Menu
حضارة

منتدى الهولوكوست: بين دير ياسين وغيتو غزة

سليمان أبو إرشيد

إنّ "حفلة" التكفير عن ذنوب الهولوكوست التي يشارك بها زعماء أحفاد الغرب الاستعماري الكولونيالي اللّاسامي مهد الفاشية والنازية والتطهير العرقي، هي استمرار لحملة غسل خطايا تلك الدول المتواصلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي لا تنفك الحركة الصهيونية وإسرائيل تغذّيها وتستفيد منها لتمرير المزيد من المخططات الاحتلالية والاستيطانية تحت غطائها.

تحت غطاء كارثة اليهود أقامت الصهيونية كيانها الاستعماري في فلسطين على أنقاض شعبها عام 1948، مستغلة رغبة دول الغرب في إيجاد حل يخفف من العبء الأخلاقي الذي كان يثقل على الضمير الأوروبي، من جهة، ويحل من جهة أخرى، قضية اللّاساميّة، عبر التخلص من العرق اليهودي بشكل شامل وشرعي بواسطة توظيف مادته البشرية في مشروع استعماري يخدم مصالح هذه الدول.

في إطار معادلة المصالح تلك ظلت المحرقة هي البطاقة الرابحة في أيدي الصهيونية ومن بعدها دولة إسرائيل، والسيف الذي تسلطه على رقاب حكام الغرب الأوروبي الجدد والذي ينجح نتنياهو تحته في جمع زعماء ومندوبين من 40 دولة، في ما وصف بأنه أكبر حشد دولي داعم لإسرائيل.

والمفارقة لا تقتصر على أن الحشد يعقد في متحف "ياد فشيم"، المقام على أراض تابعة لقرية دير ياسين التي دمرتها إسرائيل عام 1948 بعد أن ارتكبت مذبحة فظيعة ضد سكانها الفلسطينيين، بل في كونه ينعقد أيضا في وقت دعت فيه المدعية العامة في محكمة الجنايات الدولية بفتح تحقيق ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبلا شك فإن تظاهرة التأييد تلك، والتي تنعقد في القدس بعد أشهر من القرار الأميركي المثير للجدل الّذي يعترف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وفي ظل تصريحات إسرائيلية رسمية بضم الأغوار وسحب السيادة الإسرائيلية على مناطق "جـ" في الضفة الغربية، توفر لها الحماية الدولية المطلوبة أمام محكمة "لاهاي" ومواصلة التملص من دفع ثمن احتلالها واستيطانها وجرائمهما ضد الشعب الفلسطيني ومدنييه العزل في قطاع غزة والضفة الغربية.

ولعل تعطيل البحث في طلب المدعية العامة للمحكمة الدولية المتعلق بفتح تحقيق ضد إسرائيل بادعاءات تقنية، من قبيل أن الطلب أطول مما هو متعارف عليه، هو الثمرة الأولى لهذا الاحتضان الدولي على طريق طي صفحة هذا التحقيق قبل فتحها.

وترتبط مسألة التحريض الاتهامات الإسرائيلية لمحكمة الجنايات الدولية، التي أقيمت كاستمرار لمحاكم نيرنبرغ التي عالجت جرائم ارتكبت ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، بمسعى نتنياهو الجدّي لضم منطقة الأغوار وبسط السيادة الإسرائيلية عليها، مستغلًّا المناخ الدولي الداعم لإسرائيل والموقف الأمريكي المؤيّد للضّم، إلى جانب حالة الإجماع التي يحظى بها في الساحة السياسية الإسرائيلية.

ولا يقتصر هذا المسعى على يمين أو يسار "كاحول لافان"، بل من حزب العمل الذي شرعن آباؤه المؤسسين ابتداء من يغئال ألون ومشروعه الشهير وانتهاء برابين وبيرس مواصلة السيطرة على الأغوار كمنطقة استراتيجية ضررية لأمن إسرائيل.

وفي هذا السياق رجح رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، أن تحتل مسألة ضم الأغوار جدول أعمال أي حكومة وحدة وطنية بين "الليكود" و"كحول لفان" بعد الانتخابات المقبلة، فهي تتلاءم مع رؤية نتنياهو الأمنية التي تعتبر الضفة الغربية والجولان الجدار الحديدي لأمن إسرائيل الذي يجب عدم التنازل عنه، وانه إذا ما سحب القانون الإسرائيلي على الأغوار أو باشر بذلك، سيسجل لنفسه الإنجاز الأكبر في فترة ولايته، بعد عقد من الجمود السياسي.

ومن شأن إسرائيل أن تبرّر الضّم، وفق ما يقول بن، بالاعتبارات الأمنية وقلة السكان الفلسطينيين في تلك المنطقة التي تشكل 22.3% من مساحة الضفة الغربية ويقطنها 4.500 فلسطيني فقط مقابل 13 ألف مستوطن إسرائيلي.

وإذا كانت إسرائيل ما زالت تتمتع بمثل تلك المظلة الدولية، بعد ضم القدس، وضم الجولان، وعزل وحصار غزة وتجويعها، والتهام أراضي الضفة الغربية، واتهامها بارتكاب جرائم حرب، فإن ضم الأغوار لن يضيرها كثيرا، ولو كان العالم يقيم نوعا من التوازن وقليل من الاعتبار للفلسطينيين لذهب زعماؤه الذين حضروا للمشاركة في "منتدى ذكرى المحرقة" في القدس، إلى "غيتو غزة"، لمشاهدة ضحايا الضحايا، الذين أقاموا كيانهم على حساب شعب آخر وما زالوا ينكلون بتجمعاته المختلفة.