Menu
حضارة

في النّقب.. خيمةٌ تُقاوِم

بيسان الشرافي

النقب يواجه اليوم أخطر مشاريع الاستيطان والتطهير العرقي، إذ يسعى الكيان لتهجير 36 ألفًا من سكان القرى مسلوبة الاعتراف

غزة - خاص بوابة الهدف

يُجَنّ جُنونُ "إسرائيل"، ويطيرُ عقلُها أمام فلسطينيٌّ يسكنُ خيمةً في صحراء النقب؛ كيف يرفض الأموال الباهظة؟ كيف لا يقبل بدونمٍ يبعد عشرة كيلومتراتٍ فحسب عن "خيمةٍ بالية" يعتبرها منزلَه!؟ مجانينُ هؤلاء!؟ وبمَ يهذُون؛ "تاريخنا"، "هويّتنا"، صمود!؟

أمّا إن كنتَ فلسطينيًا، فستفهم-حتمًا- ما يبدو لهم "هذيانًا"، وستعقِل ما يعتقدونه "جنونًا"، والكلام الذي يقفون أمامه فاتحي أفواهَهم إنّه أقلّ ما يُمكن لفلسطينيّ فِعله في مُواجهة دولة الاحتلال والقتل والترهيب.

يقول عليّان الصانع (75 عامًا): صامدون في أرضِنا مُتمسّكون بها؛ كلّما هجّرونا ومهما نفونا نعودُ ونُعمّر ونزداد تشبّثًا بها.

ويُضيف لـ"الهدف": لم تتوقّف النّكبة في النّقب، هُجرنا عشرات المرّات على مدى السنين الماضية، ومن قبل 1948؛ منذ أن حلّت لعنة الاحتلال على فلسطين، يعمل الكيان بكلّ عدّته وعتاده لانتشالنا من قرانا ومُدننا، ليُقيم فيها مُدنًا وأحياءَ يُسكِن فيها مستوطنيه.

أوّل النّكبة

كانت بداية المأساة لعائلة الصّانع حين هُجّرت قبل نحو 72 عامًا من قرية الشريعة- غربي بئر السبع- والتي تبعد 15 كم تقريبًا من شاطئ المتوسط. وكغيرها من العائلات بالنقب، تشتّت جمُعها، فمنهم من لجأ إلى قرى مجاورة داخل النقب، ومنهم من غادره إلى خيامِ اللّجوء في قطاع غزة. يقول عليّان، وكُنيته أبو جبران، هاجرت عائلي إلى اللّقيّة- في الشمال الشرقي- وروى للهدف عمّا مرّت به العائلة من ضنكِ التهجير القسريّ ومرارةِ النفيِ مرةً بعد مرةٍ.

قال "جمّعوا الفلسطينيين الذين بقوا في الأراضي المحتلة بالعام 1948، في منطقةٍ اتّخذت شكلَ المثلث، سمّوها (السياج) نسبةً للسياج الأمني الذي أقاموه حولها، وامتدّت من قريتيْ شقيب واللّقية غربًا إلى كسيفة ثمّ عرعرة النقب في الشرق، وأقصى المثلث عند قرية قصر السرّ جنوبًا.

كان تعداد بدو جنوب فلسطين قبل عام النكبة يتجاوز 66 ألف نسمةٍ. لم يبقَ منهم في النقب بعد موجات الطرد والتهجير التي مارستها العصابات الصهيونية في 1948 سوى 11 ألفًا، حصرتهم "إسرائيل" إبان الحكم العسكري (1948-1966) في منطقة "السياج".

يُكمل أبو جبران "بقينا من العام 1948 وحتى العام 1966 تحت وطأة الحكم العسكري. وخلال هذه السنوات ظلّ المحتلُّ يقضم الأراضي ويُوسّع رُقعة سيطرته".

كيانُ الاحتلال سنّ لأجل هذا كلَّ قانونٍ ممكنٍ، بحججٍ فارغة وذرائعَ لا يحكمُها أيُّ منطقٍ، لغاية واحدة وهي ابتلاعُ أكبر مساحةٍ ممكنة من الأرض الفلسطينية. أبرز تلك القوانين: "أملاك الغائبين" 1950، وقانون "امتلاك أراضٍ" 1953، ومن بعدهما قانون "امتلاك الأرض بعد فلاحتها" الذي عُدِّل أكثر من مرة حتى أُلغيَ كُلّيًا بعد "قانون أساس: أراضي إسرائيل لسنة 1960".

من شُرِّد من أرضه صُودِرَت على الفور، ومن ظلّ صامدًا فيها كانت الحُجج والقوانين جاهزة لنفيِه منها وفقَ رغبات المُحتلّ، الذي كان يُعلن عن حاجته للأرض، لغايات "التطوير، الأمن، الاستيطان"، فتُصبح ملكَه ولن يكون بمقدور صاحبها الاعتراض. أشكيك لمين وأبوك القاضي!

يقول عليّان الصانع "مرّت خمسُ سنواتٍ علينا في اللّقية، هُجّرنا بعدها قسرًا عام 1953 إلى خربة الرّهوة- داخل الضفّة- وتبعد 10 كم إلى الشمال الشرقي من اللقيّة، وصِرنا تحت الحكم الأردني، مكثنا 40 يومًا، قبل أنّ ننجح باستصدار قرارٍ من قضاء الاحتلال يُعيدنا إلى دِيارنا. صدرَ القرارُ وخرج الأهالي من الرّهوة، مُتأمّلين بالعودة، إن لم تكُن إلى تل الشريعة فإلى اللّقية على الأقل!".

الكابوس الثاني

يُتابع الصانع "كان الحاكم العسكري الإسرائيلي يُنكّل بالأهالي، دون رقيبٍ أو حسيب؛ فما أن خرجنا من الرّهوة، حتى قرّر نفيَنا إلى تلّ عْراد، ولم نُعد إلى اللقيّة، ولا تل الشريعة!".

الحُكم العسكري الذي فُرض على أهل النقب، كان أوّل النار التي أحرقت ديارَهم، إذ يُعتبر المرحلة الأولى في عملية استيلاء "إسرائيل" على أكثرية أراضي عرب النقب وتشريد أصحابها، فضلًا عن تكثيف الاستيطان فيها.

أمّا قرية تلّ عْراد، فتمتدّ على مساحة نحو 50 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من مدينة بئر السبع، وتبعد 30 كيلومترًا إلى الغرب من البحر الميت، وهي القرية الأصلية لعرب الجهالين الذي هجّرهم الاحتلال أكثر من مرّة، ويقطنون حاليًا في تجمّعاتٍ جنوب شرقي القدس المحتلة.

يُعرف عن تلك الأرض صحراويتُها وعدم صلاحيّتها للسكن، لهذا انتقاها الاحتلال كي تكون "المنفى" للمُهجّرين من اللّقية وغيرهم، في محاولة لدفعهم إلى اليأس وترك النّقب، إلّا أنّهم صمدوا في تل عْراد؛ أقاموا سدودًا في الأودية وزرعوا الخضار والفاكهة، وكان لديهم درجة عالية من الاكتفاء الذاتي، سيّما وأن الوصول إلى مدينة بئر السبع كان مشروطًا باستصدار تصريحٍ من سلطات الاحتلال.

في المنفى الجديد- تل عْراد- صمَد الأهالي 25 عامًا، كما بيّن عليّان الصانع؛ قاوموا الجفاف وقلّة المطر. كان اعتمادهم بصورة أساسيّة على العمل في فلاحة الأرض وزراعتها؛ فكانوا يُجهّزون الوِديان لتُمسكَ المياه، ثمّ يحرثون الأرض ويزرعونها؛ وفي المواسم التي كانت تشهد مطرًا وفيرًا كانت الأرض تُنتج محصولًا جيّدًا. فأكلوا ممّا زرعته وحصدته أيديهم من مشمشٍ وعنب وتين وبطيخ وفقّوس وبامية وشعير وغيره.

وأيُّ صمودٍ

يقول الصانع "غفِل الحاكم العسكري الصهيوني أنّنا فلسطينيّون أولًا، فلا حدّ لحبّنا وانتمائنا لهذي الأرض، ثمّ أنّنا من أهل الساحل- تل الشريعة- ذوي الخبرة الواسعة في طرائق فِلاحة الأرض وزراعتها، وعليه خاب سعي الغازي المُحتلّ، وصمد الأهالي ربع قرنٍ في تل عْراد".

بنهاية ستينيّات القرن الماضي ومطلع السبعينيّات، بدأت المرحلة الثانية من "مشروع توطين البدو" الذي يستهدف حصر أكبر عددٍ من بدو النقب على أقل مساحة جغرافية ممكنة فيه، بالتوازي مع طمس هويّة سكّانه الأصليين- العرب الفلسطينيين-.

"سعوا لسرقة أرضنا من تحت أقدامنا، بتجميعنا في قرى بديلة ثم مساومتنا على الأرض!، لكنّنا لم نقبَل بهذا قطّ". والحديثُ لعليّان الصانع.

سياسةُ التهجير المركزية لإسرائيل كانت ولا تزال الاستيلاءُ على الأرض وطرد أهلها منها بالقوّة، بموجب ما اخترعته من قوانين، لكن رفض أهل النقب مشاريع الترحيل والتوطين شكّل عقبةً أمام الكيان، استدعاه لابتكار سياسات جديدة للتهجير ومُصادرة الأراضي، منها اختراع "المحميات الطبيعية"، منتصف السبعينيّات- وتأسيس دوريات شبه عسكرية، لاحق وأرهبَ بها بدو النقب.

يُوضّح هُنا عليان الصانع بالقول "بذريعة وقوع أراضٍ ضمن محميّات طبيعية صادر الاحتلال مساحاتٍ واسعة وماشيةً من الأهالي، وضرَبَ بهذا مقوّمات الاقتصاد البدوي التقليدي، وضيّق الخناق على البدو حتى يرحَلوا إلى مشاريع التوطين".

كذلك اعتمدت إسرائيل سياسة الخديعة والإغراءات، للتهجير وسرقة الأرض في النقب. فحين كان البدو لا يملكون أيّة مقوّماتٍ للبنية التحتية أنشأ الكيانُ 7 نقاطٍ بهدف التوطين القسري، وبنَى فيها بيوتًا وأحياءَ وزركشَها بالكهرباء وبعض الخدمات، وأسكنَ فيها عائلاتٍ من البدو لا تملك أرضًا أصلًا، وراح يُروّج لهذه المناطق، وشغّل "سماسرة" وعُملاء محليين لإقناع الأهالي بالسكن في هذه الأحياء "وإلا سيُهجّرون من النقب كلّه".

ونقاط التوطين هذه كانت في قرى: تل السبع، راهط، عرعرة النقب، كسيفة، شقيب السلام، حورة، اللّقِيّة.

الكيانُ أراد أن تكون نقاط التوطين هذه جحورًا يدفنُ فيها عرب النقب، بالتزامن مع إصدار قرار الإعدام بحق 45 من القرى والمضارب-35 في بعض المصادر- مُقامة منذ مئات السنين، وقبل نشأة الكيان، ويُصبح اسمها "القرى غير المعترف بها"- ويقطنها أكثر من 86 ألف نسمةٍ- تعداد 2017-.

لتُعاني أو ترحَل..

عليّان الصانع، ابن تلّ الشريعة المُهجَّرة، تابع يروي للهدف "عرضوا علينا العودة إلى اللّقِيّة والسّكَن في القرية التي باتت تحظى باعترافٍ حكوميّ (إسرائيليّ)؛ وافق الأهالي على العودة، أملًا في أن تُقرّبهم من العودة الكبرى".

"عُدنا إلى أرضنا في اللّقية في العام 1975، لكن لا سلطةَ لنا عليها. وكانت سلطة الأراضي (الإسرائيلية) تُنكّل بالسكان وتسرق محاصيلهم أو تُساومهم عليها، وتشترط على بعضهم استئجار الأرض". يقول عليّان الصانع "بقينا 6 سنواتٍ نجلب المياه من مسافات بعيدة، ثمّ قررنا إنشاء خطٍّ للمياه مع المُجازَفة بإمكانيّة تدميره من الاحتلال في أيّة لحظة".

وهكذا كان حالُ الناسِ وأحوالهم؛ المشرب والمأكل والمسكن والصحّة والتعليم، والتثقيف والتمسّك بالهوّية وتعزيز الوعي بالقضيّة الوطنيّة، كلّها ميادينُ يُناضل فيها أهلُ النّقب كلّ يومٍ، في خضمّ نضالِهم المستمرّ للصمود والبقاء في أرضهم، كما قال الصانع.

عقد السبعينيّات المشؤوم انتهي باتفاقية "السلام" بين مصر وإسرائيل، المُسمّاة "كامب ديفيد"، وبهذا جلَدَ رؤوس أهل النقب بنكبةٍ جديدة، وهي مخطط بناء المطارات، التي ستُنقل إليه من أرض سيناء المصريّة، ولأجل هذا صُودرت مئات الآلاف من الدونمات، وهجَّر الاحتلال مزيدًا من الأهالي وزجّ بهم في قُرى التوطين.

"حتى الأراضي التي حشرونا فيها لاحقونا عليها"، قال عليّان "فاوضونا كثيرًا كي يسلبوا منّا أرضَنا، ورفضنا كلَّ عرضٍ ينتهي بسرقتها منّا، وبنهاية المطاف، ادّعوا أنّهم سيتركوننا نسكن (مجّانًا) في اللّقية، وفي حال إتمام (تسوية) مع الاحتلال، نشتري منه الأرض، كل دونمٍ بألفِ دينار.. أي نشتري من الغزاةِ أرضَنا!.. رغم هذا قبِلنا العرضَ؛ فلندفع ما ندفع لكنّ لا تُسَلب منّا أرضُنا، وعلى هذا استمرّ الوضعُ حتى اليوم".

لم يتوقّف الاحتلال عن بطشه بأرض النقب يومًا، فمن قراراتِ الهدم والمُصادرة إلى مُلاحقة الأهالي وإرهابهم، فضلًا عن سياسات التجهيل والتهميش والإفقار، لدفع الشباب إلى اليأس والهجرة.

ويُبيّن عليّان الصانع أن ما يدّعي الاحتلال أنّه "اعترافٌ" ببعض القرى في النّقب، إنّما هو اعترافٌ وهميّ، إذ يُمارس بحقها إهمالًا وتهميشًا خدماتيًّا، حالها كحال سائر القرى التي لا تزال مسلوبة الاعتراف، ولا يعرف هذا الغازي من "التنمية والتطوير" إلّا الجزء المتعلّق بالهدم وترحيل السكّان.

أخطر النّكبات

النقب يواجه اليوم أخطر مشاريع الاستيطان والتطهير العرقي، إذ يسعى الكيان لتهجير 36 ألفًا من سكان القرى مسلوبة الاعتراف إلى "مخيّمات لجوء"، تمهيدًا لإتمام مشاريع استيطانية تجارية وعسكرية على أنقاضِ أراضيهم، بحجّة "تطوير النقب".

المخطط الذي فُضِح أمرُه خلال العام الماضي، يقضي بإقامة مساكن مؤقتة (كرفانات) داخل قرى التوطين، وسيُوقّع عرب النقب "اتفاقيات ترحيل" بالإجبار، قبل الانتقال إليها، وقد تكون تلك المساكن دائمة بعد ذلك (توطين جديد).

والمشاريع التي سيخدمها مخطط التهجير هي: سكّتا قطار (بئر السبع- عراد)، و(ديمونا- يروحام)، تمديد خط للضغط العالي، إقامة منطقة صناعية عسكرية باسم (رمات بيكاع)، ومدّ شارع رقم 6 باتجاه الجنوب وإنشاء منجم الفوسفات.

وستقضم هذي المشاريع أكثر من 186 ألف دونمٍ من أرض النقب. يقول عليّان الصانع "كلّها مشاريع تُمزّق أوصال قرانا وتسرق أرضَنا، والأهالي هُنا يُقاومون لآخر نفسٍ، لكنّ الحال تغيّر، والنقب كسائر الوطن تأثّر بالأوضاع المُتردّية التي يشهدها الإقليم".

يُكمل "نأمل أن يشهد الحراك المُضاد لتلك المشاريع زخمًا أكبر، وتفعيلًا للمواجهة الشعبية، ومغادرة قاعات الاجتماعات والندوات المُندِّدة بتغوّل الاستيطان والتطبيع إلى النهوض الحقيقي والتصدّي المباشر لهذا المحتلّ، سيّما من القادة الذين أعيتهم الخِطابات".

وإلى أن يتحقّق هذا، لا ينتظر أبو جُبران الانتفاضة الشاملة ساكنًا، فهو بسنواته الخمس والسبعين، يُربّي أبناءه وأحفاده على حبّ الأرض والتشبّث بها، والتسلّح بالانتماء وبالعِلم، وهو اليومَ يرقُبُ أن تُحقّق ابنته الكُبرى "عروبة" لقبًا إضافيًا بعد الدكتوراة.