Menu
حضارة

الأزمة الليبية: خرائط النفوذ ترسم بدماء العرب وعلى أرضهم

ليبيا - خاص بوابة الهدف

في ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩ وقعت حكومة الوفاق الليبية مذكرتي تفاهم مع الجمهورية التركية، تتعلق الأولى بترسيم الحدود البحرية بين الطرفين، والثانية تتعلق بمساعدة تركيا عسكريا لحكومة فايز السراج إذا ما طلبت هذه الحكومة المساعدة، هذه التفاهمات فتحت الباب واسعا أمام احتمالات تصاعد غير مسبوق للصراع في ليبيا ، وربما في المنطقة بأكملها ذلك في ضوء ما يترتب عليهما على مستوى الحقوق القانونية في مياه البحر المتوسط، او على مستوى الأمن القومي للعديد من دول المنطقة.

مطلع يناير ٢٠٢٠ وافق البرلمان التركي على طلب الرئاسة والحكومة التركية بتفويضها بإرسال قوات الى ليبيا، ورغم أن نص قرار المصادقة لم ينص على ارسال قوات مقاتلة، الى انه منح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ما يحتاجه لإرسال الدعم العسكري لحكومة السراج التي تخوض قتال متواصل ضد القوات التابعة للفريق خليفة حفتر والتي تسمى بالجيش الوطني الليبي وتسعى للسيطرة على طرابلس.

ما الذي تعنيه هذه التفاهمات من مخاطر:

  1. ما تحمله امكانية ارسال قوات عسكرية تركية الى ليبيا من تهديد للامن القومي للعديد من الدول العربية المتاخمة وأبرزها الجزائر ومصر وتونس.
  2. ما تعنيه سوابق التدخل العسكري التركي في بلدان عربية أبرزها سوريا من مخاطر قد تعني ادامة الحرب الاهلية الى أمد غير منظور.
  3. إمكانية تطور استخدام الساحة الليبية كميدان للحروب بالوكالة بين الاطراف الاقليمية والدول الكبرى في إطار الصراع على الهيمنة والنفوذ، ومساعي السيطرة على الثروات والموارد الليبية.
  4. تستدخل التفاهمات المذكورة تركيا كطرف لتقاسم حصص الثروات الطبيعية واحتياطيات الغاز الهائلة في شرق المتوسط، ذلك رغم عدم منطقية الاتفاق وترسيم الحدود البحرية بين بلدين بينهما هذه المساحة ودون شراكة مع بقية الاطراف الاقرب، وهو ما يعني تهديد حصص هذه الاطراف في الثروات الطبيعية المذكورة.

هدنة عالقة:

التفاهمات المذكورة وما أعقبها من زيادة ملحوظة في الدعم العسكري التركي لحكومة السراج، والذي شمل إرسال مجموعات مقاتلة من الفصائل السورية الخاضعة لتركيا، اشعلت التوتر على نحو غير مسبوق، ودفعت العديد من الأطراف المعنية للتدخل في الأزمة بغية سحب فتيل التوتر.

جاء التدخل الروسي في هذه الازمة، من خلال التواصل مع الأطراف المعنية ليسمح بالوصول لتفاهم بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان على الدعوة لهدنة بين الاطراف المتصارعة دعا الإعلان لأن تبدأ في ١٢ يناير، وهو ما وافقت عليه هذه الأطراف وحظي بتشجيع من عديد من الدول المعنية.

إثر ذلك دعت روسيا وفدا عن البرلمان الليبي والقيادة العامة للجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وفي مقابله وفدا ممثلا لحكومة السراج، لمباحثات لتوقيع اتفاق خاص بهذه الهدنة يفضي للشروع في اجراءات سياسية لإنهاء الأزمة، وهو ما تعطل في ضوء مغادرة المشير حفتر لموسكو دون توقيع الاتفاقية.

ورغم اعلان موسكو وكلا طرفي القتال أن الهدنة مستمرة، تستمر الاتهامات المتبادلة بخرق الهدنة والتهديدات بين طرفي القتال، بجانب تصعيد خطابي تركي عبرت عنه تهديدات اطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان تجاه المشير حفتر وقواته، واعلانه عن ارسال قوات عسكرية الى ليبيا بالفعل.

وقال كذلك ان تركيا ستبدأ في منح تراخيص للتنقيب والحفر في شرق البحر المتوسط العام الحالي، تماشيا مع تفاهمها مع حكومة السراج، واضاف أن السفينة التركية اوروج ريس ستبدأ انشطة مسح في المنطقة، وهو ما عزز من امكانيات التصعيد، قبل اللقاء الذي سيجمع اردوغان مع زعماء المانيا وروسيا وبريطانيا وايطاليا لبحث الصراع.

مرتزقة تركيا على الأرض الليبية:

رغم عدم توافر معلومات عن القوات التركية التي تحدث اردوغان عن إرسالها إلى الأراضي الليبية، إلا أن مصادر عدة موثوقة نشرت تقارير عن نقل ليبيا لما يصل الى ٣ آلاف مقاتل من فصائل المعارضة السورية الى طرابلس بواسطة الطيران التركي، وكذلك ارسالها مستشارين عسكريين ورجال استخباراتها لمساندة حكومة فايز السراج، وهو ما عزز التوتر بين أطراف الأزمة وبات يهدد بإسقاط الهدنة الهشة التي تم التوصل اليها.

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول، وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا، كما قُدمت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام"

الحكومة التركية التي تواجه معارضة جماهيرية ملموسة لقرارها بالتدخل العسكري في ليبيا، يبدو انها تميل لاستخدام المقاتلين المرتزقة من فصائل المعارضة السورية، لتفادي استثارة غضب الشارع التركي في حالة سقوط ضحايا من الجنود الاتراك في هذه المواجهة، وهو ما يعني فتح الباب على نوع من التدخل غير المباشر الذي سيطول مداه.

مؤتمر برلين أوروبا تستيقظ متأخرة:

لم تثر دماء الليبين المتناثرة طيلة السنوات الماضية رغبة اوروبية كافية بالضغط لإنهاء الصراع الليبي، بل استثمرت فيه أطراف اوروبية عدة في إطار منافساتها على النفط الليبي، ولكن الدور الروسي المتصاعد في المشهد الليبي المضطرب يبدو أنه اثار ما يكفي من الخشية الأوروبية على مستقبل النهب الاوروبي لثروات المنطقة.

إثر التفاهمات الخاصة بالدعوة للتهدئة، سارعت الدول الاوروبية لعقد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بشكل طارئ في بروكسل يوم الجمعة الماضي جاء لإعادة تدارك الموقف في ليبيا، ورسم استراتيجية تحرك في هذا الملف، من خلال تأكيد دعمه لعقد مؤتمر سياسي في برلين ودعوته لوقف إطلاق النار.

وفي وقت لاحق أعلن طرفا النزاع في ليبيا رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج واللواء المتقاعد خليفة حفتر أنهما سيشاركان في مؤتمر برلين المزمع عقده الأحد المقبل لبحث الأزمة الليبية، بينما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن المؤتمر ليس نهاية للأزمة الليبية ولكنه مجرد بداية لعملية سياسية تقودها الأمم المتحدة.

غضون ذلك، قالت المستشارة الألمانية إن الهدف من مؤتمر برلين هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر الحالي للأسلحة، الذي ينتهك دائما بشكل صارخ، وذلك من أجل فتح الطريق أمام حل سياسي.

وأضافت أن مشاركة الرئيسين التركي والروسي في مؤتمر برلين بادرة طيبة، مضيفة أنه لا يجوز لمن يرى نزوح ملايين من الناس كما حدث في سوريا أن ينتظر تكرار الشيء ذاته في ليبيا، في افصاح منها عن المخاوف الاوروبية والالمانية خصوصا حول احتمالية تدفق اعداد جديدة من اللاجئين لأوروبا في ضوء احتمالات تصاعد الصراع الليبي، وعجز حكومة السراج عن القيام بتعهداتها في ملاحقة المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون العبور لأوروبا مرورا بالأراضي الليبية او انطلاقا.

ومنذ بدء الهجوم على طرابلس، قُتل أكثر من 280 مدنيا وحوالي ألفي مقاتل، ونزح نحو 146 ألف ليبي، وفقا للأمم المتحدة، بجانب الاف القتلى الليبيين من اندلاع القتال على الأرض الليبية، ومئات الالاف من النازحين في أزمة تبدو مرشحة للتصاعد.