Menu
حضارة

أميركا وإسرائيل تحالف بلا حدود أو مردود

فريد الخازن

بمعزل عن نتائج الحرب السياسية التي يخوضها رئيس حكومة إسرائيل نتنياهو ضد الرئيس اوباما، فإن اتفاق فيينا الذي تبناه مجلس الامن يتجاوز معركة تصفية الحسابات بين اللوبي اليهودي واوباما. والسؤال: هل اسرائيل اكثر حرصا على الامن القومي الاميركي من رئيس اميركا؟ وهل هي حليفة واشنطن أم حليفة مصالحها الذاتية، بل مصالح نتنياهو الذي يتدخل بوقاحة في الشؤون الداخلية للدولة العظمى، وساحة المواجهة مجلسا الكونغرس؟ انها حالة غير مسبوقة في الاتجاهين: غطرسة اسرائيل وتبعية بعض اعضاء الكونغرس الى الدولة التابعة.

بين اميركا واسرائيل علاقات لا مثيل لها في ماضي العلاقات الدولية وحاضرها. اسرائيل هي مثال الدولة التابعة منذ نشوئها في 1948. وخلافا لاوروبا، المانيا تحديدا، لا عقدة ذنب اميركية تجاه اسرائيل أو اليهود وقد احتضنتهم اميركا، شأنهم شأن غيرهم من مهاجري العالم. بَنَت اسرائيل نفوذها في الولايات المتحدة تدريجيا بوسائل سياسية ومالية واعلامية ومن داخل النظام السياسي المتأثر بعمل مجموعات الضغط (اللوبي). قبل اواخر ستينيات القرن الماضي، لم تكن اسرائيل في موقع مؤثر في السياسة الخارجية الاميركية. الرئيس ترومان أيد اعتراف بلاده بدولة اسرائيل في 1948، بينما وزير خارجيته مارشال اتخذ موقفا مغايرا. والرئيس ايزنهاور أجبر اسرائيل وفرنسا وبريطانيا على الانسحاب غير المشروط بعد العدوان الثلاثي على مصر في 1956. كما وصلت العلاقات بين الرئيس كارتر ومناحيم بيغن الى القطيعة الكاملة بعد اتفاقية كمب ديفيد.

الانتصار الاسرائيلي في حرب 1967 كان مفصليا في مسار العلاقات الاميركية - الاسرائيلية. وتم توظيفه لتجديد صورة اسرائيل ودورها في الوسط السياسي والثقافي والاعلامي الاميركي، مع الانتقال من مقولة دعم اميركا لاسرائيل، الديمقراطية الناشئة، لاسباب مبدئية، الى نظرية حاجة اميركا لاسرائيل كحليف استراتيجي. بعد حرب 1967 انطلق اللوبي اليهودي بزخم كبير في حملة «تسويق» اسرائيل، الدولة الحليفة التي يمكن التعويل عليها في المهمات الصعبة. لكن سرعان ما سقط هذا الادعاء في حرب 1973 بعدما اضطرت واشنطن ان تساند اسرائيل بالسلاح والمال لتنقذها من الهزيمة.

في «حرب الاستنزاف»، استولت اسرائيل على اسلحة سوفياتية وسلمتها الى واشنطن. وفي ما عدا ذلك، لم يكن لاسرائيل اي دور فاعل في حماية المصالح الاميركية او في التصدي لموسكو في زمن الحرب الباردة بالمقارنة مع ايران الشاه وتركيا، البَلَدين المجاورين للاتحاد السوفياتي، و السعودية التي كانت اكثر تشددا في مواجهة الشيوعية من الولايات المتحدة نفسها.

ومن تداعيات حرب 1973 تطبيع علاقات واشنطن مع سوريا والعراق، وبعد اتفاقية كمب ديفيد انضمت مصر الى الدول الحليفة لواشنطن. فمع تركيا وايران الشاه ودول الخليج ومصر ودول عربية اخرى، بات لاميركا فائض من الحلفاء في الشرق الاوسط، وذلك قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، بينما اسرائيل لا تقدم ولا تؤخر في المعادلة العسكرية الاقليمية. وفي الحروب التي خاضتها اميركا في المنطقة لم يكن لاسرائيل دور يذكر، ومنها حرب تحرير الكويت ، حيث شكلت اسرائيل عبئا على واشنطن، وكذلك الغزو الاميركي للعراق في 2003. واذا اضفنا الحلف الاطلسي الى المشهد العسكري الاقليمي، ومن اعضائه تركيا واليونان، تبدو اسرائيل فاقدة الاهلية. ولا ننسى قبرص في قلب المتوسط، حيث لبريطانيا قاعدة عسكرية، كما لاميركا قواعد عسكرية في الخليج العربي والعراق وتركيا.

تنال اسرائيل الحصة الاكبر من المساعدات الاميركية العسكرية والاقتصادية. فمجموع المساعدات التي قدمتها واشنطن الى تل ابيب منذ 1948 يفوق 120 مليار دولار، اضافة الى مساعدات غير حكومية معفاة من الضرائب يصعب تقديرها. حوالي نصف موازنة المساعدات العسكرية الاميركية تحتكرها اسرائيل، بمعدل 3 مليارات دولار في السنة، هذا فضلا عن التعاون الوثيق في التصنيع العسكري. بالمقارنة تنال مصر والاردن ودول اقليمية اخرى مساعدات محدودة، بينما دول الخليج تشتري السلاح الاميركي بمبالغ ضخمة تُسدّد نقدا وعدا. وغالبا ما يرافق صفقات الاسلحة هذه حملات اعلامية وضغوط سياسية من اللوبي اليهودي لحمل الكونغرس على اقرار مساعدات اضافية لاسرائيل.

اما في المجال السياسي فالدعم الاميركي لاسرائيل لا تحدّه حدود. ففي مجلس الامن، على سبيل المثال لا الحصر، استعملت واشنطن الفيتو لصالح اسرائيل عشرات المرات، حتى في مسائل مرتبطة بحقوق الانسان التي تتصدر اسرائيل لائحة منتهكيها بين دول العالم. باختصار، لولا الحماية السياسية التي توفرها واشنطن لاسرائيل لكانت تل ابيب في قطيعة مع معظم دول العالم.

وعلى رغم هذا الدعم اللامحدود، لا تتردد اسرائيل في إلحاق الضرر بالولايات المتحدة، اذ باعت الصين الشعبية معدات عسكرية متطورة وأغرقت سفينة حربية اميركية في 1967 وتجسست على البحرية الاميركية بواسطة عميلها بولارد الذي خرج من السجن المؤبد اخيرا بعفو من اوباما.

انه التحالف الاعلى كلفة، سياسيا واقتصاديا ومعنويا، في تاريخ العلاقات بين الدول، مع دولة عظمى هي واقعيا بغنى عن تحالف بلا مردود، أي مع دولة لا دور فعلياً لها في المعادلة الاستراتيجية الاقليمية لخدمة المصالح الاميركية.

المصدر: السفير