Menu
حضارة

خيارات إيرانية جديدة بعد سقوط الطائرة الأوكرانية

محمد السعيد إدريس

بينما كانت معظم الإجابات على الأسئلة الصعبة التى فرضت نفسها على الرد الصاروخى الإيرانى على عملية اغتيال الجنرال قاسم سليمانى قائد "فيلق القدس " التابع للحرس الثورى الإيرانى، تبدو إجابات "مراوغة" ومبهمة أكثر منها يقينية وبالذات الأسئلة من نوع: وماذا بعد هذا الرد الإيرانى؟ هل سيرد الأمريكيون؟ وهل انتهى عصر الحرب بالوكالة بين واشنطن وطهران الذى طال أمده، وربما يكون فقد الكثير من زخمه، وأن الحرب المباشرة والشاملة باتت حتمية لإنهاء مرحلة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران للتأسيس لمرحلة أخرى جديدة؟ وإذا بحادثة سقوط الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيرانى، أصابها عن طريق الخطأ، فى لحظة من أشد اللحظات حرجاً وحساسية فى المواجهة الساخنة بين الإيرانيين والأمريكيين، تفرض نفسها كمحدد أساسى للمسارات المستقبلية المحتملة للأزمة الإيرانية- الأمريكية الراهنة فى مرحلة شديدة التعقيد من مراحل الصراع أضحت تعرف بـ "مرحلة ما بعد اغتيال قاسم سليمانى".

قبل سقوط الطائرة الأوكرانية فى الأجواء الإيرانية فجر الأربعاء (8/1/2020)، أى فى ذات الوقت الذى قصفت فيه إيران بصواريخها الباليستية، قاعدتين عسكريتين أمريكيتين فى العراق (قاعدة عين الأسد فى الأنبار وقاعدة حرير قرب أربيل فى كردستان العراق)، وقبل أن تتأكد أنباء تحطم تلك الطائرة بكامل ركابها البالغ عددهم 176 شخصاً (إيرانيون وكنديون وأوكرانيون) كانت كل الأنظار تتجه نحو العاصمة الأمريكية للتعرف على كيف سيرد الأمريكيون على هذا القصف؟ وكيف يقيمونه؟ وهل سيكتفى الإيرانيون بهذه الضربة ثأراً لاغتيال قاسم سليمانى؟ وهل الأزمة تتجه إلى الحرب أم أن التهدئة ستفرض نفسها.

معظم التقييمات وتقديرات الموقف كانت تؤكد صدقية المعلومات الأمريكية التى جاءت على لسان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ووزير دفاعه مارك أسبر ورئيس هيئة الأركان الأمريكية مارك ميلى، التى أعلنت عدم وقوع ضحايا أمريكيين بالقاعدتين، فى حين ذكر التليفزيون الحكومى الإيرانى، نقلاً عن مصدر مطلع فى الحرس الثورى، أن الضربات الصاروخية أسفرت عن مقتل "80 أمريكياً" وكانت هذه التقديرات الأمريكية مقدمة لطرح الكثير من التساؤلات من نوع: هل فشلت إيران فى الانتقام لقاسم سليمانى بقتل أمريكيين؟ أم أن إيران تعمدت مبكراً تفادى وقوع الحرب مع أمريكا بقدر ما تعمدت "عدم التصعيد" وأنها هى من اختار عدم قتل الأمريكيين؟ وهل علم الأمريكيون بقدراتهم الاستخباراتية بنبأ الضربات الصاروخية الإيرانية مبكراً وقبل وقوعها ومن ثم اتخذوا كل الاحتياطات لمنع وقوع خسائر بشرية، أم أن المعلومات وصلتهم من إيران عبر العراق وبالتحديد رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدى الذى أبلغته إيران شفهياً بأمر تلك الضربات الصاروخية، وأنه أبلغها بدوره للأمريكيين؟

المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقى قال "تلقينا رسالة شفوية رسمية من إيران بأن الرد الإيرانى على اغتيال الشهيد قاسم سليمانى قد بدأ، أو سيبدأ بعد قليل، وأن الضربة ستقتصر على أماكن تواجد الجيش الأمريكى فى العراق"، وأوضح أن الجانب الأمريكى "اتصل بنا فى الوقت نفسه، وكانت الصواريخ تتساقط على الجناح الخاص بالقوات الأمريكية فى قاعدتى عين الأسد بالأنبار والحرير فى أربيل" هذا يعنى أن التواصل العراقى مع الأمريكيين بشأن الضربات لم يسبق، بوقت كاف، وقوع تلك الضربات، ما يؤكد من ناحية أخرى، أن الأمريكيين كانوا قد أخذوا استعداداتهم مبكراً لمنع وقوع إصابات بشرية، أو أن إيران هى من تعمد عدم وقوع إصابات بشرية، استجابة لكل الوساطات التى جرت مع أطراف دولية عديدة، وتحسباً للدفع بالأزمة إلى حافة حرب تبدو غير مرغوبة للطرفين الإيرانى والأمريكى، وربما تكون زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لدمشق ولقائه مع الرئيس بشار الأسد قد حملت رسائل أخرى إلى إيران بهذا المعنى، أى تجنب الحرب والتصعيد تحسباً لفرص ممكنة لتحريك الأزمة مع واشنطن.

هذا المعنى أكدته صحيفة "الجارديان" البريطانية بقولها أن إيران "تجنبت التسبب فى خسائر بشرية عندما قررت إطلاق الصواريخ" وقالت الصحيفة أن "الصواريخ التى استخدمتها إيران تصل دقتها حتى 50 متراً من إصابة الهدف وكان من الممكن أن تتسبب بأضرار أكبر لو أرادت طهران هذا".

على هذا النحو فإن أغلب التقديرات المرجحة ترى أن الهدف الإيرانى من الضربات الصاروخية كان إثبات صدق العزيمة للانتقام لاغتيال قاسم سليمانى ومن القوات والقاعدة نفسها التى أطلقت الصاروخ الذى أدى إلى مقتله، ومن ثم الاستجابة للمطالب الشعبية بالانتقام وإثبات القدرة على الرد الحاسم، وفى ذات الوقت استهدفت إيران تجنب التورط فى حرب طويلة ومفتوحة وغير مرغوبة من الطرفين الإيرانى والأمريكى. رغم ذلك فإن التفاعلات الداخلية فى إيران، وتعمد إيران أن يطوف نعش جثمان سليمانى فى مختلف المدن الإيرانية، وحشد ملايين المشيعين لاستقباله فى ظاهرة غير مسبوقة، ثم تلويح إيران بانتقام أشد قريباً على لسان نائب قائد الحرس الثورى الجنرال على فدوى الذى أوضح أن "الهجمات الصاروخية الإيرانية على أهداف أمريكية كانت بمثابة استعراض للقوة العسكرية وأن القوات الأمريكية لم تستطع أن تحرك ساكناً" كانت ومازالت تحمل معنى آخر "للتهدئة الإيرانية المراوغة" وهو أن إيران تحاول الإيهام بأنها اكتفت والتزمت بالخطوط الحمر الأمريكية بشكل زائف، وأنها ضعيفة عسكرياً، فيما هى تؤجل توجيه ضربات موجعة لوقت لاحق، قد تكون عبر الوكلاء وبالذات من العراق، خصوصاً فى ظل أجواء تعتقد إيران أنها ستكون مواتية بعد قرار البرلمان العراقى تكليف الحكومة العراقية بمسئولية إخراج كل القوات الأجنبية من العراق، وبعد الرفض الأمريكى لأى طلب بالانسحاب وتهديد الرئيس الأمريكى بوضع العراق على طائلة عقوبات غير محتملة، الأمر الذى من شأنه أن يفرض على العراقيين، وخاصة فصائل "الحشد الشعبى" خوض حرب تحرير ضد القوات الأمريكية فى العراق.

هذه التقديرات يبدو أنها باتت جزءاً من الماضى أو أضحت مؤجلة، لأجل غير منظور، فى ظل الأزمة أو الورطة التى وقعت فيها إيران بإسقاط الطائرة الأوكرانية بدليل كل ذلك الارتباك الذى أصاب المسئولين الإيرانيين وجعلهم يقدمون نفياً لأى اتهامات بإسقاط الطائرة تلك عن طريق صاروخ إيرانى، ثم العودة إلى الاعتراف بالمسئولية عن إسقاط هذه الطائرة على لسان قائد القوات الجوية، وفتح مجلس الشورى الإيرانى (البرلمان) تحقيقاً مع قادة الحرس الثورى عن ملابسات هذه الكارثة بعد تأكيد رئيس الحكومة الكندية جاستن ترودو هذا الاتهام ودعوته إلى إجراء "تحقيق معمق وشفاف" ودخول الولايات المتحدة كطرف فى الأزمة على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو الذى دعا إلى "التعاون التام مع أى تحقيق فى أسباب الكارثة، لأن دولاً قليلة بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا تملك القدرات الفنية لتحليل الصندوق الأسود.

هذا الاعتراف بالمسئولية والاستعداد لفتح تحقيق شفاف بمشاركة مسئولين أوكرانيين وكنديين وربما فرنسيين، والاستعداد أيضاً لدفع التعويضات اللازمة يحمل ضغوطاً جاءت فى غير وقتها المناسب بالنسبة لصانع القرار الإيرانى الذى عليه أن يختار التهدئة والاضطرار للإنصات لصوت الدبلوماسية الذى كانت إيران قد تعمدت تجاهله عقب اغتيال قاسم سليمانى وقررت أن تدخل فى مواجهة مفتوحة مع واشنطن باعتبار أن "ما بعد الاغتيال سيختلف حتماً جذرياً عن كل ما سبقه"، وربما تكون زيارة الشيخ تميم بن حمد أمير قطر لطهران أمس الأول الأحد ولقائه مع الرئيس الإيرانى حسن روحانى، واتفاقهما على أن "تخفيف التصعيد والحوار" هما الحل الوحيد للأزمات المتفجرة هى أفضل من يعبر عن مدى الورطة التى تواجه إيران الآن، والتى تدفعها إلى الالتزام بخيار الحوار وعدم التصعيد، وهو خيار ربما يؤجل، أو ينهى الاستمرار فى طريق المزيد من الضربات الانتقامية لاغتيال قاسم سليمانى، بل ربما تمتد آثاره إلى فرض مراجعة للخيارات الإيرانية الخاصة بالتصعيد أيضاً فى الملف النووى، وهى مراجعة ربما تريد بها إيران جذب الدعم الأوروبى لاحتواء الأزمة الحالية المترتبة على كارثة الطائرة الأوكرانية خاصة فى ظل اضطرار إيران للاعتراف بوجود خطأ بشرى مسئول عن وقوع هذه الكارثة .