Menu
حضارة

اللغة العربية.. ليست مجرد هوية!

هاني حبيب

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة    الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).

"أنا البحر في أحشائه الدر كامن, فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي". هكذا يتساءل الشاعر الكبير حافظ إبراهيم وهو يحاول أن يحذر العرب من فقدان هويتهم المرتبطة بلسانهم وتواصلهم في سياق لغتهم العربية، حافظ غبراهيم وهو يتحدّث باسم اللغة العربية، إنما ينعي لغة في سياق لغة، لغة عربية وأمة عربية، حين يقول في قصيدته هذه: فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني، أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي.

مع هذا المقطع، يبدو أن الحديث المتواتر حول احتمالات أفول وضعف اللغة العربية، ومعها الأمة التي تتخذ منها هويتها، الأمة العربية ليست وليد السنوات أو العقود الأخيرة، إذ أن العديد من الأبحاث تحاول أن تحمل مسؤولية تراجع اللغة العربية إلى العولمة وانتشار الثورة الرقمية والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، بينما في الواقع، إن هذا التراجع قد بدأ ومعه التحذير الذي كانت إحدى علاماته قصيدة حافظ إبراهيم منذ عدّة عقود ماضية.

الأبحاث الأخيرة، تحاول أن تناقش التحديات التي تواجه تطوّر اللغة العربية، ابتداءً من معالجات في إطار المناهج المدرسية، واللغة الإعلامية والتدقيق اللغوي، أو حفظ القرآن الكريم ومراجعة القواميس، ووضع القوانين التي من شأنها الحد من سيطرة اللغات الأخرى، واللهجات المحلية عن عملية التواصل بين أفراد ومجتمعات الأمة العربية، والعديد من الحلول، إلا أننا نعتقد مع وجاهة كل هذه الحلول وغيرها، لا تجيب عن مسألة التحديات التي تواجه تطوير وتعزيز لغتنا العربية، ونرى أن الأمر يعود بدرجة أساسية إلى مدى تطور وسائل الإنتاج في المنطقة العربية، والاسهام المادي والأدبي والاجتماعي في الحياة الإنسانية، والاعتماد على الذات من حيث الانتاج والاستهلاك، وأن نصبح مصدرين ومخترعين ومبدعين في شتى المجالات.

وإذا ما نظرنا من حولنا، وملاحظة اللغات التي باتت مجتمعات الأرض تتواصل بها، أو تحاول امتلاكها، إنما تعود لشعوب وأوطان ودول، لها باع عريض طويل في الإنتاج المادي والمعرفي، فليس صدفة أن تتزعم اللغة الانجليزية لغات العالم، والتي تتحدث بها المملكة المتحدة وأميركا وأستراليا وعدد كبير من الدول الأخرى، وليس صدفة أن العالم يهتم بتملك هذه اللغة من دون أن تسعى اللغة إليه؛ فهي لغة مطلوبة لأنها تشبع حاجة لدى الإنسان في معظم بقاع الأرض، إنها لغة التجارة والاقتصاد، كما هي لغة الفنون والآداب، ولم تعد اللغة مجرد "قوة ناعمة"، بل هي في الواقع قوة استراتيجية تتمثل لها موازين القوى بين الشعوب والدول.

وليس صدفة أيضًا، بعد غزو البضائع التركية والصينية إلى المنطقة العربية، أن تشهد توسعًا متزايدًا في المدارس والمعاهد والجامعات التي تفتح أبوابها لتدريس اللغتين التركية والصينية، ولولا أن هناك حاجة وطلبًا لامتلاك هذه اللغات لما فتحت هذه المعاهد أبوابها لتدريس هذه اللغات، ولا بد من أن نشاهد ونلاحظ أن مع هذه اللغات تأتي الثقافات والعادات الاجتماعية والسلوكيات، لهذا عندما نتحدث عن الإنتاج، فإننا نقصد الإنتاج المادي المتزامن مع طبيعة الحال مع الإنتاج الفكري والثقافي والفني، وكافة مجالات الحياة، إذ لم تعد اللغة مجرد تواصلاً تجاريًا بقدر ما هي تواصلاً حياتيًا، فمع وصول البضائع التركية إلى منطقتنا، وصلت معها مسلسلاتها وأفلامها.

إننا لا نخشى من زوال اللغة العربية بقدر ما نخشى من انحدارها وتراجع استخدامها في الحياة العامة، فاللغة التي لا تستخدم من قبل أهلها تفقد ذاتها وهويتها، مع ذلك يتم الاحتفال بها، وبيوم سنوي خاص بها، قبل أن تودع إلى متحف التاريخ، إذا لم نجيب على تساؤلات تحدي اللغة العربية من خلال الإسهام الفاعل في الإنتاج المادي والثقافي على خريطة العالم الإنسانية!