Menu
حضارة

في تطوير النظام السياسي الفلسطيني

معتصم حمادة

خطوتان من شأنهما أن تفتحا الباب لتطوير النظام السياسي الفلسطيني:

• تنفيذ قرارات المجلس المركزي .

• دعوة الإطار القيادي المؤقت لتحمل مسؤولياته في إنهاء الانقسام وتنفيذ  ما اتفق في الدورات السابقة.

يحمل الاجتماع الأخير القيادي في رام الله (30/7/2015)، في طياته العديد من الإشارات التي تستوجب منا التوقف أمامها وتسليط الضوء على أسبابها، ونتائجها، وضرورة معالجتها.

فالاجتماع، على أهمية الحدث الذي انعقد من أجله (تصاعد العمل الإجرامي لقوات الاحتلال وعصابات المستوطنين)، عقد باعتباره ما يسمى «قيادة سياسية» وهي صيغة فضفاضة، تتجاوز صيغة اللجنة التنفيذية، وتضم في صفوفها، شخصيات ومسؤولين وأفراداً، قد يتغيرون بين اجتماع وآخر، يتم تجميعهم دون سند قانوني، وتدار اجتماعات هذه القيادة، باعتبارها صيغة استشارية، ما يؤكد أن الصيغة القيادية الشرعية، تعاني من أزمة متعددة المستويات، إن في صيغة دعوتها (الفضفاضة وغير النظامية)، أو في صيغة قراراتها (الاستشارية وغير الملزمة والتي قلما تصل إلى نتائج حاسمة)، ما يترك للمستوى الأول (الرئيس أو مساعديه) اتخاذ القرارات نيابة عن القيادة الشرعية ممثلة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولا داعي للتأكيد مرة أخرى، أن هذه الصيغة أوجدت في الصف الوطني الفلسطيني خلافات ولم تلق إجماعاً بل مازالت موضع تجاذب إعلامي، بين من يرفضها لعدم حيازتها على الشرعية القانونية، وبين من يتوسلها وسيلة لتجاوز الهيئات الشرعية وإضعافها.

ولو أمعنا قليلاً في الأمر، لاستنتجنا أن مثل هذا الأمر يخفي خلفه أمراً آخر، لا يقل عنه أهمية. فالخلاف على الصيغة القيادية، بين من يتمسك باللجنة التنفيذية ويدعو لتفعيلها قيادة يومية للشعب الفلسطيني، وبين من يحاول تجاوزها بصيغ فضفاضة، إنما هو خلاف يخفي خلفه خلافاً آخر، هو غياب البرنامج الفلسطيني الموحد، أي غياب الرؤية السياسية الموحدة لحالنا الفلسطينية، وغياب تقديرنا الموحد لهذه الحالة، ولكيفية معالجة تداعياتها، وتحدياتها وتوفير المتطلبات الضرورية للارتقاء إلى مستوى الحدث الذي تمليه علينا هذه الحالة.

ليست هي المرة الأولى التي نختلف فيها فلسطينياً، وليست هي المرة الأولى التي تتباين فيها الرؤى والمواقف والاقتراحات. ففي العديد من المنعطفات عاشت الحالة الفلسطينية تباينات سياسية بعضها كان حاداً، وحاداً جداً، لكن في كل مرة كنا، عبر الحوار الوطني الجاد والمسؤول، نتوصل إلى حلول ومواقف وبرامج مشتركة، بعضها، كما حصل مؤخراً ضم القوى الفلسطينية كافة، داخل م.ت.ف وخارجها، وشخصيات وطنية وازنة، وفعاليات المجتمع المدني، وممثلين عن المؤسسات التشريعية، والتنفيذية، في م.ت.ف، وفي مؤسسات السلطة الفلسطينية نفسها. وعبر تلك الحوارات، والتوافقات، أسسنا لمرحلة نضالية جديدة في تاريخ ثورتنا الفلسطينية المعاصرة.

من بين هذه المحطات التاريخية:

·      وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى التي طورتها الحوارات في الضفة وفي قطاع غزة) في 26/6/2006، والتي رسمت عناوين وآليات البرنامج الوطني الفلسطيني الموحد، في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة كاملة السيادة بحدود الرابع من حزيران (يونيو) 67 وعاصمتها القدس الشرقية. كما رسمت عناوين وآليات إصلاح المؤسسة الفلسطينية، وضرورة إعادة بنائها، على أسس ديمقراطية، بالانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل. المؤسسات التشريعية (المجلسان الوطني والتشريعي)، والاتحادات الشعبية والنقابات المهنية والحرفية، والمجالس البلدية وكافة المؤسسات الأهلية. في خطوة عززت الديمقراطية الفلسطينية، ديمقراطية الحوار، وديمقراطية التوافق الوطني، وديمقراطية الانتخاب، وتعزيز دور الشارع في رسم القرار الوطني من خلال دوره في إعادة بناء المؤسسة، بعيداً عن سياسة المحاصصة (التي تجاوزها الزمن الفلسطيني) والمحاباة، وتغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية العليا، (سياسة الاستفراد على حساب الشراكة الوطنية الواسعة)، وتعزيز بنيان التحالف الوطني، وتعزيز بنيان الجبهة الفلسطينية المتحدة ممثلة في م.ت.ف، وهيئاتها [المجلس الوطني، ولجانه، والمجلس المركزي، واللجنة التنفيذية، ودوائرها المختلفة].

·      الحوار الوطني الشامل الذي أجراه الإطار القيادي المؤقت (تحت سقف م.ت.ف) في القاهرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، والذي أكد ضرورة إنهاء الانقسام السياسي والإداري والجغرافي، وقرر إعادة بناء المؤسسة على أسس توحيدية، مستعيداً مبادئ وثيقة الوفاق الوطني، عبر اللجؤ إلى الشارع في انتخابات شاملة، وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل. كما أكد اللقاء القيادي على البرنامج الوطني الموحد، كأساس سياسي لتوحيد الحالة الفلسطينية.

·      أعيد التأكيد على الأمر ذاته، في جولة الحوار الوطني الشامل الجديد في 4/5/2011 في القاهرة أيضاً، استعادت ما كانت قد قررته في وثيقة الوفاق الوطني، وما قررته في جولة الحوار في العام 2009.

آخر محطة انعقدت في هذا السياق [وهي لن تكون الأخيرة بحكم استمرارية الحالة الوطنية] كانت دورة المجلس المركزي في آذار (مارس) 2015، التي رسمت قرارات سياسية مهمة جداً، شكلت منعطفاً في تطوير آليات ومحطات تنفيذ البرنامج الفلسطيني الوطني الموحد [في تدويل القضية والحقوق الوطنية، وتصعيد المقاومة الشعبية، ووقف التنسيق الأمني ومقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي، ودعوة الإطار القيادي المؤقت إلى دورة طارئة لبحث آليات إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية]، وآليات ومحطات تطوير المؤسسة [حكومة وحدة وطنية وانتخابات شاملة رئاسية، وتشريعية وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل].

إذن، بيد الحالة الفلسطينية ذخيرة وطنية غنية من القرارات، والتوافقات، والتوجهات السياسية، الكفيلة، إن تم الأخذ بها، بإعادة صياغة المؤسسة على أسس إصلاحية ديمقراطية، وبلورة البرنامج الوطني الفلسطيني الموحد.

إدراكنا لصعوبة الحالة، وتعقيداتها، يحتم علينا، مرة أخرى التأكيد على التمسك بما كنا قد توصلنا إليه في حواراتنا الوطنية، لذلك نعتقد أن الخطوة الملحة الآن، تتمثل بأمرين اثنين يشكلان مفتاحاً لولوج المرحلة القادمة.

1-  الأمر الأول أن تضع اللجنة التنفيذية، كقيادة يومية، الآليات الضرورية، لتنفيذ قرارات المجلس المركزي، وطي صفحة المفاوضات، لصالح السياسة الجديدة والبديلة.

2- دعوة الإطار القيادي المؤقت (تحت سقف م.ت.ف)، لفحص الآليات الضرورية  لوضع موضع التنفيذ القرارات الكفيلة بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية، وإعادة بناء المؤسسة على أسس ديمقراطية، بالانتخابات الشاملة وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، وتجاوز مرحلة المراوحة في المكان، مرحلة التمزق والتشظي، التي تعانيها حالتنا الفلسطينية.

المصدر: التجديد العربي