Menu
حضارة

قبل أن تضع الحرب أوزارها: نظم العرب نحو إعلان هزيمة أمةٍ بأكملها

جامعة الدول العربية- صورة أرشيفية

خاص بوابة الهدف

ليس على الجمهور الفلسطيني والعربي إدانة الإدانات العربية للعدوان الصهيوني والأمريكي المتمادي على الحقوق الفلسطينية، فلم تصدر مواقف عربية تُذكر ضد الإعلان الأمريكي المرتقب عن تفاصيل خطة تصفية القضية الفلسطينية. وتجاهلت معظم النظم العربية ما يجري، فيما اضطر مندوب فلسطين في جامعة الدول العربية لتقديم طلب من طرفه لانعقاد مجلس الجامعة، مسببًا ذلك بالحاجة إلى استماع الدول العربية لشرحٍ من الرئيس الفلسطيني حول الموقف من هذه الصفقة.يعود آخر مواقف جامعة الدول العربية من صفقة القرن إلى نيسان/ أبريل ٢٠١٩، حين انعقدت الجامعة بناءً على طلب فلسطينيّ أيضًا، دون أن تصدر مواقف جدية بهذا الشأن، فيما انفرد أمينُها العام بتصريحاتٍ اعتبر فيها أن لا مجال للسلام في الشرق الأوسط دون دولة فلسطينية على حدود العام ١٩٦٧؛ في تصريحٍ له استبق انعقاد ورشة المنامة في البحرين، والتي دعت إليها الإدارة الأمريكية بهدف مناقشة أفكار وترتيبات اقتصادية خاصة بصفقة القرن، وحضِرتها جهات عربية رسمية عدة.في الموقف الراهن، دعا الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، السفراءَ العرب والمسلمين إلى عدم المشاركة في مراسم إعلان "صفقة القرن" الأمريكية في واشنطن. وقال أبو ردينة، في بيانٍ حصلت وكالة "سبوتنيك" على نسخة منه "إننا نهيب بالسفراء العرب والمسلمين الذين وجهت لهم دعوات لحضور إعلان صفقة القرن المشؤومة بعدم المشاركة في هذه المراسم التي نعتبرها مؤامرة تهدف إلى النيل من حقوق شعبنا الفلسطيني، وإفشال قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية".الإشكال في الموقف العربي الرسمي الحالي ليس في كونه تجاهلٌ للقضية الفلسطينية فحسب، وتجاوزٌ لمركزيتها في وعي وأولويات الشعوب العربية، بل في مجموعة من الأبعاد والعوامل ذات الخطورة المتناهية والتي تطال مفهوم الوجود العربي في هذه المنطقة، وأمن ومستقبل الشعوب العربية وسيادتها الوطنية وإرادتها السياسية:

ربطت مجموعةٌ من الدول العربية مواقفها ووجودها بالإدارة الأمريكية، في إطار سعيها للحصول على الدعم الأمريكي الذي يتطلب الخضوع للرؤية والأهداف السياسية الأمريكية ومن ضمنها السعي لتصفية الحقوق الفلسطينية.

باتت مجموعة من الحكومات العربية جزءًا من المشروع الأمريكي الجديد/ القديم، للشرق الأوسط والذي يهدف لإنشاء منظومة شرق-أوسطية تضمّ دولة الاحتلال إلى جانب الدول العربية، تشمل أطرًا اقتصادية وأخرى أمنية وعسكرية، أبرز تجلّياتها تلك الخطط المتداولة لإنشاء ناتو شرق أوسطي، وكذلك منتدى غاز شرق المتوسط، هذا بجانب المساهمة المحتملة في تمويل صفقة القرن والمشاريع التي تداولتها ورشة المنامة.

تلجأ نظم عربية عدة إلى الرهان على عقد تحالفٍ مباشر مع الكيان الصهيوني، في مواجهة قوى المنطقة وشعوبها، في إطار موقف هذه النظم الذي يسعى إلى كسب الرضا الأمريكي من خلال التقرب إلى الكيان الصهيوني، بجانب الرهان الذي تكوّنَ لدى هذه النظم على هذا الكيان وقدراته التكنولوجية والأمنية باعتبارها دعائم لمواجهة هذه النظم مع القوى المعارضة للوجود الأمريكي والاستعماري في المنطقة، واصطناعها للعداوات الطائفية مع هذه القوى والاصطفافات العبثية ضد هذه القوى وغيرها.

انهيار عربي رسمي

يراهن الموقف العربي الرسمي اليوم على التضحية بالقضية الفلسطينية، والسماح بتصفية الحقوق الفلسطينية كجزء من رؤيته الجديدة للمنطقة، التي يراها ويرغبها خاضعة تمامًا للنفوذ الأمريكي، وتتشارك فيه هذه النظم العلاقات وأدوات ومنهجيات القمع والإخضاع مع المشروع الصهيوني بأذرعه المختلفة، لكن ما يراه الكثير من المتابعين أسوأ من ذلك بكثير، لاعتبار إدراك طبيعة الكيان الصهيوني الاستعمارية القائمة على الهيمنة والاختراق، وكذلك طبيعة الصراع القائم بين الشعوب العربية وهذا الكيان، والذي يلعب فيه الفلسطيني دور المصد والخندق المتقدم للوجود العربي.

ما يعنيه الموقف الرسمي العربي اليوم، في مقابل الاستعراض الأمريكي والصهيوني الاحتفالي الوقح بإعلان وثيقة استسلامٍ يرغبون بفرضها على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، هو قبول هذا الاستسلام وإعلان الخضوع أمام الإرادة الأمريكية، والاستعداد لخضوع مماثل أمام الكيان الصهيوني رأس حربة المشروع الاستعماري في المنطقة.

إن هذا الموقف في جوهره هو تناقض وقطع تام مع تاريخ الكفاحات العربية ضد قوى الاستعمار، والرفض والتصدي لقوى الهيمنة وفي مقدمتها المشروع الصهيوني، وقبول لإعلان هزيمة أمة بأكملها أمام عدوها الأول بل وأمام مندوب لهذا العدو.
ورغم عدم تكافؤ منسوب القوة المادية بين الوجود العربي وقوى الهيمنة والاستعمار، إلا أن ما يحدث لا يترجم حقيقة المعادلة الصراعية القائمة في المنطقة، فالإدارة الأمريكية عاجزة ولا تتوفر لديها الإرادة والرغبة لحماية حلفائها، والكيان الصهيوني تلقى ضربات موجعة خلال العقدين الأخيرين، وقوى المقاومة في تصاعد مستمر.

الحديث هنا ليس عن سلوك برجماتي تقوم به نظم انتهازية تسعى لمصالحها، ولكن عن سلوك انتحاري في درجة استسلاميته للعدو، وأكثر جنونًا وانتحارية في درجة عدائه لكل قوى المقاومة والتمرد على الهيمنة الاستعمارية، هو استبطانٌ لذات المستعمر لدى نظم مهزومة حتى نخاعها.

في هذا الظرف يبدو الرهان على الشعوب وقواها الحية، مسارًا محتومًا وضرورة تاريخية، بدعم هذا الرهان بكل تحرك وخطوة ممكنة من تلك القوى المتمسكة بالحقوق العربية، وبأبسط معاني الهوية والوجود العربي، الذي تريد هذه النظم التضحية به، بل وإلقاءه لقمةً سائغةً للعدو، في ذروة لحظات جبنها وتذوتها للهزيمة.