Menu
حضارة

هدية ترامب لإسرائيل وداعش وأخواتها

حاتم استانبولي

العملية الأمريكية التي استهدفت الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس جاءت من حيث الشكل ردًا على قصف القاعدة في كركوك واقتحام  السفارة الأمريكية في بغداد، ولكن في الجوهر هي أعمق من ذلك.

لا شك أن اغتيال سليماني والمهندس كان من ضمن بنك اهداف الغرفة المشتركة الاستخبارية الأمريكية الإسرائيلية، ولكن تحديد توقيتها  كان خاضعًا لشروطٍ خاصة بحكم ان الموقع الرسمي لسليماني والمهندس مرتبط بموقعهما القانوني الرسمي لدولتين ولهما حضور متعدد الاتجاهات  سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا  تتجاوز حدود إيران والعراق.

من الواضح أن قرار الاغتيال كان هدية رأس السنة لإسرائيل ولداعش واخواتها في المنطقة، للدور الرئيسي الذي قاما به في هزيمة داعش واخواتها، ولدورهما المباشر في حماية الدولة السورية.

كان ممكن أن تقوم أجهزة الاستخبارات الامريكية  بتنفيذ الاغتيال بطريقة تترك ضبابية، ولكن تنفيذه بقرار من الرئيس الأمريكي أرادت منه واشنطن معاقبة إيران على دعوتها كلًا من الصين وروسيا لإقامة مناورات مشتركة على أبواب الخليج العربي وتحت أنظار الاساطيل الامريكية، في رسالة الى انها لن تسمح لايران بان تنسج علاقاتها المتوازية بشكل هادئ ومحكم ان كان مع أصدقائها الدوليين أو القوى الشعبية المقاومة وفصائلها.

الاغتيال وبالطريقة من حيث المكان والزمان تؤكد فيه الولايات المتحدة أنها لا تعير أية أهمية للقانون الدولي أو لسيادة العراق، ولا تعير أي احترامٍ للعراق شعبًا وحكومة، وأن العديد من الشخصيات العراقية وضعت في منطقة لا تستطيع إلا أن تقف ضد هذه الجريمة المعلنة، خاصة أمثال رئيس الوزراء السابق علاوي الذي طالب قبل أيام بأن يتم التعامل مع التحالف والأمريكيين بناء على معايير الإسلام الذي يحترم الضيوف، فما الذي سيقوله بعد الاغتيال.

 أما الرئيس العراقي فهو مُطالبٌ بموقفٍ واضحٍ للرئاسة، التي تحمل أبعاد وحدة العراق وسيادته، وأي تردد في ادانة الاغتيال سيفهم على انه مراهنة على اعطاء افضلية لاقليم كردستان لاستعادة فكرة الانفصال.

قرار الاغتيال هو إعلان حرب واضح ضد ايران ومحور المقاومة، ورسالة لكل من روسيا والصين لكي لا تذهبا بعيدا في تطوير العلاقة العسكرية مع ايران.

الاغتيال من حيث الشكل هو خسارة كبيرة للمقاومة ولكن من حيث البعد الإستراتيجي، سيعطي دفعة قوية للمقاومة عبر حسم الخلاف الداخلي بشان الدور الامريكي وتواجده في العراق وسورية والمنطقة.

الاغتيال وضع القوى العراقية أمام موقف واضح لا لبس فيه، حول الموقف من سيادة العراق وشعبه، بغض النظر عن انتماءاته العرقية او الدينية او المذهبية؛ وان مطلب خروج القوات الامريكية وحلفائها هو مطلب وطني جمعي بامتياز.

السلوك الامريكي في العراق و سوريا والمنطقة يؤكد ان الترامبية هي التعبير الابرز عن جوهر الموقف الامريكي ان كان جمهوريا او ديمقراطيا، والاختلاف بينهما هو من حيث الطرق ووسائله الاستعمارية.

الاغتيال وضع الجميع امام حقيقة ان المنطقة ما زالت تحت هيمنة المستعمر، وان اختلفت اشكاله ان كان احتلالا مباشرا في العراق وبعض اجزاء سوريا او اقتصاديا من خلال منظومة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. 

هذا يفرض على القوى الوطنية التحررية ان تعتبر شعار التحرر الوطني هو سمة المرحلة و مهمة التحرر الوطني تمتد من بغداد الى القدس ، والتي تعبر عن مصالح الجماهير بكل انتماءاتها وقواها الاجتماعية وما تستوجبه من وسائل المواجهة بحسب ظروف المكان.

 الاغتيال اكد ان الدور الامريكي في المنطقة ان كان سياسيا او عسكريا او امنيا او اقتصاديا يتعارض مع المصالح الوطنية التحررية لشعوب المنطقة، وهو احتلال وهيمنة عُبِّر عنها بالإهانات وفرض الخاوات وإعلانه المتكرر أنّ نفط العراق وسورية  واموال ونفط الخليج هي ملك لامريكا، ناهيك عن إعطائه الشرعية للاحتلال الاستعماري للقدس والجولان وفلسطين.

المعركة مع داعش واخواتها كانت معركة في الجوهر معركة مع فكرة الادارة الامريكية التي كانت ترى ان اشاعة الفوضى الخلاقة من خلال استحضار الخلاف المذهبي من اجل تفتيت المنطقة لفتح الطريق واسعا للهيمنة الاستعمارية اسرائيليا وامريكيا.

سليماني الايراني الفلسطيني العراقي السوري حوّل الصراع الذي كان يراد له ان يكون مذهبيا الى صراع تحرري، وضع الدين الاسلامي بجوهره التحرري ضد الهيمنة الاستعمارية، وعلى قوى التحرر ان تستثمر هذا الاستشهاد من اجل تعميق الجوهر الوطني التحرري للصراع مع جبهة الاستعمار والهيمنة الامريكية.

من الواضح ان قرار الاغتيال لن يمر مرور الكرام بل سيترك آثارًا مباشرة واستراتيجية .

الاغتيال وضع حلفاء واشنطن امام استحقاقات لا يمكن ان تتغاضى عنها، وأوضح الجوهر العدواني للسياسة الامريكية .

المواجهة بالضرورة يجب ان تكون شعبية ولا تستطيع امريكا مواجهة الشعوب وخياراتها، هذا ما اكدته الحركة الجماهيرية حول السفارة الامريكية في بغداد مُحاصِرةً مصالح أمريكا شعبيا، هي الطريق الذي سيحاصر النزعات العدوانية الامريكية ويكشف عملاءها.

لا شك ان استشهاد قاسم سليماني وابو مهدي ثمنٌ دفعاه من اجل قضايا التحرر الوطني العربية والفلسطينية من الهيمنة الامريكية الاسرائيلية.

تصريح وزير الخارجية الامريكي بومبيو بأن الاغتيال يكتسب طابعا قانونيا. هذا يفرض سؤالا ملحا: هل بل أبلغت واشنطن رئيس العراق او رئيس وزرائه بالاغتيال كما تقتضيه المعاهدة الامنية، ليكتسب صفته القانونية، حسب تصريح بومبيو؟

لا قانونية للاغتيال الا بموافقة السلطات السيادية العراقية! على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ان يعلنوا موقفهم من قانونية الاغتيال الذي أعلنه بومبيو!

ترمب سيربح آنيًا ولكن الولايات المتحدة الامريكية ستخسر استراتيجيا.