه:« إذا أَمَّنَ الرَّبُّ ذهابنا إلى العالم الجديد سنؤسس مجتمعًا تحكمه قوانينه".

ومن هذا المنطلق يؤكد الأب البروتستانتي جون كوتون: "إن الرب حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد (أمريكا)، وما دمنا الآن في أرض جديدة فلا بد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد هذا الشعب المختار".

وهكذا، فإن القمع السياسي والاضطهاد الديني الذي تعرض له الكثير من المستوطنين الأوائل في إنجلترا، والذين فروا منه، كان عبودية- "هم" المصرية ، كان ملوك عائلة ستيوارت "الإنجليز" (وفي وقت لاحق في العصر الثوري، جورج الثالث) "الفراعنة" المتعنتين، وكانت مياه البحر الأطلسي الغادرة، التي عبروها بحثًا عن أرض موعودة، البحر الأحمر (أو في بعض الإصدارات، نهر الأردن) في كنعان الجديدة، كان عليهم أن يواجهوا، مثل "الإسرائيليين" القدماء، التضاريس الصعبة و"السكان العدائيين".

واعتبر عدد منهم في عهد التأسيس جورج واشنطن بمثابة "موسى"، الذي أخرجهم من العبودية إلى الحرية، و بالنسبة لهؤلاء الأميركيين، فإن "التاريخ الإلهي للشعب العبري" والسجل التوراتي لتعليمات موسى لإنشاء البنية التحتية السياسية والقانونية اللازمة لحكم الناس كان لها عندهم معنى خاصًا ولعبت دورًا رئيسيًا في توجيه مهمتهم الطموحة إلى الأرض الموعودة الجديدة.

إن نمطية التفكير البيوريتاني، باعتبارهم "شعبًا مختارًا" قد انتقلت إلى أرض الواقع وتجسدت في الجرائم التي ارتكبها المستعمرون الأوائل ضد السكان الأصليين، والتي وصلت إلى الإبادة، وبهذه الخطوات زحف المجتمع البيوريتاني الذي أراد أن يحول العالم الجديد إلى دولة شبه تيوقراطية ترعاها إرادة الله وتبارك خطواتها.

تجسد هذا سياسيًا على يد الآباء الأوائل المؤسسين للدولة الأمريكية مثل جفرسون، أدامس، فرانكلين، جاين وحضرت قوانين التوراة في بنود وثيقة الدستور الأولى، مغالين في التشبيه بين دستورهم و"شريعة موسى"، وبالتالي بين "بني إسرائيل" والأمة الأمريكية، وقد أصر المؤسسون على استقلال الكنيسة عن الدولة وعن الكنيسة الأنجلكانية، ليس لهدف إقصاء وإبعاد الدين وفصله عن الحياة السياسية كما حصل في أوربا، وإنما لهدف حماية الدين نفسه من الدولة، وليس العكس، وهذا ما دافع عنه ˝جيمس ماديسون˝ قائلًا: «السلطة المدنية يجب إبعادها عن تقرير المسائل المتعلقة بالاعتقاد والعبادة، وأن أعضاء المجلس التشريعي لا يملكون الحق أو افتراض الحكمة لوضع أنفسهم كقضاة للحقيقة الدينية». وبذلك جاء في التعديل الأول للدستور عبارة توماس جيفرسون الشهيرة «لا دين رسمي ولا كنيسة رسمية».

وغداة الاستقلال ورغم أن بنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسون طالما اُعتبرا ابني التنوير، بل وشككا علنًا بمعجزات "العهد القديم" إلا إنهما لم يترددا عام 1776، بالاستناد إلى القصة التوراتية المألوفة لتحرير الشعب الإسرائيلي المعجزة من العبودية المصرية لتصميمهم المقترح لـ "ختم الولايات المتحدة الأمريكية فاقترح فرانكلين "صورة موسى رافعًا يده، والبحر الأحمر متفلق وفرعون في عربته تبتلعه المياه مع شعار التمرد على الطغاة طاعة لله" أما جفرسون فاقترح رسمًا لبني إسرائيل في التيه يرشدهم السحاب في النهار وعمود النار في الليل، وعبر عن هذا بصراحة في إحدى خطبه بقوله: "إنني بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آباءنا في البحر كما فعل نبي إسرائيل وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش"، وهم يسقطون حكايات العبرانيين وسيرة موسى وأسفار العهد القديم والتلمود والأفكار القبلية على واقعهم من خلال صياغتها صياغة تستجيب لمتطلبات العالم الجديد ومن هذا لا يمكننا أن نفهم تأسيس مجلس الشيوخ إلا باعتباره استمرارًا لما فعله موسى عندما اشتكى إلى يهوه أنه لا يطيق الحكم وحيدًا فأمره باختيار سبعين رجلًا من الحكماء والرتباء.

وكما أشار مكلاي في كتابه، تكشف أرشيفات الدولة والمناقشات السياسية والنشرات والخطب والمراسلات الخاصة التي جمعت كيف سعى الجيل المؤسس لأميركا بشكل متكرر نحو التجربة العبرية للمبادئ والسوابق والمعايير المعيارية والدوافع الثقافية التي يمكن من خلالها تحديد المجتمع في تشكيل وترتيب تجاربه السياسية. كان خطاب العصر مليئًا باقتباسات من النص والتلميحات إلى النص المقدس، وفي الواقع، كان الكتاب المقدس - والكتاب المقدس العبري على وجه الخصوص - العمل الأكثر ذكرًا في الأدب السياسي للعصر التأسيسي، مع كتاب سفر التثنية، الذي يلخص قانون الفسيفساء ويحكي التقدم الأطري لـ "أمة الله المختارة" ويشار إليه أكثر من أعمال المفكرين المؤثرين مثل جون لوك أو بارون دي مونتسكيو.

واستمر الأمريكيون في رؤية مقارنات بين إسرائيل وأمريكا القديمة في السنوات التي تلت ذلك. في عام 1783، ألقى عزرا ستيلز، رئيس كلية ييل، خطبة أمام كبار المسؤولين العموميين في كونيتيكت بناءً على سفر التثنية 26:19: مقطع يصف وعد الله بتعظيم الأمة إسرائيل بشرط أن تظل "شعبًا مقدسًا"، كما أعلن ستيلز، كان "نبويًا بشكل ملموس للازدهار وروعة الولايات المتحدة في المستقبل" - من "إسرائيل الله الأمريكية".

أعلن صموئيل لانغدون، الوزير التجمعي والرئيس النشط سياسيًا لكلية هارفارد، في عام 1788، أن "جمهورية إسرائيل القديمة" كانت "مثالًا على الولايات الأمريكية". وأضاف: "بدلًا من اثني عشر من قبائل إسرائيل، قد نستبدل الدول الثلاث عشرة في الاتحاد الأمريكي". في الواقع، بالنسبة للانغدون، "يمكن اعتبار الإسرائيليين نمطًا للعالم في جميع الأعمار؛ ومنهم قد نتعلم ما الذي سيزيد من شخصيتنا، وما الذي سيحبطنا ويؤدي بنا إلى الخراب".

ورأى بعض الأميركيين في الكتاب المقدس العبري نماذج سياسية معينة، بعد أن تمتعوا بمصالح إلهية، تستحق المحاكاة. رأى Langdon في عام 1775: "الحكومة اليهودية، وفقا للدستور الأصلي الذي أنشئ إلهيًا،. . . كانت جمهورية مثالية " و" نموذجًا عالميا ممتازًا "للأمة التي تزدهر الآن".

في كتابه الشهير "إحساس شائع "(1776)، تحول توماس باين أيضًا إلى التقليد الجمهوري العبري - في قضيته، لإدانة الملكيّة والوراثة الوراثية، وأكد أن الملكيّة "قد تم تقديمها لأول مرة إلى العالم من قبل الوثنيين" ولا يمكن "الدفاع عنها بناءً على سلطة الكتاب المقدس؛ لإرادة الله تعالى، كما أعلن جدعون و"النبي صموئيل"، لا توافق صراحة على الحكم من قبل الملوك".

واصل باين، أنه على مدى "ثلاثة آلاف سنة"، شكل الحكم المدني اليهودي "كان نوعًا من جمهورية يديرها قاض وشيوخ القبائل. لم يكن لديهم أي ملوك، وكان من الشرير الاعتراف بأي كائن تحت هذا اللقب ولكن فقط رب الجنود". ولكن بسبب حماقتهم، قرر "الإسرائيليون" تقليد جيرانهم وأصروا على أن يكون لهم ملك يسيطر عليهم، وهو ما كان في الختام، هذا هو بالضبط السبب في أن  onarchy (الملكيّة) تصنف في الكتاب المقدس كواحدة من خطايا اليهود، والتي نددت بها لعنة ضدهم.

وكان الأمريكيون من الجيل المؤسس يدركون جيدًا أن أفكارًا مثل الجمهورية وجدت تعبيرًا في تقاليد أخرى غير تلك المسجلة في الكتاب المقدس، ودرسوا تلك التقاليد القديمة والحديثة، لكن بطريقة لم تستطع النماذج الكلاسيكية القيام بها، طمأنت الجمهورية الموصوفة في الكتاب المقدس العبري جميع الأميركيين بأن الجمهورية نظام سياسي يفضله الله.

أما عن "الوعد أو "نبوءة العودة" فقد تبناها البيوريتانيون (إعادة اليهود إلى فلسطين) ليس حبًا في اليهود، بل من أجل الوعد الذي أعطي لهم، هذه العودة التي يجعلها الإصلاحيون شرطًا جذريًا لبداية الألفية الثالثة بتحقيق مشروع «نهاية التاريخ» وانتظار عودة المسيح الثانية ليخلص العالم ويعم العدل والسلم والسلام في مملكته بعد القضاء على قوى الشر. وبذلك أصبح هاجس أمريكا التسريع بمجيء هذا اليوم الفاصل، حيث ستقام معركة فاصلة مع الشيطان في فلسطين بعد تأسيس دولة يهودية فيها أو ما يسمونه بمعركة – هرمجدون- حرب نهاية العالم.

الأمر كما يبين الكتابان أعلاه لم يكن خاصًا بالنخبة المهاجرة وطليعة المؤسسين الفكرية والسياسية، بل امتدت إلى عوام الناس أيضًا، فالأمريكي العادي مثله مثل النخب يعود دائمًا إلى "الكتاب المقدس" بعهديه، للتعرف على الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي والسلطة العامة وحقوق المواطنين وواجباتهم والمفاهيم الأخرى الضرورية لإقامة نظام حكم مستقر. كان الرجل العادي قد وافق، على سبيل المثال، على أن الأخلاق التوراتية، على النحو المعبر عنه في الوصايا العشر، كانت حيوية لرعاية الفضائل المدنية التي منحت المواطنين مثله القدرة على الحكم الذاتي.

في الواقع، كما يشير محرري كتاب  Proclaim Liberty، فإن الكتاب المقدس العبري، بعيدًا عن التأثير على النخبة الأمريكية، كان "مصدرًا لعنصر الهوية الجماعية وتحديد هويته وعنصرًا فيه".

على مدار أجيال عديدة، قام الأمريكيون بتدريس تقاليدهم الدستورية بمبادئ وإجراءات محددة قيل إنها مشتقة من الكتاب المقدس العبري وتم نقلها إلى المستعمرات عن طريق القانون والعادات الإنجليزية العامة، ومن بينها في نهاية المطاف، أحكام دستورية تتراوح بين الحاجة إلى شهود عديدين من المخالفات لأغراض الإدانة والعقاب، إلى مفاهيم الخطر المزدوج والعقوبة القاسية وغير العادية، والمعايير الوطنية للأوزان والمقاييس.

ووفقًا لملاحظات جيمس ماديسون، ساهم فهم الطبيعة الإنسانية الوارد في الكتاب المقدس العبري بشكل كبير في المناقشات التي دارت في المؤتمر الدستوري لعام 1787. على سبيل المثال، خلال نقاش حول مؤهلات المنصب العام، تكلم بنيامين فرانكلين في معارضة أي اقتراح، على حد تعبيره، "يميل إلى تحطيم روح عامة الناس". "يجب أن نتذكر الشخصية التي يتطلبها الكتاب المقدس في الحكام"، قال فرانكلين، متذرعًا بنصيحة جثرو لموسى فيما يتعلق بالمؤهلات. للحكام الإسرائيليين المحتملين، "أن يكونوا رجالًا يكرهون الطمع". وبهذا الفهم الملتوي للتاريخ أصبح الأمريكيون يبررون التطرف الأصولي، وبذلك فهم مثل اليهود مسكونون دائمًا بهاجس الخطر الذي يهدد وجودهم، والحاجة الدائمة إلى "عدو" يشكل خطرًا مصيريًا، يبرر كل عنف وجريمة ترتكب حتى لو كانت بمستوى إبادة جماعية.

وبالطبع، أعاد هذا الفهم، الاعتبار لليهود في فكر البيوريتان وكذا رفع من مكانة اللغة العبرية، بل كانت هي اللغة الأم في مجموعة من المستوطنات الأمريكية الأولى؛ إذ أن أول كتاب نشر في العالم الجديد يهودي العنوان هو- pay psalm-  وهو ترجمة مباشرة لسفر المزامير وكانت العبرية ضمن الموضوعات الإجبارية في الجامعات، حيث أن من بين أول الأطروحات التي قدمت في 1642 أطروحة جامعية بعنوان – العبرية هي اللسان الأم- وقد كانت البروتستانتية البيوريتانية في تلك الفترة أكثر تعصبًا لليهودية من اليهود أنفسهم، وحيث أصبحت المسيحية الأمريكية مطبوعة بصبغة يهودية إنها – مسيحية يهودية – ارتكزت على مقولتي أرض الميعاد والشعب المختار التي شكلت أساس استعمار أمريكا واستعمار فلسطين فيما بعد. فالصبغة اليهودية للمسيحية دفعتها منذ البداية إلى المطالبة بوطن قومي لليهود في فلسطين قبل أن يدرج هذا في جدول أعمال الحركة الصهيونية.

إذن، وكما تشكل الوسائل التي يستخدمها المستعمرون في سياق تبريرهم لأفعالهم مروحة واسعة تشمل منظومة أيدولوجية مجربة، وموثوق منها تهدف دائما إلى إخفاء الحقائق، وتحتوي على عدد هائل من المصطلحات ابتداء بـ (تطوير) شعوب المستعمرات وإنقاذها من (تخلفها) مرورا بتعمير الأرض الخالية، وصولا إلى تنفيذ الوعود الإلهية بمنح الأرض للشعب المختار، ويعلم الجميع أن التبرير الديني كان حاضرا دائما في الغزوات الاستعمارية، وقد أخفى وراءه الأسباب الحقيقية للغزو التي حكمت سلوك المستعمرين وأطماعهم، وإذا كنت هنا لا أسعى لدراسة الفكرة الاستعمارية وخلفيتها السيكولوجية، إنما الإشارة إليها تبدو مهمة في السعي لمقاربة فهم الحقيقة حول الموضوع.

كما قلنا، وجنبًا إلى جنب مع ترسخ التوراتية في عقيدة المسيحية الأمريكية، لم تكن فكرة الأرض الموعودة، أرض العسل واللبن غائبة في خلفية صورة الغزاة الأوربيين وهم يقتحمون الأرض الجديدة والتي سميت فيما بعد: أمريكا. نحن المتفرجين لم نسأل أنفسنا أبدًا عن الاسم الأصلي لهذه "الأرض الجدة" بتعبير وليام كامو، هذا الاسم الذي قذف إلى النسيان تمامًا مثلما قذف بأصحاب الأرض الأصليين الذين سموا هنودًا حمرًا، فاقتلعوا مرة واحدة من مكانهم - أرضهم، وأحيل انتمائهم حتى بالاسم إلى المنفى، فأصبحت الأرض خالية بالأيدلوجيا، جاهزة لمحراث السيد الأوربي الذي بدأ عمله جنبًا إلى جنب مع الرصاص والقنابل والأمراض السارية، مسجلًا مذبحة بشرية بشعة تناستها البشرية بسهولة لأن العصر كان عصر النهب والمذابح والأرض الخالية.

وفكرة الأرض الموعودة لم تكن غائبة أبدًا عن أذهان الغزاة، بل على العكس وجدت لها مكانًا ملائمًا في كتابات المستوطنين القدماء كما ينقلها فرانسوا شاتيليه "إن أمريكا هي في نفس الوقت كنعان الجديدة، القدس الجديدة، بلد عدن، حيث يسود الله الطبيعة والنبات الوافر وغطاء الأزهار"، وهذه الأرض الموعودة من المفترض أن تكون خالية، هنا يتحد الحلم الإلهي ببناء إمبراطورية مقدسة على الأرض مع ضرورة تفريغ الجنة من (الكفار)، إلا أن ذلك يلتقي أيضا بفكرة (طهارة السلاح) وتصبح المجزرة هنا قانونًا إلهيًا، ولكنها مجزرة سرية غير معلنة يتم إخفائها بمهارة، تمهيدًا لإحلال شعب آخر في الأرض الموعودة حيث "إن شعبًا مختارًا فقط هو الذي يستطيع الإقامة في هذا البلد الموهوب بكرم إلى هذه الدرجة؛ لذلك فإن الله غربل أمة بكاملها حتى يتمكن من أن يرسل إليها أفضل حبوب عنده".

هنا تتحد فكرة المكان مع الوهم الديني، المكان المتجسد ماديًا في الأرض البعيدة المعزولة مع الوعد الإلهي، فهذه العزلة لم تكن مجرد صدفة، لم تكن مجرد سلوك من سلوكيات الجيولوجيا الأرضية معبرًا عن نفسه جغرافيًا، وإنما تدبيرًا إلهيًا حكيمًا "لقد خصص الله أمريكا لتكون المسرح الذي يجب أن يبلغ فيه الإنسان قوامه الحقيقي، أليست معزولة عن الأوربيين وعن بقية العالم لتكون مسرح أحداث هامة".

المصطلحات المستخدمة ليست غريبة عنا، لقد سمعناها في مكان وزمان آخرين، وبلسان مستوطنين جدد، في أرض جديدة لكن الوعد الإلهي هذه المرة كان "مبررًا" بشكل أفضل وأقوى، والأرض هنا مقدسة فعلًا، والنص الديني يذكرها بالاسم، وليس مجازًا، هي هنا ليست كنعان جديدة بل كنعان نفسها، الأصل، ليست قدسًا جديدة، بل القدس نفسها والغازي هنا هو شعب الله المختار "الحقيقي" وليس ناتج الغربلة، والمهمة هنا إنقاذية تأخذ طابعًا مزدوجًا، إنقاذ الأرض المقدسة من (الكفار)، وإنقاذ الشعب المختار من متاهته التي طالت، وباستخدام نفس المصطلحات، الأرض الخالية، الصحراء البور..الخ، وباستخدام نفس الأدوات (المجزرة) أساسًا، والتزييف لقلب الوقائع وحذف الموجود لمصلحة القادم من وراء البحر، وهم دائمًا يأتون من وراء البحر عبر الأطلسي أو الأحمر.

علامات في السلوك السياسي:

هكذا إذن، يشترك النظام الأمريكي بإرثه الميثولوجي مع الكيان الصهيوني، تاريخ النهب والقتل، سيكولوجية الغزو والاستيطان، لكنه ليس سببًا كافيًا للتعاطف وصولًا إلى التبني الكامل، ولا يقتصر الأمر أيضًا على كون أغلبية الأمريكيين يستندون في عباداتهم إلى التوراة، بل جزءًا كبيرًا منهم تشكل التوراة المصدر الوحيد لعبادتهم، إلا أنه بالأساس يطال التكوين البنيوي للمجتمع الأمريكي، هذه البنية القائمة على نظام رأسمالي استغلالي داخليًا وخارجيًا تمثل المصالح الرأسمالية المصدر الوحيد للسلطة فيه.

ومع انقضاء زمن فاعلية مقولة هوراس جريلي "أيها الشاب اتجه إلى الغرب وليصحب نموك اتساع رقعة وطنك" فأصبح الاتجاه الآن نحو منابع الثروات في الشرق، لذلك كان إعلان ترومان بالاعتراف بدولة إسرائيل بعد خمس دقائق من إعلانها، تتويجًا لهذه السياسة الأمريكية، فقد أنشأت الولايات المتحدة أول قنصلية لها في القدس عام 1856 رغم قلة عدد اليهود الأمريكيين في فلسطين، إلا أنه كان قد بدأ الإدراك في أمريكا كما في أوربا لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه اليهود، لذلك لم يكن صدفة أن آخر ثلاثة سفراء بعثت بهم الولايات المتحدة إلى الأستانة هم من اليهود، وقد عمل هؤلاء على حماية المصالح اليهودية في الدولة العثمانية، والمخطط الاستعماري كان يستند إلى ضرورة حماية المصالح الغربية في المنطقة؛ لذلك كان من الطبيعي أن تدعم أمريكا الخطة البريطانية الفرنسية الخاصة بتقسيم العالم العربي مع السعي طبعًا لتجاوزها بسبب تجاهلها للولايات المتحدة التي لم تكن قد دخلت حلبة الصراع بشكل جدي حتى ذلك الوقت. ويشير أرشيف ويلسون أنه كان يعلم بالمعاهدات السرية (سايكس بيكو) وبموضوع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من بلفور شخصيًا عند زيارته إلى الولايات المتحدة عام 1917.

فرصة تجاوز الدور البريطاني الفرنسي، جاءت للولايات المتحدة مع بداية الحرب الأولى وكانت بداية إحلال الدور الأمريكي في المنطقة وبداية العلاقات الأمريكية الصهيونية، وذلك بعد انسحاب ممثلي الدول المعادية للدولة العثمانية، فبقيت المؤسسات الصهيونية المتمتعة بحماية هذه الدول بدون حماية مما يعني تعريضها للمصادرة باعتبارها أملاك عدو، فتولت الولايات المتحدة هذه المهمة، باعتبارها لم تكن قد أعلنت الحرب بعد على الدولة العثمانية. إن عدم إعلان الحرب هو سبب ونتيجة بنفس الوقت، فالاستعمار الأمريكي كان قادرًا على تجديد نفسه وإعطاء أدواته أبعادًا جديدة بعكس النموذج القديم البريطاني الفرنسي الذي لم يستمر سوى ثلاثة عقود قلقة أو أربعة، فأزيح لمصلحة العملاق القادم بقوة إلى الساحة الاستعمارية.

إسرائيل كانت نموذجًا للتجديد في الآليات الاستعمارية، ككيان غريب، متطابق من حيث النشأة مع الشقيقة المستعمرة الكبرى وهذه الدولة موجودة في إطارٍ معادٍ، تحتاج للدعم من الخارج الاستعماري المتوافق معها، وقادرة في نفس الوقت على القيام بالمهمات المطلوبة، وذلك يصبح إطارًا ملائمًا لنشأة الدولة المفضلة، وهنا نجد أنفسنا أمام نظامين يتحدران من جذر واحد وينتميان إلى نفس الفئة الاستعمارية، من أجل ذلك تصبح العلاقة الأمريكية الإسرائيلية علاقة قسرية موضوعيًا، طبيعية محكومة لطبيعة النظامين وليست مفتعلة.

في هذا السياق نستطيع فهم الدعم اللامحدود الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل ولا يمكن أن ننسى السلوك التصويتي لمندوبي الولايات المتحدة في مجلس الأمن والجمعية العامة ضد المصالح العربية، واستمرار الولايات المتحدة في رفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بعد أن اعترفت بها دول العالم أجمع، وقرارات الكونغرس الأمريكي المعادية للفلسطينيين والعرب والتي حولت الكونغرس إلى صورة بائسة عن الكنيست الصهيوني.

مَن يعارض السلام؟

يضعنا ما سبق على السكة المناسبة لفهم المنظومة الفكرية التي تقود التحرك الأمريكي حاليًا عبر عملية السلام، فما وصلت إليه هذه العملية وظروف انطلاقها والسلوك الأمريكي فيها يثبت لكل ذي بصيرة أن "جبهة الرفض" الحقيقية إنما هي التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وليس الفلسطينيين والعرب كما تشيع وسائل الإعلام المهيمنة؛ فسياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل لا تعني تمكين إسرائيل من تهديد العرب فحسب بل ورفض كل تسوية سياسية، والولايات المتحدة ليس من مصلحتها ولا من مصلحة إسرائيل إقامة سلام في المنطقة، التوتر - وهنا المفارقة - هو الذي يضمن الحفاظ على المصالح الأمريكية "فلو تم السماح بعقد تسوية سلمية وفق الإجماع الدولي، لاندمجت إسرائيل تدريجيًا في المنطقة ولخسرت الولايات المتحدة خدمات دولة مرتزقة قيّمة، قادرة عسكريًا ومتقدمة تكنولوجيًا، دولة منبوذة، تعتمد اعتمادًا كاملًا على الولايات المتحدة، من أجل بقائها الاقتصادي والعسكري، وبالتالي متوفرة لتقديم الخدمات عند الحاجة" في محيط عربي معاد ومتوافق.