Menu
حضارة

اليسار المصرى.. جانٍ أم مجنى عليه؟

مصطفى السعيد

لم يتعرض فصيل سياسى سلمى إلى محرقة بقدر ما تعرض اليسار المصري، خاصة عقب مظاهرات الخبز فى 18 و19 يناير 1977 عندما خرج ملايين المصريين فى مظاهرات مليونية، امتدت من أسوان إلى إسكندرية، احتجاجا على رفع أسعار السلع الأساسية، والتى شملت الخبز والأرز واللحوم وغيرها، وهزت المظاهرات عرش الرئيس الأسبق أنور السادات، الذى لم يترك خطابا إلا وأسماها اانتفاضة الحرامية«، واتهم اليسار بأنه من دبرها، استنادا إلى أن اليسار كان القوة المعارضة الرئيسية فى مصر، بفصيليه الناصرى والشيوعي.

صدمة السادات من مظاهرات طالبت بسقوطه، جعلته يرتب محرقة لليسار، ولم يكتف باعتقال أعداد كبيرة من رموز التيار الاشتراكي، إنما دبر لسحق معاقلهم فى الجامعات والمناطق العمالية، وبدأ مخطط إطلاق جماعة الإخوان والسلفيين، وتوفير كل الدعم لهم، ليستخدموا كل أساليب الإرهاب البدنى واللفظى ضد أى نشاط لليسار، الذى بدا محاصرا بين مطرقة أجهزة الأمن وسندان الجماعات التكفيرية.

كانت انتفاضة يناير 1977 فاصلة فى تاريخ مصر، فقد خرج الإخوان والسلفيون تحت حماية أجهزة الأمن لاجتثاث اليسار، ووظفوا المساجد فى الهجمة على من قالوا عنهم «الاشتراكيين الملحدين»، واستفادوا من دعم الدولة فى توسيع نطاق زحفهم، وأصبح الحجاب فى غضون سنوات قليلة رمزا لهيمنة الفكر السلفى والإخواني، فى وقت بدأت فيه بشائر الحقبة النفطية، التى استغلت فيه بعض فوائضها فى نشر الفكر السلفي، لتندمج الموجة النفطية مع حملة السادات الثأرية من يسار أزعجه طويلا منذ بداية حكمه، وكان إصدار لائحة طلابية تحرم العمل السياسى فى الجامعات عام 1979، وتحولها إلى ثكنة أمنية للحرس الجامعى من أكثر الضربات تأثيرا فى تمكين الإخوان والسلفيين من السيطرة على الجامعات، المفرخة الرئيسية للعمل السياسي، لتنطفيء أهم مشاعل الحركة الوطنية، ليحتل المسجد مكان الجامعة فى تشكيل الوعى السياسى للأجيال الجديدة، لتغوص مصر فى بحر الظلمات.

لم يكن اليسار المصرى مجرد تنظيمات تسعى لتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتكون باتجاه إنشاء اقتصاد وطنى مستقل، قائم على توسيع وتطوير الصناعة الوطنية، وانما كان لليسار تأثيره الثقافى الأوسع، حتى أنه كان من الصعب ألا تجد مبدعا أو فنانا ليس متعاطفا مع أفكار اليسار. كان اعتماد السادات على الإخوان والسلفيين ناجما عن عدم وجود قوى سياسية له على الأرض، وفعل مثلما تفعل أمريكا و تركيا الآن من الاعتماد على «داعش» فى حربها على دول المنطقة، فلم يكتف «دواعش» السادات بملاحقة اليسار فقط، وانما كانوا يجرفون كل شىء، وفى مقدمتهم المسيحيون وأى فكر ليبرالى وحتى الحريات الشخصية، ليغيروا من وجه مصر.

أسهمت أخطاء اليسار فى سرعة انهياره وتقزمه، فأمراض النشأة المشوهة على أيدى مثقفين معظمهم من الأجانب، قد تركت بصمتها عليه طويلا، فكانت مجموعات اليسار أشبه بجيتوهات من المثقفين المعزولين، انصب اهتمامها على قراءة ودراسة الثورات والحركات السياسية فى أوروبا، فكانت تعرف عن هذه البلدان أكثر مما تعرف عن مصر، ولم تبذل جهدا حقيقيا فى قراءة الواقع الاقتصادى والاجتماعى والفكرى لمصر، فاليسارى كان يعرف عن طبقة الملاك الزراعيين فى روسيا «الكولاك» أكثر مما يعرف عن إقطاع الباشوات فى مصر، ويعرف أعداد ونشاط الطبقة العاملة الروسية أكثر مما يعرف عن عمال شبرا وحلوان.

وكان لنشأة اليسار فى أوساط المثقفين والطلاب أثر كبير فى انتشار أمراض العمل الفردى والمنافسة، بدلا عن العمل الجماعي، الذى يميز الطبقات الدنيا والنشأة فى ظل تحركات اجتماعية واسعة، تتوزع فيها الأدوار وتتكامل.

كما اتسمت حركة اليسار بالميل إلى الوصول السريع إلى ذروة العمل السياسي، فيسعون إلى تنظيم المظاهرات وحركات الاحتجاج، دون اهتمام حقيقى بالتربية الفكرية والمعرفية، ونقلها إلى الطبقات الشعبية الدنيا، صاحبة المصلحة فى التغيير، حيث يمكن بقليل من الجهد تنظيم مظاهرة طلابية تضم عشرات الآلاف، ينددون فيها بسياسة التنظيم، ليشعروا أنهم قاموا بعمل ثورى فعال، بينما تثقيف عامل أو فلاح أو موظف صغير يحتاج جهدا كبيرا، يأنف منه معظم المثقفين اليساريين، وهو ما نجده مستمرا حتى الآن، حيث يرفع بعض مدعى اليسار شعارات ثورية عن إسقاط النظام، بينما لا يوجد لديهم لا برنامج ولا حزب ولا حتى عدد محدود من الكوادر الواعية التى تجد حاضنة شعبية مقتنعة بأفكارها.

إن حالة اليسار المصرى المفكك والمهمش والمتمزق بين الليبرالية الجديدة التى اخترقت جسده الواهى عن طريق التمويل الأجنبى والتأثير الفكرى لآراء منحرفة نتجت عن تردى اليسار الأوروبى عقب انهيار التجربة السوفيتية، وكذلك آخرون تعلقوا بحشود جماعات الإخوان والسلفيين، نتيجة عزلتهم الحادة، والتى تحول دون حلمهم فى أن يصبحوا قيادات لها تأثيرها الجماهيرى.

خسرت مصر الكثير من حالة الانهيار والتفكك التى يعانى منها اليسار، الذى كان دوما فصيلا وطنيا مدافعا عن قضايا الاستقلال، وإقامة اقتصاد مبنى على القدرات الذاتية، وحاملا لمشاعل التنوير، ويتصدى لفئة رجال أعمال لا يشغلهم إلا تكديس الثروات، دون أدنى اهتمام ببناء دولة حديثة ومنتجة وقوية، توفر حتى الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

المصدر: الأهرام