Menu
حضارة

عن التدخل التركي في ليبيا: ننحاز لشعب عمر المختار

خاص بوابة الهدف

لن ينتهي الجدل حول التدخلات المختلفة في البلدان العربية، فهذا هو التعبير الأكثر وضوحًا عن فقدان الاستقلال، فالهيمنة الاستعمارية لا تفقدك استقلالَك وحسب، بل تمزق كل عوامل حصانتك وتتيح استباحتك أمام كل المشاريع الأخرى.

بحثًا عن نقاش موقفنا كعرب من التدخلات في بلداننا، نعود إلى قاعدة أساسية وهي حول طبيعة هذا التدخل ودوافعه، وهل يتلاقى مع مصالح الشعوب أم أنه يأتي لحساب المستعمر كتعبيرٍ عن استكمالٍ لدوره، أو محاولة لكسب دور وسيطٍ في حلقة الهيمنة الاستعمارية على بلداننا.

التدخل التركي في ليبيا ، موضعٌ للمحاكمةِ في هذا النص، فإذا كانت تركيا كما إيران أو إثيوبيا هي بلدان في هذه المنطقة، وشعوبها جزء من النسيج الحي وفسيفساء الشعوب في محيط وطننا العربي، فإن النظم الحاكمة في هذه البلدان وسياساتها في منطقتنا هي المحور الأساسي الذي يجب أن يشكل حكمنا على أيّ دورٍ لها في المنطقة، ارتباطًا بدور هذه المحدّدات في إنتاج طبيعة التدخلات والسياسات.

فلا يتفق أن نساوي بين الجهود والمحاولات لمقاومة السيطرة الاستعمارية، وبين الاستعداد للعب أدوار وظيفية في سياقاتها، أو محاولة استثمار هيمنتها لتحقيق مكتسبات انتهازية تقوم على تأبيد استغلال الشعوب وتأبيد الهيمنة الاستعمارية والاستفادة منها، وفي هذا لا يمكن إخراج الدور الرسمي التركي من هذا السياق، هذا ما أكدته التجربة السورية، وتأتي التجربة الليبية لتأكيده.

بعيداً عن قراءة مواقف أطرافٍ عديدة وانحيازها لأيٍّ من طرفي القتال في ليبيا، ثم رؤيتها أن كليهما يحمل تمامًا تطلعات انتهازية ضيقة، لا تراعي مصلحة الشعب الليبي في شيء، وتتعاون مع أطراف في المركز الإمبريالي صراعًا على الاستئثار بنهب الموارد الليبية، وحرمان الشعب الليبي من حقه في التنمية والاستثمار والتوزيع العادل لموارده، فإن انحيازَنا الواجب كعرب مؤمنين بهويتنا وحقنا في الاستقلال والازدهار هو وقفُ الاقتتال الداخلي، ومع حفظ الاستقلال العربي والتخلص من كل أشكال الهيمنة والنفوذ الاستعماري، وإعطاء الفرصة لعلاقات التعاون والتكامل بين شعوب المنطقة، بعيدًا كل البعد عن سياسات الحكومات والنظم الرجعية المتحالفة مع المنظومة الغربية الإمبريالية.

ليبيا ليست بئرًا للنفط، وليست حدودًا وحيزًا بحريًا للتقاسم بين المنتفعين والنظم الانتهازية، بل شعبًا حرًا وحيًّا، يستحق منا الوفاء واحترام سيادته واستقلاله وتطلعاته للانتفاع من موارده، واستثمار هذه الموارد لما فيه خير الشعب الليبي ومستقبل أجياله القادمة، فهل يتّفق التدخل العسكري التركي الليبي مع هذه التطلعات الخيّرة!؟

الإجابة التي يفترضها هذا النص؛ أن التدخل العسكري التركي في ليبيا يأتي استمرارًا للعبةِ المحاور في المنطقة، وفي خدمة المصالح الاستعمارية، والجهود الساعية لاستمرار النهب والهيمنة للثروات الليبية؛ تدخّلٌ يُصرّ على تجاهل وجود الشعب الليبي وحقوقه، ويستثمر في أدوات إدامة الصراع والشرذمة بين المكونات الليبية، وهذا ما تدعمه الشواهد المختلفة حول حقيقة هذا التدخل.

ليبيا تحتاج اليوم حقًا إلى المساعدة، ولكن ليس بإرسال الدبابات والطائرات المُسيّرة لحكومة السراج، أو بمحاولة اختلاس نفطها، أو حتى بمساعدة الجنرال خليفة حفتر المدعوم من قبل عديدٍ من الدول التي لها مصالح استعمارية في ليبيا.

نحن جميعًا بحاجة إلى إخواننا الليبيين، ولليبيا حرة مستقلة سيدّةً على مواردها، ولهذا علينا التزامٌ تجاه أنفسنا بضرورة توفير كل الدعم الممكن على مستوى الموقف والممارسة، لإنهاء الصراع الدامي في ليبيا، واستعادة وحدة الشعب والبلاد، والسيادة الوطنية، والسيطرة على الموارد والثروات، وما دون ذلك فما هو إلا عدوانٌ ينضمّ إلى عدوانِ المستعمر، أو صمتٌ قاتلٌ سيذبحنا جميعا بسكّينه، بقدر ما يذبح ليبيا وشعبَها، فلا يستحق شعب عمر المختار منّا إلا الوفاء، والجهد الصادق لتمكين قواه الوطنية في استعادة دورها وحضورها على حساب كل العصابات الانتهازية التي تتصارع على ذبح البلاد وأهلها.