Menu
حضارة

الحزب الشيوعي وإشكالية الفكر اليساري العربي والفلسطيني!

فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج8

حاتم استانبولي

الحزب الشيوعي وإشكالية الفكر اليساري العربي والفلسطيني!

الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي جاء تأسيسه نتيجة عاملين، هما: انتصار ثورة أكتوبر وقدوم المهاجرين اليهود الذين كانوا يحملون أفكارًا يسارية متأثرين بثورة أكتوبر ونهوض حركة اليسار في أوروبا. هذا الحزب عانى منذ ولادته أزمة هويته الوطنية؛ بحكم انشداد معظم أعضائه اليهود المهاجرين إلى إسقاط أفكارهم على الواقع الفلسطيني من خارج سياقه التاريخي،فواجهوا تحديًا بين هويّتهم اليهودية وهويتهم الفكرية التي كانت تتعارض مع دورهم الإقصائيوالإحلالي، كونهم مهاجرين أصبحوا- موضوعيًا- متعارضين مع البنية الاجتماعية والفكرية والثقافية السائدة، ورغم طرحهم شعارات وحدوية للعمّال الفلسطينيين واليهود تؤكد المعاناة من استغلالٍ واحدٍ، لكنهم وبحكم قوة ونفوذ وتحالف الحركة الصهيونية مع حكومة الانتداب خضعوا للقمع من جانب،ٍ والأهم أنهم بالمعنى الفكري لم يقفوا بشكلٍ حاسم ضدّ جوهر الفكرة الدينية التي حكمت إقامة الوطن القومي لليهود، هذه الحالة أدخلتهم في تناقضٍ مع البنية الفكرية للماركسية، التي طرحت رؤية حل المسألة اليهودية بشكلٍيتعارض مع الجوهر الرأسمالي للفكرة الصهيونية.

حاول الحزب حل هذه الإشكالية من خلال شعار "تعريب الحزب"، في المؤتمر السابع (1030-1931)، لكنه وقع في خطأ آخر، هو أن تعريب الحزب ليس فقط بتوسيع العضوية الفلسطينية وإنما سيكون بتغيير نمط التفكير والتعاطي مع حل المسألة اليهودية في إطار حل مهمة المجتمع الفلسطيني الوطنية التحررية  واعتبار اليهود هوية دينية وليست هوية قومية. هذا الطرح الذي سيضع الطبقة العاملة الفلسطينية واليهودية على السكة الفكرية الصحيحة ويوحدها في مواجهة تغوّل رأس المال الصهيوني الإحلالي، المتحالف مع المستعمر البريطاني الذي كان تأثيره تدميريًا على بنية المجتمع الفلسطيني من خلال سياسة الفصل الشاقولي للمجتمع، عبر سياسة تهويد الصناعات والعمال مما أدّى إلى تصادمٍ بين العمال الفلسطينيين واليهود في أكثر من موقعٍ في الريف والمدن.

الخللُ في رؤية تطبيقات الفكر الماركسي على الواقع الفلسطيني حكمته الرؤية الميكانيكية للنص الماركسي، الذي غلّف فكرة الوطن القومي الذي كان يراه بعض الماركسيين-إن كانوا في الكومنترن أو هاجروا إلى فلسطين- كانوا يرون أن النظام التعاوني الكيبوتس الذي هو شكلٌ جمعيّللإنتاج والمردود سيشكّل أساسًا لنظامٍ اشتراكيّ في منطقةٍ تسودها سيطرة القوى الرجعية المرتبطة بالاستعمار، وانعكس ذلك أيضًا في تشكيل نقابة العمال اليهودية الهستدروت، التي كانت عضويتها محصورة على العمالة اليهودية مما أدى إلى فصلٍ في المهمات والمصالح بين العمال الفلسطينيين (الذين كانت لهم نقابتهم وجمعياتهم) واليهود.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

إنّ الفارق الواضح في الأجور بين العمالة اليهودية والفلسطينية لعب دورًا في تعميق سياسة الفصل والتمييز؛ عبر سياسة إحلالية استهدفت العمال الفلسطينيين، وإذا ما أضفنا إليها سياسة الاقتلاع للفلاحين الفلسطينيين من أرضهم؛ هذه السياسة التي لم تجابَه بشكلٍ حاسمٍ وواضحٍ. ومرةًأخرى تحققت مقولة الكاتب الروسي العظيم التي قال في رسالته التي ردّ فيها على انتقاد بعض المثقفين اليهود "حتى بعض المثقفين اليهود لم يستطيعوا الخروج من يهوديّتهم".

إنّ هذا الموقف الفكري الذي تعارض مع الواقع الملموس والتحدّيات التي واجهتها الطبقة العاملة الفلسطينية والفلاحين؛ من ثلاثية اضّطهادِ استعمارية بريطانية ورأس مال يهودي وبرجوازية محلية، التي عانت من الإقصاء والإحلال ومزّقت وتهاوت وأخرجت بسببه قطاعاتٍ واسعةً من الفلاحين والعمال الفلسطينيين من عملية الإنتاج الاجتماعي، عبر سياسة إقصائية إحلالية واعية ومدروسة، استخدمت فيها كل الإمكانيات القانونية والعسكرية والاقتصادية والمالية لإقامة الوطن القومي، الذي لا يمكن أن يمرّإلاعبر فرض الإقصاء والإحلال الشامل.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس-بيكو وصفقة القرن.. اليهودية في أوروبا وأساس العداء للسامية (ج 2)

أنّ الخلل الذي أصاب رؤية الشيوعيين الفلسطينيين في حلّ المسألة اليهودية كان سببًا رئيسيًا في تمزّقهم وتشتتهم؛ وأدخلهم في صراعٍ مع ذاتهم على أرضية التعارض بين الهوية القومية والدينية من جهة، ومع تطورات الواقع التي كانت تقود إلى إلغاء هويّتهم الوطنية وإلحاقها بعد النكبة، وموقفهم من قرار التقسيم كان نتاجًا طبيعيًا لهذا الخطأ الفكري، وبالمضمون كان يعني عدم إدراكهم جوهرَ الفكرة الصهيونية الإقصائية والإحلالية والإلغائية للهوية الوطنية الفلسطينية.

ورغم مواقفهم الشجاعة والنضالية واشتراكهم في المواجهات والثورات إلا أنّ بنيتهم الفكرية القائمة على مهادنة المنبت الفكري للصهيونية بغلافها الديني وضعهم دائمًا محطَّ شكٍ من قبل المجتمع الفلسطيني وقواه الاجتماعية التي كانت ترى بحكم الواقع أنّ صراعَها التناحريّ مع جوهر الفكرة الصهيونية الإقصائية والإحلالية.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج3)

إنّ عدم وضوح موقف الشيوعيون من الفكرة الإقصائية والإحلالية لرأس المال الصهيوني اليهودي واعتبار التناقض معه يأخذ بعدًا وطنيًا تحرّريًا ويضعه في موقعٍ واحدٍ مع المستعمر البريطاني وضعَ الشيوعيين من حيث لا يدرونفي ذات الموقع الذي حكم حركة البرجوازية الفلسطينية وتيارها الديني التقليدي وكان أساسًا لموقفهم غير المفهوم لقرار التقسيم، الذي حوّل الفكرة من الوطن القومي إلى دولةٍ يهودية تفتقد إلى دستورٍأو حدودٍ .

الجانبُ الآخر للحركة الوطنية الفلسطينية تمثلت بالحركة القسّامية:

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (جـ4)

اتّسم موقف الحركة القسّامية الحاسم باعتبار أنّ صراعَها التناحريّ هو مع الاستعمار البريطاني رأس حربة المشروع الصهيوني، إذ بنى عز الدين القسام رؤيتَه للصراع بأبعادٍ وطنيّة وقومية، واستثمر العامل الديني في تعبئة الجماهير الفلسطينية لمواجهة الاستعمار البريطاني، وأسّسَ شبكةً تنظيمية على أسُسِ صارمة من الفقراء الذين سكن بينهم وعلمهم وتعلّم منهم عند قدومه من موطنه السوري (جبلة)، بعد مواجهةٍ مع المستعمر الفرنسي اكتسب من خلالها التجربة القتالية والتنظيمة وكان على صلة دائمة مع الوطنيّين السوريّين الذين كانوا يُزوّدونه بالأموال والسلاح، القسام أعطى بُعدًا وطنيًا وقوميًا للصراع إذ اعتبر أنّ المعركة مع المستعمر الفرنسي والبريطاني في سورية و فلسطين هي معركة واحدة.

كانت لحركته دورًا هامًا في انتفاضة البراق 1929 وكانت خلاياه التي توزّعت في قرى ومدن فلسطين عاملًا في تأجيج الصراع مع ثنائية الاستعمار البريطاني والإحلالي الصهيوني اليهودي، وكان استشهاده- في مواجهة لم يكن يريدها وإنّما فُرِضت عليه- سببًا غير مباشرٍ في انطلاق ثورة 1936. هذا الاستشهاد في معركةٍ مع البريطانيين وضع القوى السياسية وفي مقدّمتهم المفتي في حالة إحراجٍ مع المستعمر البريطاني ما دفعها- أي القوى- إلى المسارعة لطمأنته بأنّها غير موافقة على خيار الحركة القسامية، وأنّها ما زالت ترى أن العلاقة الجيدة مع حكومة الانتداب هي أولوية، وقدّمت إليه ورقةَ مطالب وحذرت إذا لم تنفَّذ فإنهم سيفقدون دورهم الوظيفي (1)

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج5

في الجانب الآخر، الحركة القسامية كشفت تواطؤ البرجوازية الإقطاعية والمدنيّة التي كانت تتهاوى تحت ضربات رأس المال الصهيوني، ورغم ذلك كانت ترى أن دور حكومة الانتداب هو دور القاضي الذي كانت تلجأ إليه في شكواها ضد التغول الرأسمالي اليهودي وانعكاساته على البنية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية.

الحركة القسامية كانت استثناءً، أدركت مبكرًا الخطر الرئيسي الداهم على فلسطين من قبل ثنائية الاستعمار، إن كان بريطانيًا مباشرًا أو إقصائيًاإحلاليًا صهيونيًا.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج 6)

وأكّد درسًا هامًا للشيوعيين الذين كانوا يعانون من ضبابيةٍ في تحليل وقع إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، وأبعاده التوسّعية والجوهر الرجعي الاستغلالي للمجتمع الفلسطيني بكل أطيافه، وللعمال اليهود أنفسهم الذين استُخدِموا كأدواتٍ قمعيةٍ مسلحة لتنفيذ جرائم الإبادة الصهيونية بحق الجماهير الفلسطينية، التي استندت إلى الفكرة التوراتية اليهودية.

يهودية قيادة الحزب وقفت حائلًا دون فهم وإدراك خصائص المجتمع الفلسطيني ليحدّدوا مواقفهم آخذين بعين الاعتبار الإرث التاريخي والثقافي للمجتمع الفلسطيني والعربي.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج7

إشكالية الفكر اليساري المبكر :

إنّ انتشار الأفكار اليسارية في أوساط الأقلّيات القومية والدينية والمذهبية كان نتيجةًللإقصاء الذي كانوا يعانون منه في الإمبراطورية العثمانية، بسبب هيمنة الثقافة الدينية الأحادية التي حاصرت تطلعاتهم،ما جعل حواضن الأفكارتقتصر إلى حدٍ ما على هذه التجمّعات التي كان يُنظر إليها من قبل السواد الأعظم الإسلامي السّني على أنها أفكار من خارج منظومتهم المعرفية التاريخية؛ خاصة في فلسطين التي انتشرت فيها هذه الأفكار من خلال المهاجرين اليهود الجدد، الذين لم يعطوا أهميةً لقراءة التناقض الرئيسي بين رأس المال الإحلالي الصهيوني مع بنية المجتمع الفلسطيني وحاجياته الملموسة والمهمات التي أوجبتها فكرة إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وما عكسته من تغيراتٍ بنيوية في المجتمع الفلسطيني.

إن نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل انتقال المنطقة العربية من مرحلة السيطرة الدينية الأحادية عبر شكل الحكم الخلافي، الذي انتقل مركزه بصراعات أدت إلى تحولات طرأت على بنية تحالف الحكم الإسلامي وحواضنه الاجتماعية ما بين تحالفٍ وصراع أخذ أبعادًا مذهبية وقَبَلية، انتقلت فيها الخلافة من المدينة عبر دمشق وبغداد والقاهرة إلى الأستانة آخر محطاتها.

هذا النشوء اليساري للحركة الوطنية الفلسطينية والعربيةمن خلال الصراع مع الاستعمار المباشر البريطاني والفرنسي والإحلالي الصهيوني،وحكمه معيارَ الموقف من النضال الفلسطيني برؤية من خارج البنية الفكرية والاجتماعية والثقافية للمنطقة؛ (الموقف من فكرة الوطن القومي)، وتعارضٍ مع إرثها الثقافي كان السبب الرئيسي للمشكلة البنيوية التي يعاني منه اليسار حتى يومنا هذا. إنّ نقل الأفكار ال لينين ية التي ارتبطت بالتجربة الخاصة للاتحاد السوفييتي من خلال "الكومنترن" شكّل معضلة حقيقة في استنباط مهمات الحركةالشيوعية الفلسطينية والعربية. إن الخلل الذي حكم المنظومة المعرفية للشيوعيين العرب والفلسطينيين بشكلٍ خاص كان اعتمادَهم الفكري على مقررات "الكومنترن" الذي لم يكن لدى قادته رؤية عميقة عن تاريخ المنطقة وظروف تطورها.

إن عدم دراسة الماركسية وقوانينها بعيدًا عن تأثير التجربة الروسية وظروفها طبّع اليسار العربي والفلسطيني بشكل خاص بنمطية التبعية المطلقة للاتحاد السوفييتي، وأصبحوا جزءًا من منظومة أدواته المحلية، وأوقف أية جهود فكرية لاستنباط رؤية فكرية تعتمد على دراسة التطور التاريخي للمنطقة وتحدد ظروف نشأة نظمها ودولها، لتحدد برامجها النضالية على أسسٍ واقعية ملموسة لمجتمعات المنطقة والتباينات في ظروف معيشتها ودور قبائلها وعشائرها وعائلاتها في تحديد نمط بنيتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تلعب فيه الفكرة الدينية دورًا محوريًا كأداة للهيمنة.

هذا جعل تبلور الحركة الوطنية العربية بشكل عام والوطنية الفلسطينية بشكل خاص يتسم بالتخبّط والتشرذم وعدم تحديد التناقض الرئيسي، وجعلها عرضة للحصار الإقليمي والمحلي من قبل نظم اُقيمت لها أوطانٌ وفرضت بشكل فوقي بعيدًا عن سياق تطور وخيارات وطموحات المجتمعات العربية القائمة، وفرضت أشكالًا من الصراع بين النّظم القائمة وبين النظم والتشكيلات الاجتماعية التي أعطيَت لها أسماءُ وحدودٌ جديدة، وجعلت النظم تدخل في صراعٍ حول شرعيتها مع القوى الاجتماعية في كل بلدٍ وأدخلت القوى الاجتماعية في صراعٍ بين مكوّناتها القبيلية والعشائرية والعائلية، ونظمت العلاقات فيما بينها على أساس معيار الموقف والعلاقة المستقبلية من الكيان الصهيوني الوليد.

من العوامل الهامة التي أدّت إلى تسريع الإحلال الاستعماري في فلسطين عبر ازدياد معدّلات الهجرة كانت الأزمة الاقتصادية التي سادت في المجتمعات الرأسمالية، وأدت إلى انهيارات في أسواق المال وأدّت إلى مرحلة الكساد الاقتصادي العظيم، التي كانت أحد الأسباب التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية؛ هذه المرحلة بدأت مظاهرها عام 1929 وانعكست على أوروبا بشكل حاد بين العام 1932 وحتى بداية الأربعينييات.

هذه المرحلة تصاعدت فيها الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي ذات الوقت تصاعدت عملية التداخل بين الاستعمارين البريطاني والصهيوني، وبدأت عملية إعطاء دور وظيفي أوسع إلى التنظيمات العسكرية اليهودية التي تصاعد عدد أفرادها في المؤسسة العسكرية البريطانية في فلسطين، ومع اشتداد الأزمة العالمية ومع بدء الحرب العالمية وبدء الثورة الفلسطينية 1936-1939، رفع الاستعمار البريطاني من حدّة قمعه للفلسطينيين، وفي ذات الوقت تسارعت خطواته من أجل تأهيل البنية السياسية والاقتصادية، وخاصة العسكرية، للمنظّمات اليهودية، وأُطلِقت يدُها في قمع الفلاحين الفلسطينيين وبمساعدة عربية قمعت وأخمدت الثورة الفلسطينية، وانتهت الحرب العالمية الثانية وكانت كل الظروف مهيئة لإعلان تحول فكرة الوطن القومي إلى دولة يهودية. في المرحلة بين 1945 وبداية الخمسينيات كانت مرحلة إعلان انسحاب الاستعمارالمباشر البريطاني والفرنسي من بلاد الشام من حيث الشكل .

وإذا كانت نتائج الحرب العالمية الأولى أدّت إلى سايكس- بيكو ووعد بلفور، اللذين وفرا الظروف الموضوعية والذاتية لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين، هذه الفكرة التي تحولت عبر ثلاثين عامًا إلى دولة يهودية في فلسطين، جاءت نتائج الحرب العالمية الثانية لتضفي الطابع القانوني لقيام دولة إسرائيل، بقرار التقسيم الشهير الذي اختُلِف على الموقف منه .

لن أتناول موقف النُّظم العربية التي أوجدها الاستعمار المباشر، هذا الاستعمار الذي عمل بشكل واعٍ وتضليليٍّلإقامة الوطن القومي وتطوير الفكرة إلى دولة يهودية، هي نظمٌ بالمضمون مُشارِكة في قيام دولة إسرائيل؛ بغض النظر عن مواقفها المضلِّلة المعلَنة،وإبرز تأكيد على هذا؛ موافقتها على فكرة الإلغاء والإلحاق للشعب الفلسطيني بعد النكبة.

إنّ جدّية عدم موافقتها على قرار التقسيم كانتتفترض عليهاإعطاء الشعب الفلسطيني حقة المشروع في النضال بكل أشكاله، من أجل تحرير الأرض الفلسطينية، لكن المعطيات التاريخية أكدت أن هذه الأنظمة كانت متواطئة مع الاستعمار البريطاني في دعم فكرة إقامة الوطن القومي ودولة إسرائيل، وكل المواقف التي أُطلِقت في حينه كانت لتبرير استمرار وجودها أمام الجماهير العربية، التي كانت مواقفها عفوية ضد الاستعمار وقرار التقسيم .

إنّ موقف الشيوعيين العرب والفلسطينيين من قرار التقسيم كان استجابة لموقف الاتحاد السوفييتي، الذي حكمه موقفه كدولة في إطار المنظومة الدولية، لعبت فيه دورًا أساسيًا الفكرةُ التضليلية للحركة الصهيونية التي ساد تأثيرها في الحركة الإشتراكية الدولية أوروبيًا وبقايا نفوذها في الاتحاد السوفييني .

هذا الموقف الذي كان له أثرٌ على علاقة الشيوعيون بالحركة القومية العربية، التي تصاعدت في الخمسينيات، وكان موقفًا غير مفهومٍ من قبل الجماهير الفلسطينية والعربية .

هذا الموقف الذي بُنِي على أساس خللٍ فكريّ لمفهوم حلّ المسألة اليهودية على أسس المفاهيم الماركسية، وجد أسسه في الخلل الذي اتخذ أساسًا من فكرة الوطن القومي أنها بالجوهر فكرة رجعية رأس مالية، تريد إعطاء طابع قومي للفكرة الدينية اليهودية .

إنّ وضع الحدود وإقامة حدودٍ لنظم سايكس- بيكو كان مدروسًا بدقة، بما يجعلها دائمًا في أزمة بنيوية لا تستطيع أن تعتمد على نفسها منفردة، ووضعت حواجز مستقبلية لإعاقةأية رؤية وحدوية عبر تكريس النزعات الإقليمية والدينية والمذهبية، وفي بعض الدول تركت الباب مفتوحًا للخلافات الحدودية للاستثمار فيها، لتعميق الصراع بين النظم ومجتمعاتها، وأسست نظامًا إقليميًا يجمع بين هذه النظم تحت مسمى الجامعة العربية، كأداةٍ للتعاون بين النظم التابعة وإطارًا يستخدم لفرض هيمنتها.

المصدر : (1)عن ثورة 1936-1939 للكاتب الشهيد غسان كنفاني