Menu
حضارة

زمن الذاكرة ومفعوله في النزاعات

عبد الإله بلقزيز

لم تولَد فكرةُ العدوّ (المسيحيّ أو المسلم) في المتخيّل الجمْعيّ المسيحيّ والإسلاميّ الوسيط، كما في بيئة النّخب العالِمة وتآليفها، من الاختلاف بين الدّيانتين في التّعاليم، خاصّةً في الشّؤون العَقَديّة الخلافيّة المتعلّقة بالتجسّد والتثليث والصّلب، كما قد يُظَنّ؛ ولا كانت أسبابُها في أنّ المسيحيّين لم يقابلوا اعتراف المسلمين؛ بنبوّة المسيح ورسالته، باعترافٍ نظير بنبوّة النبيّ العربيّ ورسالته؛ بل وُلِدتِ الفكرةُ تلك من اصطدام مصالح القوّة الجديدة الصّاعدة من جزيرة العرب بالإمبراطوريّة الرّومانيّة الشّرقيّة (البيزنطيّة) التي كان تنصُّرُها قد بدأ قبل دعوة الإسلام بقرون أربعة. ولأنّ القوّة العربيّة الجديدة هذه تحوّلت إلى فاعلٍ سياسيّ وتاريخيّ، بالإسلام، فهدّدت حركةُ فتوحاتها أطرافَ الإمبراطوريّة البيزنطيّة - المنظور إليها بوصفها مسيحيّة ومقدّسة - بل، وأحياناً، قَلَبَها فقد تَدَاخَل السّياسيُّ بالدّينيّ في النّزاع، فلم يعد نزاعاً بين عرب وبيزنطيّين؛ بل بين مسلمين ومسيحيّين، وما لبثت صفتُه الدّينيّة أن غلبت مضمونه القوميّ، منذ ذلك الحين، على الرّغم من أنّ طَابَعَه «القوميّ»، في البدايات، هو ما يفسّر نتائجه؛ حيث إنّ سرعة عمليات الفتح ونجاحاتها، بدءاً من نهاية النّصف الأوّل من القرن السّابع للميلاد (الأوّل للهجرة)، تعود، في جانب كبير منها، إلى تسهيل المسيحيّين العرب، في البلدان المفتوحة، أمْرَها على ما تقولُه مصادرُ التّاريخ - العربيّة والبيزنطيّة - وتشهد به دراسات مستشرقين معاصرين كُثُر.

لم يكنِ الصّراع فكريّاً بين أتباع الدّينين، على الرغم من أنّ بعضاً من وقائع ذاك الصّراع جرى في التّاريخ في شكل مجادلات كلاميّة وفقهيّة بين اللاّهوتيّين المسيحيّين وعلماء الكلام والفقهاء المسلمين؛ ولو كان كذلك (مجرّد صراعٍ فكريّ)، لَهَانَ أمْرُ نتائجه، ولَمَا استفحل إلى الحدود التي تتجدَّد فيها ظاهراتُه، باستمرار، وحتّى يوم النّاس هذا. كان صراعاً عسكريّاً وسياسيّاً مفتوحاً تبادل فيه الفريقان السيطرة على أراضي الآخر، وعلى قسمٍ من الرّعايا.

وما كان يمكن في مثل هذه الأحوال من الصّدام، وفي مناخ نتائجها الدّراميّة على الجماعتين الاعتقاديّتين، أن ينسى فريقٌ لفريق ما قام به تُجاهه، ولا أن يتردّد في أن يعزوَ إليه أسباب نكبته فيحمّله مسؤوليّة ما جرى، مبرّئاً ساحتَه، ومشدّداً على أنّه كان في حالِ دفاعٍ عن النّفس. تكفينا الإشارة المقتضَبة، في هذا المعرض، إلى روايتيْن متقابلتين تجنِّدان موادّ تاريخيّة لبناء صكّ اتّهام الآخَر:

تقول الرّواية الأولى (المسيحيّة)، إنّ الإسلام أوقف، بظهوره، زحف المسيحيّة في العالم الوسيط حين أصبح لها منافساً ومزاحماً. وتزيد بالقول إنّه ما اكتفى بالمنافسة، فحسب؛ بل إنّ أتباعه اجتاحوا المسيحيّة في معاقلها: في أطراف بيزنطة وفي قلبها، ثم في أطراف أوروبا وأخرجوا سلطانَها السّياسيّ والدّينيّ من تلك الدّيار. وغالباً ما تُساق، في المعرض هذا، وقائع تاريخيّة بعينها؛ للدّلالة على عداء المسلمين للمسيحيّين: حركة الفتوحات الكبرى، في عهد الخليفة عمر، التي استُكْمِلت حلقاتُها في الحقبة الأمويّة، وكانت نتيجتُها فقدان بيزنطة لممالكها في شرق المتوسط وجنوبه وقبرص وصقلّية؛ السيطرة العربيّة على الأندلس وإقامة حكمٍ فيها لفترة ثمانمئة عام؛ سقوط القسطنطينيّة - قلب الإمبراطوريّة البيزنطيّة- وإقامة الإمبراطوريّة العثمانيّة وتهديدها أوروبا وزحف جيوشها إلى حدود أسوار فيينا.

وتقول الرّواية الثّانية (الإسلاميّة)، إنّ المسحيّين غزوا ديارهم ونكّلوا بالمسلمين في موجاتٍ من الغزو متعاقبة؛ منذ الحملات الصّليبيّة، المنطلقة في نهاية القرن الحادي عشر للميلاد، إلى سقوط غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر. ولا تنسى الرّوايةُ هذه، التّذكير بوقائع تاريخيّة مثل المذابح الجماعيّة التي نظّمها الصّليبيّون ضدّ المدنيّين المسلمين، وحمْلات التّنصير القسْريّ لهم، منذ ذلك الحين، التي بلغت مداها في إسبانيا الكاثوليكيّة، وكانت أصْرَخُها تعبيراً عن الوحشية نكبة الموريسكيّين.

وبصرف النظر عن أنّ الرّواية الأولى تتجاهل ما أصاب المسيحيّين العرب من المسيحيّين البيزنطيّين، قبل الفتح وما بعد الفتح، وما أصابهم من المسيحيّين اللّاتين (الرومانيّين) أثناء الحروب الصّليبيّة وبعد سقوط الأندلس؛ مثلما تتجاهل أنّ الإسلام لم يُكْرِهِ المسيحيّين على اعتناقه، وأنّ المسيحيّين في عالمه عاشوا آمنين (في العراق وسوريا وفلسطين و مصر والأندلس وتركيا العثمانيّة) فيما أبيد المسلمون في أوروبا الكاثوليكيّة؛ وبصرف النّظر عن أنّ الرّواية الثّانية تتجاهل مأساة المسيحيّين الأرمن، في تركيا الحديثة، ومذابحهم الوحشيّة، إلاّ أنّ الرّوايتين معاً معبّأتان بمزيجٍ من وقائع التّاريخ الحقيقيّة ومن التمثُّلات التّخييليّة عن خطر العدوّ (الآخَر) ووحشيّته وعدم قابليّته للتعايش.

لم تتوقّف الحروب، اليوم، بين العالَمين. ولكنّها باتت تُشَنّ، أساساً، من جانب واحدٍ هو الأقوى. ومع ذلك، يتدفّق العرب والمسلمون على العالم «المسيحيّ» كلّ يوم (على أوروبا وأمريكا الشّماليّة وأمريكا اللاّتينيّة وأستراليا)، ولكن لا بصفتهم محاربين غزاةً؛ بل كمهاجرين يطلبون لقمة العيش والتعليم، وكمواطنين في تلك الأقطار؛ وهُم، اليوم، في تلك الدّيار بعشرات الملايين. في المقابل، يتدفّق الغربيّون سلميّاً - بعد أن تدفّقوا غزواً استعماريّاً- على ديار العرب والمسلمين: كسائحين وتجّار ومستثمرين. وقسمٌ كبيرٌ منهم مقيم في تلك الدّيار. ومع أنّ المسلمين في ديار الغرب لا يَبْغون من وجودهم نشر الإسلام في غيرهم، والغربيّين ليسوا جميعهم مسيحيّين معتقدين يبغون تنصير المسلمين؛ أي مع أنّ أسباب التوجُّس المتبادل ارتفعت وتبدّدت، إلاّ أنّ الصُّوَر النّمطيّة عند كلّ فريقٍ منهم عن الآخَر ما زالت مستمرّة المفعوليّة ولم تَقْوَ قيمُ المواطنة، ولا ثقافة التّعايش والحوار، على تبديدها. أمّا السّبب، ففي أنّ للتمثُّلات تلك زمناً غير الزّمن الواقعيّ أو زمن الوعي؛ إنّ زمنَها زمنُ اللاّوعي الذي هو زمن الذاكرة.