Menu
حضارة

قانون قيصر «الأمريكي»

عبد الحسين شعبان

أخيراً وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «قانون قيصر»؛ القاضي بإنزال عقوبات شديدة بسوريا، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية: إن القانون يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2254) الصادر في 18 ديسمبر/كانون الأول 2015؛ الهادف إلى تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإنهاء النزاع في سوريا، وقد أُدرج هذا القانون كجزء من «قانون الدفاع الوطني للسنة المالية 2020».

وجاء في مشروع القانون «أن الجهود الدولية لم تكن كافية لحماية المدنيين»؛ لكنه فصّل في معاقبة الدول والشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية، بمعنى استهدافه لحلفاء سوريا أيضاً؛ مثل: روسيا وإيران، خصوصاً في قطاع الطيران والنقل والاتصالات والطاقة والصناعة والتجارة والبنك المركزي وغيرها. وهذا يعني «ثني المستثمرين الأجانب من التعامل مع الحكومة السورية» وعدم مكافأة نظامها؛ بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان، فضلاً عن الزعم ب«حماية المدنيين». وبالطبع فهذا يؤدي إلى وضع عقبات جديدة؛ لمنع دمشق من إعادة إعمار ما خلّفته الحرب التي دامت ثماني سنوات، وما تزال مستمرة وهي حرب شاركت فيها جهات دولية وإقليمية متعدّدة، ولأغراض مختلفة ومتعارضة.

ولا بدّ من ملاحظة أن صدور القانون يأتي عقب تمكّن سوريا من طرد «داعش» والقوى الإرهابية التي احتلت نحو ثلث أراضي البلاد، وإلحاق هزيمة بها مثلما حصل في العراق الذي تم تطهير أراضيه من الوجود العسكري ل«داعش»، فضلاً عن أن الفصول الأخيرة من المعارك الدامية الدائرة في الشمال السوري في طريقها إلى الحسم، حتى وإن كانت الصورة معقّدة، خصوصاً وأن خطة ما سمّي ب«الملاذ الآمن» أثارت خلافات واسعة، بين الولايات المتحدة التي وضعت يدها على منابع النفط السورية بالضد من قواعد القانون الدولي، وتركيا الطامعة التاريخية بالمنطقة؛ بحجة مكافحة الإرهاب؛ وتعقّب «حزب العمال الكردستاني»، لاسيّما بعد حدوث تصدعات في العديد من الجبهات، ناهيك عن إعادة الاصطفافات لبعض القوى الكردية التي اقتربت من الحكومة السورية. إن مشروع «قانون قيصر» هو نسخة سورية للطبعة العراقية التي سمّيت «قانون تحرير العراق» عام 1998، والذي استند فيه إلى «منطقة الملاذ الآمن»، بالقرار الذي اتخذته واشنطن ولندن وباريس عام 1991، بالترافق مع تشديد الحصار على العراق والذي امتد 12 عاماً؛ تمهيداً لإطاحة نظامه واحتلال البلاد بالكامل وتركها لفوضى عارمة ما تزال تأثيراتها قائمة ومستمرة حتى الآن، بفرض نظام للمحاصصة الطائفية - الإثنية الذي يقوم على الزبائنية السياسية، وتقاسم المغانم؛ حيث استعر التعصّب ووليده التطرّف، واندلع العنف على نحو لا مثيل له، وهذا الأخير حين أخذ يضرب عشوائياً تحوّل إلى إرهاب منفلت من عقاله، وقد لعب تنظيم «القاعدة» ومن بعده «داعش» مثلما تلعب «جبهة النصرة»؛ «هيئة تحرير فتح الشام» وأخواتها دوراً محورياً في إذكاء نار النزاع الداخلي المدعوم خارجياً من القوى التي لا تريد الخير والود للشعبين العراقي والسوري، مهما كانت مسمّياتها وصفاتها وادعاءاتها.

وإذا كان عنوان «حماية المدنيين» كلاماً حقيقياً فإن ما يقف خلفه باطل، والتجربة خير دليل على ذلك، والمدنيون هم كل السكان، لاسيّما الذين كانوا ضحية النزاع المسلح طبقاً لاتفاقات جنيف لعام 1949 وملحقيها، فقد كانت التنمية والخدمات الصحية والتعليمية والبيئية والبلدية وكل ما يتعلق بحياة الناس هي الضحية، فضلاً عن نصف مليون قتيل وما يزيد عليهم من جرحى ومعوّقين، إضافة إلى نحو 10 ملايين بين نازح ولاجئ، وهؤلاء هم بامتياز ضحايا اندلاع الحرب، واشتداد وطأة النزاع والتدخل الخارجي.

فهذا القانون يبحث في إجراءات لا علاقة لها بحماية المدنيين لاعتبارات إنسانية؛ بل يتناول إجراءات أخرى كما جرى ذكرها، ناهيك عن مسائل تتعلق بحجب الملكية والفوائد المترتبة عليها، ومنع دخول سوريين أو حلفائهم إلى الولايات المتحدة، وإنزال عقوبات جزائية بحق أي شخص أو منظمة غير حكومية.

جدير بالذكر أن اسم «قيصر» هو اسم مستعار وقد يكون وهمياً قيل أنه مصور سوري وثّق جرائم عديدة في سوريا؛ عبر صور هرّبها إلى فرنسا حين كان يعمل في الشرطة العسكرية، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، وأدلى بشهادة أمام الكونجرس عام 2014 وعرض بعض هذه الصور في متحف الهولوكست في واشنطن، ومثل هذه الادعاءات والشهادات تم استخدامها كذريعة لشن الحرب على العراق، فقد وظّفتها واشنطن مع حلفائها؛ بحجة وجود أسلحة دمار شامل فيه وعلاقته بالإرهاب الدولي، وكان ذلك عبارة عن اختراع نسجته مخيلة «صقور الحرب» وهو الأمر الذي انكشف بطريقة أقرب إلى الفضيحة الدولية؛ بعد احتلال العراق باعتراف الرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ناهيك عن خديعة إقامة نظام ديمقراطي.