Menu
حضارة

خطأ كبير.. المنظمات اليهودية فضحت ولاءها

البرلمان الفرنسي يمنع معاداة الصهيونية: لوبي الاحتلال يفوز.. ماذا بعد؟

القرار الحالي ليس له قوة القانون، لذلك لم يتغير أي شيء من حيث التشريعات في فرنسا

ترجمة خاصة - بوابة الهدف

في مطلع ديسمبر كانون الأول الجاري، اعتمد البرلمان الفرنسي قرارًا يوافق على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة "IHRA" حول مفهوم معاداة السامية.

رغم الإقرار، لم يكن التصويت بالإجماع، وحدثت بعده حالة انزعاج وخلاف كبيرة، لدرجة أن النائب الذي اقترح القرار، واسمه سيلفان مايلارد، كان عليه أن يؤكد في خطابه الرسمي أنه "يستبعد أمثلة IHRA"، وهذا من شأنه أن يقلل إلى حد كبير من تأثير هذا التصويت.

هذه الأزمة، كشفت الخلاف الكبير بين رؤيتين وهما: الدعاية "الإسرائيلية" ومؤيديها في فرنسا التي تحتمي بشعار "الأشكال الحديثة من معاداة السامية"، مقابل التقاليد المناهضة للعنصرية الراسخة والناشطة في عمق الوعي الفرنسي.

(المترجم: معاداة السامية أو معاداة اليهود، مصطلح يمنح لمعاداة اليهودية كمجموعة عرقية وإثنية، وتم استعماله أوّل مرّة لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى أواسط القرن الـ 19، وهناك جدل كبير حوله واختلاف، ليس فقط بين الباحثين والأكاديميين، إنما بين السياسيين أيضًا).

 

سلاح الدعاية الإسرائيلية

يتبع الاحتلال الصهيوني استراتيجية شاملة ضد حقوق الشعب الفلسطيني، ازدادت حدتها على الصعيد الدولي مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما تسبب بتهديد لوجود الشعب الفلسطيني ذاته على أرض الواقع، كما تتضمن هذه السياسية الصهيونية مهاجمة الأصوات التي تدافع عن الحقوق الفلسطينية، وذلك بمحاولة إسكاتها.

ويرتبط فرض تعريف لمعاداة السامية بانتقاد السياسة "الإسرائيلية" ذاتها، هو أيضًا إحدى طرق الانتقاد.

بهذا الشأن، اعتمد تحالف IHRA في عام 2016 تعريفًا يعتبر معاداة السامية "تصورًا معينًا لليهود، والذي يمكن التعبير عنه بالكراهية تجاه اليهود"، وكان المقصود من ذلك "توجيه أو فرض اتجاهات معينة على تحالف IHRA".

ويعتبر منتجو الدعاية الصهيونية أنهم نجحوا في صياغة الخدعة، باعتبار أن إدخال هذه "الأمثلة" يقع في قلب الاستراتيجية "الإسرائيلية"، إذ يُشار إلى استهداف دولة "إسرائيل" ذات الكيان اليهودي على أنه مظهر من مظاهر معاداة السامية، بينما لا يمكن اعتبار انتقاد واستهداف "إسرائيل" لأي دولة أخرى على نحو مماثل بمثابة "معاداة للسامية"، وهنا يبرز السؤال من يستطيع تحديد معنى هذه المقارنة؟

هذا التعريف الضبابي لمعاداة السامية الذي يستهدف الآراء السياسية، ليس مقبولاً من الناحية القانونية، لكنه قد يُصبح سلاحًا معاكسًا، يجعل من التشكيك وانتقاد "إسرائيل" وسياساتها أمرًا ممكنًا.

وصلت آلة الدعاية الصهيونية بالفعل إلى المملكة المتحدة والبرلمان الأوروبي وألمانيا ودول أوروبية أخرى، إلا أنه في فرنسا سيواجه مروجو التعريف المنطق الفرنسي القوي في النضال ضد العنصرية.

(المترجم: يشتمل المصطلح على أحداث تافهة وبسيطة منها: السخرية على اليهود من قبل جماعة بسيطة من النازيين الجدد، وبعض الأحداث الكبيرة مثل سن قوانين ضد اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، والكره تجاه المهاجرين المسلمين، وحتى غرف الغاز التي استعملت للقتل على يد النازية في معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة، وما يجعل المصطلح غير دقيق هو أن هذه ظواهر مختلفة جدًا عن بعضها، وشملها جميعًا تحت ذات التعريف يعتبر خطأ معرفيًا).

 

محاربة العنصرية في فرنسا

تعود جذور المعركة ضد اللا سامية إلى قضية "دريفوس"، وهي موجة من الكراهية ضد اليهود الفرنسيين نهاية القرن 19، تسببت بانخراط شخصيات ذات ضمير كبير في الكفاح ضد العنصرية، إذ عزز تواطؤ النظام الفاشي مع ألمانيا النازية في اضطهاد ومذبحة اليهود الفرنسيين الكفاح ضد معاداة سامية باعتباره عنصرًا أساسيًا في الكفاح ضد العنصرية.

كما أن هذه المعركة لم تنفصل أبدًا عن الكفاح العالمي ضد العنصرية وحقوق الإنسان، وأدى هذا التقليد إلى المُشاركة النشطة من قبل شخصيات فرنسية كبرى مثل رينيه كاسين، في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عقب أهوال الحرب العالمية الثانية والإبادة الجماعية النازية.

كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، تشارك منظمات حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية في مكافحة جميع أشكال العنصرية، ويعاقب قانون الإعلام الفرنسي خطاب الكراهية، ويعاقب القانون الجنائي التمييز، لا سيما التمييز العنصري.

وتجمع اللجنة الاستشارية الوطنية الفرنسية لحقوق الإنسان منظمات حقوق إنسان كبرى وشخصيات معترف بها في فرنسا، وهي مكلفة بموجب القانون بإعداد تقرير سنوي حول مكافحة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب في البلاد.

وفي تقريرها لعام 2018، اتخذت اللجنة موقفًا ضد تعريف تحالف IHRA، قائلة إنه يتعارض مع التقاليد القانونية الفرنسية و"الأمثلة" المتعلقة بـ "إسرائيل" تنحرف عن هدفها المعلن.

على النقيض من ذلك، واصل المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية (CRIF) انجرافه نحو الولاء القوي والمتزايد للسياسة الصهيونية، إذ ذهب إلى حد مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاعتراف ب القدس عاصمة لـ "إسرائيل"، مثلما فعل ترامب وانتهك بذلك القانون الدولي.

 

اللوبي الصهيوني

بعد فترة وجيزة من انتخابه عام 2017، شجب ماكرون معاداة الصهيونية باعتبارها "الشكل المعاد اختراعه لمعاداة السامية"، مما أثار ردود فعل عنيفة بين المثقفين والمؤرخين والجمعيات والمنظمات غير الحكومية الأخرى.

بعد ذلك تم طرح فكرة قانون يحظر معاداة الصهيونية من قبل النواب الذين يدعمون اللوبي المؤيد لـ "إسرائيل"، قبل أن يتم رفضه سريعًا، لكن في الـ 20 من نفس الشهر، وخلال العشاء السنوي لـ CRIF، سوى ماكرون بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وأعلن أن فرنسا سوف تنفذ تعريف IHRA.

وفي فرنسا ذات الاختلافات الفكرية العميقة، شعر العديد من أعضاء البرلمان أنه يتعين عليهم الانخراط عالميًا في الكفاح ضد جميع أشكال العنصرية، دون تفضيل شكل واحد على الآخرين.

في ظل ذلك، كان من الضروري أيضًا كشف المشروع الحقيقي المخفي في تعريف IHRA لمعاداة السامية، بسبب وجود قلق عميق، بما في ذلك بين صفوف الأغلبية الرئاسية، حول مفهوم معاداة الصهيونية الذي يُسيء بشدة لمبادئ حرية التعبير.

ويعكس قرار تبني تعريف IHRA لمعاداة السامية في 3 كانون الأول ديسمبر هذا القلق: إذ أنه من بين 303 أعضاء من مجموعة ماكرون البرلمانية أدلوا بأصواتهم، صوت 84 فقط لصالح القرار، و26 صوتوا ضده، بينما كانت الأحزاب اليسارية معارضة بالإجماع.

 

ماذا يحدث الآن؟

القرار الحالي ليس له قوة القانون، لذلك لم يتغير أي شيء من حيث التشريعات في فرنسا، باعتبار إن معاداة الصهيونية ليست جريمة، كما لا يوجد قانون يحظر مقاطعة المنتجات "الإسرائيلية".

في ظل ذلك، لم يكن جهاز الدعاية الصهيوني مكشوفًا، إذ أنه في اليوم التالي للتصويت على القرار، تفاخرت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" بالعمل المستمر الذي قامت به سفارة الاحتلال لتحقيق هذا المشروع.

إلا أن جهاز الدعاية باختياره القوة وفرض المشروع بدلاً من إعادة مفهوم معاداة السامية إلى قلب الصراع المناهض للعنصرية في فرنسا، ارتكبت المنظمات التي يُفترض أن تدافع عن الجالية اليهودية في البلاد خطأً تاريخيًا، تمثّل بفضح ولاءها لحكومة الاحتلال.

كما أن آلة الدعاية الصهيونية وأذرعها في فرنسا لم تتوقف إلى هنا، بل حاولت استخدام هذا التصويت كأساس لطلب الموافقة على تعريف IHRA من قبل المدن أو الجامعات، كما فعلت في المملكة المتحدة، بهدف مهاجمة الأصوات المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني بأي وسيلة.

رغم ذلك، فإن المعركة ضد القرار والاضطراب الناجم عن مروره القسري سيكون له آثار دائمة، ويظهر هذا بإدراك عدد كبير من أعضاء البرلمان الفرنسي والجهات الفاعلة السياسية أهميّة عدم تدخل "إسرائيل" في الأنظمة الديمقراطية الفرنسية، إذ ستهزم آلة الدعاية وتستمر بعزم ثابت في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.

هذه المادة مترجمة عن مقال لبرتراند هايلبرون، وهو رئيس جمعية فرنسا فلسطين للتضامن (AFPS).