Menu
حضارة

سوريا: مبادرات عديدة ونتائج متواضعة

حسين العودات

عد سنوات خمس على اندلاع الانتفاضة السورية وبدء الأزمة بسبب رفض النظام الاستجابة لمطالب المنتفضين، وبعد تردّد وتراخٍ وعدم اتخاذ قرارات صارمة بإنهاء الأزمة من قبل المجتمع الدولي، حيث كانت المبادرات والممارسات في ذلك الوقت تهتم بإطالة مدة الوقت الضائع انتظاراً لحجز حصة في النتائج، ولم تكن الدول ذات النفوذ تتفق على توازن المصالح وتحقيق المطامح في سوريا، ويُلاحظ في الشهرين الأخيرين ازدحام المبادرات الدولية والعربية إضافة إلى مبادرة دي ميستوراً (أي الأمم المتحدة) وكثرت هذه المبادرات حتى خلتَ أن دول العالم مشغولة بحل الأزمة السورية. إلا أنه، حتى الآن، وبرغم كثرة هذه المبادرات، فإن نتائجها متواضعة. ولعلها جميعها في طور التمهيد للوصول إلى مبادرة موحّدة تتفق عليها الدول الكبرى والدول الإقليمية، وعند ذلك تصبح قابلة للتنفيذ برغم العقبات التي تخلقها السلطة السورية وبعض فصائل المعارضة، فالسلطة مازالت تحلم بتحقيق نصر عسكري على قوات المعارضة المسلحة، وتطرح أمام العالم أنها المواجه الرئيس للمنظمات الإرهابية. بينما تصرّ بعض فصائل المعارضة على تنحي الرئيس بشار الأسد قبل بدء أي محادثات لعقد تسوية. ولذلك، فليس سوى اتفاق الدول التي ذكرت قادراً على فرض التسوية التي يتم الاتفاق عليها وإلزام الطرفين المتصارعين بقبولها، ونصل بذلك إلى بداية نهاية المأساة السورية وعذابات الشعب السوري.

بدأت المبادرات المتعدّدة والمزدحمة قبل أسابيع عدة بتلك المبادرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، والتي كانت في الواقع مبادرة خيالية وغير قابلة للتطبيق مطلقاً، لأنها تتجاهل تعقيدات الأزمة السورية. وفحوى مبادرة الرئيس الروسي يتضمن قيام تحالف تركي ـ سعودي ـ سوري (أي مع السلطة السورية) لمواجهة المنظمات الإرهابية. وبعد الانتصار عليها يمكن البحث في الأزمة السورية وإمكانية حلها، كما تمنى الرئيس بوتين على الأمير السعودي استقبال مبعوث سوري للحوار معه وعرض وجهة النظر السعودية. وبالفعل استقبل الأمير محمد بن سلمان في جدة اللواء علي المملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري، وعرض أمامه مبادرة سعودية جديدة تتضمّن انسحاب القوات الإيرانية واللبنانية والأفغانية والعراقية وغيرها من القوات الأجنبية التي تتواجد في سوريا وعودتها إلى بلادها، ثم إجراء انتخابات في سوريا تُشرف عليها الأمم المتحدة. وعند ذلك يمكن إلقاء تبعية التسوية وتفصيلاتها وخريطة طريقها على الشعب السوري (الذي يتولى قلع شوكه بيديه)، ولم يجب المبعوث السوري بأي شيء كما لم يجري حواراً شاملاً مع الأمير.

بعدها بأيام، اجتمع وزير الخارجية الأميركية جون كيري ووزير الخارجية السعودية ووزير الخارجية الروسية في الدوحة لبحث الأزمة السورية، كما تبع ذلك اجتماع ثنائي بين لافروف وكيري في كوالالامبور، ولم تصدر عن الاجتماعين أي معلومات تشير إلى مبادرة جديدة سيتم تبنيها. إلا أن إيران طرحت بدورها تعديلاً لمبادرة سابقة تتضمن أربعة بنود هي: الوقف الفوري لإطلاق النار، تشكيل حكومة، تعديل الدستور السوري بما يضمن حقوق الأقليات، ثم إجراء انتخابات في سوريا، وقد رفضت فصائل المعارضة السورية والدول المتحالفة معها هذه المبادرة لأنها تؤسس للمحاصصة في سوريا، ولأن الانتخابات من دون إشراف جهة محايدة وقادرة يسمح بالتلاعب بها، فضلاً عن أن حكومة الوحدة الوطنية اصطلاح غامض، حيث لم تحدد المبادرة صلاحياتها ووظائفها وأهدافها وعلاقتها بالرئيس السوري ومدى الالتزام بنقل صلاحيات منه إليها. كما لم تحدد المبادرة كيف يمكن فرض وقف إطلاق النار على جميع الأطراف. وقد استدعت الحكومة الإيرانية وزير الخارجية السوري إلى طهران لعرض المبادرة أمامه، من دون أن يصدر عن الاجتماع معلومات مفيدة. وكان دي ميستورا المبعوث الدولي لسوريا قد تقدم لمجلس الأمن بمبادرة تتضمن تشكيل لجان أربع، بحيث تتولى اللجنة الأولى بحث فك الحصار عن المحاصرين السوريين وتأمين المساعدات الغذائية والصحية، أما الثانية فتهتم بوضع الميثاق الوطني وصلاحيات هيئة الحكم، وتبحث اللجنة الثالثة القضايا العسكرية والأمنية والدمج بين القوى المسلحة وإعادة هيكلة الجيش فضلاً عن وقف إطلاق النار، وتضع اللجنة الأخيرة مشروعاً لإعادة إعمار سوريا، على أن يتزامن عمل هذه اللجان جميعها في آن واحد. وبذلك يعتقد دي ميستوراً أنه فوّض هذه اللجان المشكلة من سوريين مهمة وضع الصلاحيات وخريطة الطريق وصولاً إلى تسوية شاملة، أي أنه وضع ملامح حل سوري.

في الأسبوع الماضي، قام وزير الخارجية السعودية بزيارة موسكو لبحث إمكانية توحيد وجهات النظر من أجل حل الأزمة السورية، كما سيزورها خلال هذه الأيام وزير الخارجية الإيراني للأمر نفسه. وهكذا يلاحظ أن المبادرات تتساقط على سوريا وعلى رأس السوريين بغزارة من دون الوصول إلى نتائج ملموسة. والملاحظ في هذه المبادرات عدم وجود رد فعل حقيقي من الدول الأوروبية ومن الإدارة الأميركية. ولعل هذا يضعف المبادرات ويسلبها فعاليتها، إلا إذا كانت تمهيداً لعرض مشروع متكامل على الإدارة الأميركية وعلى الدول الأوروبية لحل الأزمة، منفتح وقابل للنقاش والتغيير والتطوير. ولذلك، أكد المسؤولون الروس أكثر من مرة أن مبادرتهم هذه والمبادرات الأخرى وقرارات مؤتمري موسكو ما هي إلا في إطار مقررات مؤتمري جنيف الأول والثاني وتهيئة لهما. وعلى أي حال، فقد دعت موسكو وفداً من «الائتلاف الوطني السوري» وآخر من لجنة مؤتمر القاهرة لبحث هذه النشاطات والفعاليات الروسية جميعها. ولعل النشاط الروسي تنامى بسبب اعتقاد السياسة الروسية أن إيران بعد الاتفاق النووي لن تبقى منغلقة سياسياً ومنفتحة اقتصادياً، بل ستنفتح سياسياً على الغرب، مما يخلخل تحالفها مع روسيا ويثبت توجهها الغربي. والسبب من جهة ثانية يتمثل باعتقاد السياسة الروسية أن قوة المنظمات الإرهابية تتنامى بسبب استمرار الأزمة السورية، وليس بعيداً أن تقفز هذه المنظمات إلى القوقاز وتحرّض الشعوب الإسلامية هناك على حمل السلاح. وبالتالي وجدت أنه من الضروري إنهاء الأزمة السورية الذي يمهد للانتصار على المنظمات الإرهابية.

على أي حال، من المتعذر استكمال أي مبادرة من دون قبول أميركي وأوروبي إضافة للقبول الروسي والإيراني والسعودي. كما أن النظام السوري سيرفض أي مبادرة واقعياً إلا إذا أجمعت عليها هذه الدول من الحلفاء وغير الحلفاء، وبالتالي سيضطر هذا الإجماع أصحاب الرؤوس الحامية لقبول المبادرة الموحدة.

إن المبادرة التي تتفق عليها دول العالم من أصدقاء سوريا ومن الآخرين، هي الوحيدة القابلة للتنفيذ والقادرة على فرض نفسها على السلطة السياسية وعلى المعارضة، لأن الصراع في الواقع هو أيضاً خارج الحدود السورية وكذلك حل الأزمة. ولم تعد المبادرات الناقصة أو الجزئية أو التي تأتي من طرف واحد أو طرفين قادرة على ذلك. هكذا إذاً، تتعدد المبادرات سواء كانت روسية أم إيرانية أم سعودية أم من الأمم المتحدة (دي ميستورا)، من دون أن تصل إلى هيكلية كاملة قادرة على تأدية المهمات، ومازالت تحتاج لمشاركة أطراف عديدة أخرى بحيث تحقق التوازن في المصالح بين السلطة والمعارضة، وتحقق بعض مطالب المعارضة وخاصة معاقبة مَن ولغت أيديهم بالدماء، كما تحقق أخيراً التوازن بين مــــصالح دول الجوار وآرائها، وكـــذلك الدول الأخـرى الأوروبية وغير الأوروبية التي تؤثّر جدياً في حل الأزمة.

إنها إذاً مبادرات عديدة ومن جهات متعددة متوافقة أو متناقضة لكنها جزئية وتمثل غالباً رأي مقدّمها من دون الأخذ بالاعتبار الآراء الأخرى، وهذا ما جعلها متواضعة النتائج.

المصدر: السفير