Menu
حضارة

ما هي سمة المرحلة ومهامها الوطنية التحررية؟

حاتم استانبولي

الأحداث المتداخلة في البلدان العربية من المحيط إلى الخليج وبالرغم من التفاوت بين تطورها الاجتماعي والاقتصادي، لكن انعكاساتها في البنية السياسة الفوقية للمجتمعات وإن اختلفت من حيث الشكل، لكنها في الجوهر تحمل ذات الخصائص، وتتقاطع في أنها نظم لم تستطع إنجاز مهام التحرر الوطني الديمقراطي، بالرغم من محاولات جرت في كل من الجزائر وسوريا والعراق و مصر في بعض المراحل، لكن تم الانقضاض على المنجزات التي تحققت بالتعاون بين قوى الكمبرادور السياسي مع الأحزاب الدينية أحيانًا، ومن خلال التدخلات الاستعمارية المباشرة أو استخدام قوى التطرف الديني، من خلال إعادة انتاج دورهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونظم حلف وارسو.  هذا الدور الذي وجه من أجل إعادة إنتاج وتدوير النظم التابعة وإسقاط الدول التي استطاعت أن تسير بخياراتها الوطنية، بالرغم من كل العثرات التي واجهتها منذ إنشائها. 

الوضع القائم يشهد عودة فجة للصيغة الاستعمارية المباشرة إن كانت في العراق وسورية، ناهيك عن الاستعمار الاحلالي ل فلسطين منذ 72 عامًا، والغير مباشر الذي تجسد من خلال التبعية الاقتصادية المطلقة لمنظومة النظام الرأسمالي وأدواته البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المدقق. 

في مجمل دول المنطقة تراها ترزح تحت مديونية هائلة تقف حائلاً أمام تطورها الاقتصادي، إذا ما أخذنا أوضاع كل بلد على حدة نرى أنه لا يستطيع أيًا منها بحكم امكانياته الاقتصادية أن يُؤمن احتياجات جماهيره الاقتصادية، والكثير من هذه النظم هي نظم لا تعكس ميزان القوى الاجتماعي واستمرارها كان ولا يزال معياره وناظمه مدى تلبيته لشروط مراكز رأس المال التي معيارها السياسي، هو الموقف من الاستعمار الاحلالي لفلسطين.

إن التجربة المصرية والسورية والعراقية والجزائرية وإلى حد ما الليبية في فترة انعتاقها استطاعت أن تخط سياسة وطنية، وتشكلت قوى اجتماعية نتيجة لتراكم رأس مال الدولة من خلال سياسات اقتصادية وطنية سارت إلى حد ما في تشكيل مناعة داخلية، عبر إنجاز تعليم مجاني وصحة مجانية وصفر مديونية، وكانت تساهم في دعم اقتصاديات الدول الضعيفة مثل لبنان والأردن وتونس وموريتانيا و السودان . هذه التجربة تم الانقضاض عليها تحت عناوين مختلفة وتم التلاعب في منظومة القوى الداخلية لإعادة إنتاج نظم تابعة بالمطلق وتدمير البنى الاقتصادية الوطنية، عبر عملية ممنهجة ومدروسة استخدمت فيها قوى الدين السياسي كعامل شد عكسي لإسقاط الإنجازات الوطنية.

مائة عام على سايكس بيكو أفرز نظم وأعاد إنتاجها وإرجعها إلى حالة من التبعية الكاملة لمنظومة الاستعمار السياسية والاقتصادية وأصبح السفراء يلعبون دول المندوب السامي. الحراك في لبنان أو الأردن أو العراق ومعاناة جماهير الخليج العربي التي ترزح تحت نظم عائلية ديكتاتورية لا تعير أية قيمة للمعايير الإنسانية، وتقدم ثروات جماهيرها مقابل حماية عروشها، وتبتلع الإهانات اليومية من سيد البيت الأبيض. هذه الحراكات يجمعها ناظم فقرها وتبعية نظمها ومعاناة جماهيرها، من حيث غياب للحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة في تحديد خياراتها. المدقق في أوضاع هذه النظم ومنظوماتها منذ ثلاثين عامًا، يجدها محاطة برعاية أمريكية بريطانية فرنسية تفرض عليها منظومة من الخيارات الاقتصادية والسياسية، تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي والسياسي، من أجل دفعها للمساهمة في دمج إسرائيل في منظومة المنطقة السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، وتعزيز القبضة الأمنية لها مقابل القروض عبر مؤسسات البنك الدولي، وهي تعي أنها لن تستطيع سدادها كون اقتصادياتها منهارة والحماية عبر إنشاء القواعد العسكرية التي تعمل خارج منظومة السيادة الوطنية. هذه النظم يعشعش فيها الفساد بكل تعبيراته وكل القروض التي تسجل على جماهيرها تذهب في اتجاهين المنظومة المصرفية التي تعيد تدويرها من خلال تشجيع القروض السكنية والفردية ووضع شروط قاسية وفوائد عالية، في حين تقوم هي بدفع فوائد طفيفة للبنك المركزي، والمدقق في الأرباح السنوية لها يلاحظ مدى تراكمها، وفي ذات الوقت ترى مدى ارتفاع مديونية الدولة. البنوك تتضخم أرباحها والدولة تتضخم مديونيتها والجماهير تزداد فقرًا ومعاناة. 

الاتجاه الآخر هو استفادة النظام البيروقراطي للنظم من المشاريع الريعية، من خلال توزيعها على حواضنها العشائرية والقبلية أو الحواضن الطائفية للنظم التي تقوم على المحاصصة الطائفية، بالنتيجة فإن المتضرر من سياسة النظم التابعة أو النظم وكيلة المستعمر بشكليه المباشر وغير المباشر أو الاحلالي في فلسطين، يدرك أن المطالبة في تغيير حكومي ليس هو الحل، بل الحل يكمن في إدراك واقع المنطقة ونظمها السياسية الوكيلة للاستعمار وسياساته الناهبة لثروات جماهير المنطقة، وهو المسؤول عن دعم نظم الفساد العائلي والقبلي والطائفي، وأن الجماهير بغض النظر عن تلاوينها، فإن الفقر والتمييز يجمعها، وأن تغيير أية حكومة أو إجراء أي انتخابات بقوانين تمييزية تقوم على أساس المحاصصة أو التمييز لا يمكنها حل المشكلات البنيوية لهذه النظم، وأن سمة المرحلة هي التحرر الوطني وشعار خروج المحتل المباشر من العراق وسورية، وإنهاء تبعية النظم العائلية والقبلية والعشائرية والطائفية، هذه النظم التي شرعت الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي، بما فيها الاحتلال الاحلالي لفلسطين. إن شعار خروج المحتل يتلازم مع شعار إسقاط التبعية السياسية والاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية، هذه المهمة الجامعة لحركة التحرر الوطني وتفرض وحدة أدواتها الوطنية والديمقراطية لإنجازها، من أجل وحدة أراضيها وثرواتها واقتصادياتها الوطنية المتكاملة ووحدة قوى ووسائل إنتاجها.

مهمة قوى التحرر الوطني ليس إيجاد حلول للمحتل والنظم التابعة، بل في إيجاد حلول للجماهير الشعبية المتضررة من سياسات التبعية السياسية والاقتصادية التي تنتج سياسات فاسدة شاملة، بحيث أصبح الفساد مقونن في الدساتير والنظم التي تقوم على أساسها. شعار التحرر الوطني هو شعار يجمع المقاومة وجماهيرها التي ترزح تحت الفقر والتمييز والاضطهاد، فلا يمكن للمقاومة أن تتعايش مع الفساد والتبعية والاحتلال بكل أشكاله، ولا يمكن المساومة بين التبعية والاحتلال والفساد وبين المقاومة وثوارها. 

أهمية قراءة سمة المرحلة وشعاراتها الناظمة، هي التي توحد قواها وتلفظ الفردية والشللية المصلحية، وتعيد الروح النضالية الوطنية للشعار الجمعي الناظم.