Menu
حضارة

لتفكيرٍ بصوتٍ عالٍ

حاتم استانبولي

نتنياهو وترامب

خاص بوابة الهدف

ترامب يدعو كلًا من نتنياهو وخصمه الانتخابي غانتس إلى البيت الأبيض من أجل مناقشة صفقة القرن التي هي في الجوهر تحمل تصفية مصير الشعب الفلسطيني وقضيته، في لقاءٍ يغيب عنه الفلسطينيون الذين وَكّلوا أمورهم لواشنطن كراعٍ للتفاوض الثنائي أو بالأحرى غُيِّبوا قسرًا من قبل إدارة ترامب.

الأكثرية فلسطينيًا وعربيًا أطلقت مواقف ضد صفقة القرن، ولكلٍ منهم أسبابه، لكن في الجوهر غالبيتهم يتعاطون مع صفقة القرن حسب المثل القائل "عينه فيه وتفو عليه".

المدخل إلى صفقة التصفية كان عندما قبِلنا أن نضع أولوية حل مشكلة وجود إسرائيل عبر فكرة البرنامج المرحلي الذي تسربت من خلاله كل الأفكار الصهيونية، هذا الشعار الذي طرح في ظل موازين قوى محسومة لصالح إسرائيل.

البعض ينظر إلى صفقة القرن من خلال مطالبة ساذجة بالعودة إلى التفاوض على قاعدة اتفاق أوسلو الذي باعتراف الجميع "قوضته إسرائيل".

دوليًا: أكثرية الدول تتعاطى مع صفقة القرن من على قاعدة الحياد الإيجابي، وتطرح شعارها "حل الدولتين" الذي يتعارض مع مجريات الواقع القائم الذي يقول إن هذا الشعار لا يمكن تحقيقه كما رُسِم له، أي على حدود الرابع من حزيران 1967.

وفي ذات الوقت، يطالبون بأن تُحل المشكلات القائمة- حسب رأيهم- بين طرفي النزاع في ظل ميزان قوى حاسم لصالح الاحتلال الإحلالي (إسرائيل). في حين يهرول معظمهم إلى القدس المحتلة من أجل إحياء ذكرى "الهولوكوست" ويمارسون موقفًا مناقضًا لتصريحاتهم.

عربيًا: الموقف العربي الرسمي ينقسم إلى عدّة محاور: المحور الخليجي وهو المهيمن على القرار الرسمي العربي في الجامعة العربية. هذا الموقف متناغمٌ بالجوهر مع صفقة القرن، بل سيساهم في التغطية الاقتصادية لمشاريعها المطروحة؛ والجرعات التطبيعية التي أقدم عليها تُدلل على ذلك؛ موقف البحرين المعلن والواضح، والإمارات التي اشتركت وفتحت أبوابها للرسميين الإسرائيليين والرياضيين، ناهيك عن العلاقة الاقتصادية التي تتطور بشكل متسارع مع كل دول الخليج من خلال بوابة دبي والدوحة، والتسارع الإسرائيلي لإعلان تطبيعه مع السعودية عبر الوفود الصحفية، وقرارها السماح للإسرائيليين السفر والإقامة والاستثمار فيها.

الموقف المصري- الأردني: الذي يعمل بشكل متسارع لدمج إسرائيل في المنظومة الاقتصادية لبحر المتوسط، في قطاعٍ يُعَدّ من أهم القطاعات التي ستضاعِف مداخيل إسرائيل المالية والاقتصادية، لتدعم استيطانها في الضفة بما فيها القدس.

هذا الموقف لا يمكنه أن يقف ضد صفقة القرن؛ كونه مكبلًا بمديونية تتحكم بقراره السياسي والسيادي، كما أنّه ملزمٌ باتفاقيات سياسية واقتصادية وأمنية.

الموقف السوري والعراقي واللبناني، هذا الموقف الأكثر وضوحًا في إعلان موقفٍ صريحٍ ضد صفقة القرن، لكنه يعاني من ظروفٍ خاصة بكل بلد، بالتزامن مع تزايد الهجمة الشرسة التي تطال اقتصادات هذه الدول بهدف إخراجها من الفِعل الملموس للتصدي لنتائج صفقة القرن.

أما بقية الدول، فلا تستطيع التأثير في مجرى الأحداث، فأكثريتها خارج الفعل والتأثير، ولكلٍ منها أسبابها.

فلسطينيًا: الشعب الفلسطيني يحصد نتائج قرارات قياداته التي عبثت بقضيته الوطنية منذ أن أخرَجت قضيته من حواضنها الدولية من خلال ثنائية الاتفاق بين طرفي النزاع، وعربيًا تحت عنوان القرار الفلسطيني المستقل، الذي كان يهدف من حيث الجوهر إلى القطيعة مع الدول الوطنية في حين يتماشى ويتساوق مع الرجعيات العربية، التي كانت تفرض شروطها، ومن ثم دفعوه إلى الاتفاق الثنائي تحت المظلة الأمريكية لتضيف قوةً إلى إسرائيل، وتعطي مبررات لتراجع الموقف العربي تحت عنوان أصحاب القضية حددوا خياراتهم.

وفي سياق التفاوض الثنائي، قدم كلٌ من عرفات وأبي مازن وفريقيهما تنازلاتٍ مجانيةً بالتخلّي عن الجزء الأكبر من فلسطين، وأخرجته من التفاوض بعد اعترافها بإسرائيل وحقها في الوجود. في حين بدأت إسرائيل تُفاوض على حقوقها في الضفة الغربية وقضمها بالتدريج، تحت عيون السلطة الفلسطينية.

الحالة القائمة الآن؛ أن القائمين على السلطة لا يملكون أيّة إمكانيات ميدانية لمواجهة صفقة القرن، إلا خيارًا واحدًا وهو إعلان التخلّي عن أوسلو والتراجع رسميًا عن الاعتراف بوجود إسرائيل، وإعادة الاعتبار لبرنامج منظمة التحرير قبل مجلس وطني غزة الذي أسقط بنود الميثاق الوطني.

لكي تطلب من الشعب الفلسطيني أن يُقاوِم الصفقة، على قيادة السلطة والفصائل أن يقدّموا برنامجًا ملموسًا للمواجهة؛ يبدأ بحلّ السلطة واعتبار فلسطين التاريخية محتلة والإقرار بحق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل تحريرها بكل الطرق القانونية التي أقرّتها الشرائع الوطنية والقومية والدولية من أجل التحرر الوطني.

هذا الموقف سيعيد بناء الموقف العربي الشعبي ويضغط على الموقف الرسمي ويلجم التدهور نحو التطبيع ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

استمرارُ التلاعب بالكلمات والشعارات كشفته الصفقة، ولم يعد يُصرَف لدى الشعب الفلسطيني والعربي. هذا يتطلّب ترجمة مواجهة برنامجية عملية ملموسة من أجل المجابهة الشاملة في الداخل والشتات، عبر إحياء أدوات النضال الوطني وتغيير دور المؤسسات التي فُرِّغت من محتواها الوطني التحرري، بدءًا من السفارات وحتى المنظمات الشعبية.

قادةُ إسرائيل والصهيونية العالمية أعلنوا هدفهم الذي خطّوه في مؤتمرهم الأول، أن الدولة اليهودية ستقوم من النيل إلى الفرات، هذا الشعار أصبح واقعًا ملموسًا عبر الاتفاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي أعطت للمستعمر الإحلالي اليد الطّولى في تقرير مصير المجتمعات العربية.

صفقة القرن وضّحت الخيارات وحصرتها بين اثنين؛ الموافقة أو المجابهة.

مُجابهة صفقة القرن تكون من خلال دعم الشعب اليمني وقواه الحية في مجابهته للعدوان السعودي- الإماراتي، ودعم الجيش السوري في تحرير أراضيه من الإرهاب والاحتلال، ودعم العراق من أجل تحرير أرضه من الاحتلال الأمريكي وتعميق موقفه المعلن ضد صفقة القرن والتحالف بين المقاومة اللبنانية والعراقية والفلسطينية من أجل توحيد صفوفها لمجابهة الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي وهيمنتهم السياسية والأمنية والاقتصادية.

والأهم؛ السماح للشعب الفلسطيني بإعادة تنظيم صفوفه للدفاع عن قضيته بمساندة الجماهير العربية وقواها التحررية، التي قالت كلمتها في أكثر من مناسبة إنها تقف مع الخيارات الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني.

المجابهة صعبة ولكن اتخاذ القرار هو المدخل لإسقاط التصفية، لا خيار أمام الشعب الفلسطيني إلا المجابهة داخليًا بإسقاط عناوينها، وخارجيًا بإعادة الاعتبار إلى البرنامج الوطني التحرري الفلسطيني والعربي.