Menu
حضارة

قراءة في الرد الإيراني

حاتم استانبولي

عندما رفعت الراية الحمراء فوق قبة الحوزة في قم كانت إيذانًا بأن الرد الأيراني الأولي سيكون قبل دفن الجنرال سليماني والمهندس، هذه الثقافة لم ولن يفهمها سيد البيت الأبيض. الرد الإيراني بأبعاده السياسية والعسكرية والاجتماعية كان ردًا سريعًا وحاسمًا.

المتتبع للأحداث المتسارعة بعد جريمة الاغتيال يلاحظ أن القيادة الإيرانية بالتنسيق مع المقاومة أطلقت خطة للمواجهة على صعد ثلاث؛ بدأت بالتحرك السياسي الدولي، حيث أرسلت رسائل لمجلس الأمن توضح موقفها من الجريمة المعلنة التي قام بها الرئيس ترمب بحق شخصية رسمية إيرانية على أرض دولة صديقة أثناء قيامه بمهمة رسمية معلنة، وهذا يعتبر خرق للقانون الدولي من جهة، وإعلان حرب من الدولة التي ارتكبت هذا الفعل، ويحق للدولة التي اُعتدي عليها أن تقوم بالرد بالوسيلة ذاتها، وهنا المقصود الوسائل العسكرية. وبذات الوقت يحق للدولة التي ارتكبت الجريمة على أرضها أن تقوم باتخاذ اجراءات بحق مرتكبي الجريمة.

أما بشان الرد العسكري فقد سبقه رد شعبي في الساحتان العراقية والإيرانية، والمتتبع للملايين التي خرجت تشيع الجنرال والمهندس ورفاقهما؛ إن كان في العراق أو إيران أو حواضن المقاومة والتصريحات التي أطلقت بهذه المناسبة، يلاحظ أن بابًا جديدًا للصراع قد فتح. المدقق في كلمة ودمعات مرشد الثورة خامنئي الذي لخص حجم الألم الذي أحدثه خسارة الجنرال والمهندس يشعر أن كل كلمة أطلقت للثأر ستنفذ، ناهيك عن المواقف التي أطلقت من السيد حسن نصرالله باتجاه الوجود الأمريكي في المنطقة.

أهمية الرد العسكري الإيراني أنه أول استهداف معلن من قبل دولة ضد البنية العسكرية الأمريكية جاءت بعد الحرب الفيتنامية التي خرجت منها أمريكا وحليفتها فرنسا مهزومتان سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا. الرد الإيراني الواضح والسريع والشجاع سينعكس بالتأكيد على حلفاء واشنطن بالمنطقة، الذين كانوا ما قبل الجريمة يحرضون ترمب ليل نهار ويطلبون منه أفعالاً مقابل المليارات التي فرضها عليهم مقابل الحماية.

بعد الجريمة الملاحظ أن قادة هذه الدول وفي مقدمتها تل أبيب بعد احتفالها بالاغتيال أول يومين، عادت وغيّرت من لهجتها بعد أن راقبت الحشود المليونية التي خرجت في شوارع العراق وإيران، هذه الحشود التي وحدها الدم المشترك للجنرال والمهندس، وأصبح واجب الانتقام والثأر مشترك، وهنا يلاحظ الجميع أن قادة هذه الدول أطلقت لهجة غير معهودة وأوعزت لوزرائها أن يبقوا في جحورهم، خاصة هؤلاء الذين كانوا يحرضون على إيران منذ سنوات (مثل الجبير).

أما "إسرائيل" التي حرضت على مدار عشرات السنين على إيران وشعبها، فهي شعرت أنها ستكون أول من سيدفع الثمن الباهظ. واشنطن وتل أبيب والرياض والدوحة وأبو ظبي و البحرين وعُمان؛ وصلتهم رسالة الحشود المليونية التي أعادت تشريع مواقف القيادة الإيرانية والتي أطلقت شعار مرحلتها الجديد بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة العربية وأفغانستان، هذه المهمة التي تحمل جوهر تحرري من الاستعمار الأمريكي الذي يأخذ شكلي المباشر وغير المباشر عبر مؤسساته المالية والاقتصادي. هذا الشعار الذي سيجد دعمًا خفيًا من خصوم واشنطن الدوليين؛ وتصريح السفير الصيني في بغداد على أنهم مستعدين لتنفيذ الاتفاقية الاقتصادية وموقفهم المعلن بإدانة الاغتيال، لهو دليل على أن معركة إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة، سيكون له مصفقين من وراء الستارة.

الجميع يدرك أن إنهاء الوجود الأمريكي لن يكون سهلاً، وهي معركة متشعبة ومتداخلة وصعبة، ولكن أخذ القرار وإعلانه يعبر عن شجاعة وله أهمية لمحور وقادة لهم مصداقية أكدتها التجارب التاريخية، وخاصة أن أول من يعترف بهذه المصداقية هم أعدائها.

الرد الإيراني السريع والشجاع وضع الولايات المتحدة أمام خيارين صعبين؛ الأول إذا سكتت عن الضربة الواضحة والمعلنة من قبل إيران كدولة سيفقدها دورها القيادي الاستعماري والحامي لحظيرته وسيدفع الدول الإقليمية التي تتخذ من واشنطن حليفًا وحاميًا إلى إعادة التفكير، وهذا سيسهم في إخراجهم أو بالحد الأدنى التفكير بخيارات أخرى، وإذا ردت فإن المعركة ستكون لها انعكاسات وجودية على بعض الأنظمة والدول وستطال الأزمات الاقتصادية التي ستنجم عنها دول مثل؛ أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية نتيجة وقف تدفقات النفط الخليجي. وهذا الخيار الأرجح، كون إيران ليس لديها ما تخسره والمعركة المفتوحة رغم آلامها، لكنها ستؤدي إلى نتائج أفضل من الموت السريري الذي استخدم مع العراق ونظام صدام.

"إسرائيل" في كل الأحوال ستكون الخاسر الأكبر في كلا الحالتين و سوريا ستخرج من أزمتها أقوى وأسرع، وفي هذا السياق، فإن زيارة الرئيس بوتين إلى دمشق وتسكعه في شوارعها وحاراتها القديمة، هي رسالة للبيت الأبيض أنكم ستخرجون ونحن عائدون إلى شوارع وجادات دمشق وبغداد وبيروت.

جريمة الاغتيال المعلنة والواضحة التي أعلن عنها ترمب؛ تؤكد حقيقة أن المشروع الأمريكي الإسرائيلي الخليجي باستخدام البعد المذهبي لتمزيق المجتمعات العربية وحواضنها وتداخل مذاهبها وطوائفها وقومياتها سقط، وأن مهمة واشنطن تغيرت وأصبحت هي الواجهة للصراع مع مجتمعات المنطقة بكل أطيافها. هذا الدور الجديد هو إعلان عن انتهاء دور داعش وأخواتها، وستكون معارك الشمال السوري وادلب تحديدًا، هي آخر المعارك ضد أدوات واشنطن وإسرائيل، هذه الأدوات التي انتهى دورها بعد أن دخلت واشنطن مباشرة على ساحة الصراع. التناقض اصبح أكثر وضوحًا بين قوى التحرر الوطني بتداخله الإيراني العربي وبين قوى الاستعمار الأمريكي والاحلالي الإسرائيلي وحلفائهم.