Menu
حضارة

من إنتاج شبكة نتفليكس

مسلسل فوضى "الإسرائيلي": معاناة الفلسطينيين مادة ترفيهية لجلاديهم

مسلسل فوضى

ترجمة خاصة - بوابة الهدف

يتناول المسلسل التلفزيوني "فوضى" الذي تنتجه شبكة نتفليكس الأميركية قصة وحدة "إسرائيلية سرية"، وهي المستعربين التي تنفذ المهام في الأراضي الفلسطينية المحتلة بينما يتنكر عناصرها في هيئة عربية فلسطينية.

ويعد مسلسل فوضى من بين أكثر المسلسلات الدرامية "الإسرائيلية" نجاحًا على الإطلاق، إذ حصل على العديد من الجوائز، سواء داخل "إسرائيل" أو في الخارج.

الغطرسة الصهيونية

ركّز الموسم الأول والثاني من المسلسل على العمليات السرية للوحدة في الضفة الغربية المحتلة، بينما يتناول الموسم الثالث، الذي بدأ حديثًا، العمليات في غزة، إذ أطلق المنتجون قبل بدء الموسم الحالي، حملة إعلانية كبيرة غمرت شوارع "إسرائيل" بلوحات إعلانية ضخمة.

اقرأ ايضا: "نتفليكس" تستخدم صورًا من حرب غزة ضمن مسلسل "ناركوس"

وفي غطرسة واضحة لا تخلو من السخرية، جاء الإعلان الجديد في صورة يحتلها أحد أبطال المسلسل، ووجهه مغطى بالكدمات، إلى جانب رسالة "مرحبًا بك في غزة"، مكتوبة باللغة الإنجليزية ولكن باستخدام الحروف العبرية.

"مرحبًا بكم في غزة"، مرحبًا بكم في الغيتو الجديد الذي أغلقته "إسرائيل" منذ أكثر من عقد من الزمان، وعاقبت أكثر من مليوني شخص بالموت البطيء، هذا على ما يبدو هو ملعب افتراضي جديد لتلبية احتياجات المشاهدين الصهاينة من الإثارة، ويتم تقديمه باللغة الإنجليزية للتأكيد على الطبيعة الأمريكية لهذا الكيان الترفيهي القمعي.

وقال موقع إخباري عبري يميني عن الموسم الجديد: "عودة مسلسل فوضى وعناصره السريين الذين يقودهم دورون (شخصية في المسلسل يجسدها الممثل ليئور راز) لموسم آخر مثير للإعجاب، بمهمة رئيسية جديدة، وهي تدمير البنية التحتية لحماس في الضفة الغربية التي تعمل من غزة، والقضاء على قائد الجناح العسكري لحماس هناك".

غزة: أسطورة الاحتلال

مهام وتحديات مثيرة، ومهام جريئة جديدة، كما هو الحال في الألعاب الإلكترونية المعقدة، يمكن للمشاهد أن يتكئ ويعدل من جلسته وهو ينظر إلى المشاهد الدرامية التي تجسّد غزة، إذ يصبح الواقع الوحشي لمليوني شخص تحت الحصار مجرد مرحلة تحددها القصة.

في هذا السياق، تصبح غزة بمثابة أفضل عرض ترويجي للمسلسل التلفزيوني بفضل استمرار الحصار، وبسبب الصورة التي صنعها الاحتلال عن غزة، حيث "يعيش هناك أشخاص حقيقيون، لكنهم مرعبين ومخيفين".

إضافة إلى ذلك، شكّل جهل "الإسرائيليين" العاديين الذين يزدادون باستمرار خلف الشاشة المظلمة التي فرضتها "إسرائيل" حول الضفة الغربية وقطاع غزة، والخوف البدائي منهم، العناصر الرئيسية في سر نجاح هذا المسلسل.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو أن متابعة "الجنود الرائعين" في غزة تدفع متابعي مسلسل فوضى إلى القول بكل تناقض مع كل عملية اغتيال أو احتجاز أو كمين متطور يرونه على شاشات التلفزيون: "لقد انسحبنا من غزة، لكن يا له من عمل عظيم نقوم به هناك!".

وتشمل هذه الحالة نوعًا جديدًا من الغرابة للفلسطينيين تحت الاحتلال، بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الجمهور "الإسرائيلي"، إذ لا يقتصر الأمر على الإجراءات التي اتخذت في غزة المحاصرة، ولكن أيضًا أجزاء من المسلسل السابقة المقامة في الضفة الغربية تصف أماكن موحشة في الجبال والظلام، كأن نابلس ورام الله وجنين أصبحت في المسلسل رمزًا للعالم السفلي التي يدخلها "أولادنا بشجاعة ويغادرونها"، وبهذا بدلاً من المدن النابضة بالحياة التي تبعد مسافة قصيرة بالسيارة عن المكان الذي نعيش فيه.

وتقول كاتبة هذا المقال: "أتذكر جيدًا أول مرة زرت فيها صديقًا في جنين، في البداية لم أتمكن من فهم الاتجاهات التي أعطاني إياها، لم يكن من المنطقي أن أذهب بسيارتي وأقودها إليه مباشرة، إلا أنني دهشت لاكتشاف مدى سهولة الوصول هناك بالسيارة".

صناعة الخوف

مسلسل فوضى لا يعتمد فقط على هذا الخوف من المناطق الفلسطينية، بل يعمل على تضخيمه وجعله الصفة السائدة عن الفلسطينيين الذين يتم تصويرهم على أنهم "مخلوقات مخيفة وغريبة تعيش في أماكن لا يجرؤ إلا الكوماندوز الإسرائيلي على المغامرة في دخولها"، وتمكنت بهذا المسلسل الصهيونية من تحويل الفلسطينيين إلى شخصيات غريبة في وطنهم.

إحدى الحجج الرئيسية التي برزت في العديد من مناقشات المسلسل، هي تجسيد الواقع بـ "أجندة إنسانية، وحتى يسارية"، لأنها تصور التعقيد وتُبيّن أن الناس على الجانب الآخر هم "بشر أيضًا".

هذه النقطة تستحق التأمل، حتى نتمكن من النظر في ما تقوله عنا كـ "إسرائيليين"، إذا "كنا بعد سنوات عديدة من حكمنا العنيف لملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم نحتاج إلى أن نتذكر أنهم بشر أيضًا، فإن الفشل الأخلاقي الأعمق في هذه الحجة هو التماثل بوجود بشر على كلا الجانبين".

لكن هناك اختلاف كبير بين الجانبين، في غزة، يتضح من تقرير صادر عن الأمم المتحدة قبل سنوات، أنها ستكون غير صالحة للسكن بحلول عام 2020، وهو بالفعل ما تحقق قبل موعده.

على أحد الجوانب: مكان سُحق لعقود من الزمن من قبل نظام من العنف والفقر والدمار والموت، "نظام يمثله أحد أقوى الجيوش في العالم"؛ بينما على الجانب المقابل يحتفظ الجيش بالسيطرة المطلقة على مصير الآخر، ودون نية للتوقف.

معاناة لا توصف

تم إنشاء مسلسل فوضى من قبل الأشخاص الذين لعبوا دورًا أساسيًا في نظام القمع الصهيوني، ويُمثل هذا المسلسل التلفزيوني ثمرة التعاون، بالتالي فهو غير شرعي بحكم كل الأعراف.

من غير الأخلاقي تحويل معاناة الضحية إلى تسلية للجاني، إنه أمر غير أخلاقي أن نستسلم لإدمان الأدرينالين على حساب أولئك الذين نصوب تجاههم أسلحتنا، غزة ليست مسرحًا لمسلسل درامي، إنها مكان حقيقي يعيش فيه أناس حقيقيون، ومعاناة لا توصف نفرضها نحن "الإسرائيليون" عليهم كل يوم.

نعم، من المهم معرفة ما يجري في قطاع غزة لأنه يعاني تحت الحصار، لكن ليس عن طريق الترفيه، بل يمكننا التعرف على أصوات شباب غزة عبر موقع "نحن لسنا أرقامًا" على سبيل المثال.

من السهل أن تقول "تبًا للسياسة والأخلاق"، أو "لا يوجد خيار سوى الذهاب مع التيار"، لكن هناك دائمًا خيارات، يمكننا على سبيل المثال رفض التعاون في تحويل الضحايا إلى تسلية للمحتلين أو للترفيه العالمي، وهو نفس المجتمع الدولي الذي مكّن الاحتلال من إدامة هذه الانتهاكات لسنوات عديدة.

هذه المادة مترجمة عن مقالٍ للصحافية والناشطة السياسية وعضو في المجلس التنفيذي لمنظمة بتسيلم، أورلي نوي، التي تسكن مدينة القدس .

 

مسلسل فوضى 1.jpg