Menu
حضارة

"ضم المثلث".. خديعةُ الصفقة

بيسان الشرافي

تظاهرة رافضة لصفقة القرن - ارشيف

فلسطين المحتلة_ بوابة الهدف

عشرة مُدنٍ وقُرى في منطقة "المثلث" في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، تُخطط الإدارة الأمريكية ودولة الاحتلال "الإسرائيلي" لضمّها إلى نفوذ السلطة الفلسطينية، وفق ما جاء في ثنايا الخطّة التصفوية التي خرجت بها واشنطن علينا، وكشفت عنها رسميًا، في مؤتمرٍ صحفيّ عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يوم 28 يناير 2020، بحضور نتنياهو، وعدد من الدبلوماسيين العرب.

المخطط الهادف إلى إعادة ترسيم حدود "إسرائيل" على حساب أرض فلسطين التاريخية، يقترح ومن منطقٍ استعماريّ فوقيّ وقح "ضم تجمعات المثلث، المكوّنة من كفر قرع وعارة وباقة الغربية وأم الفحم وقلنسوة والطيبة وكفر قاسم والطيرة وكفر برا وجلجولية، لسيادة الدولة الفلسطينية المستقبلية" باستثناء قرية جِت وقُرى زيمر، لموقعهما الإستراتيجي والجغرافي المرتفع المطل على الساحل من الجهة الغربية وعلى الضفة من الجهة الشرقية.

وتقول الصفقة إنّ "هذه التجمّعات السكنية تُعرّف نفسها على أنّها فلسطينية"، وكانت تحت السيطرة "الإسرائيلية" منذ (محادثات هدنة 1949)، التي نصّت على أن تخضع للسيطرة الأردنية، لكن "إسرائيل" أبقت عليها تحت سيطرتها لأسباب أمنية.

بوابة الهدف تحدّثت إلى عضو المكتب السياسي ل حركة أبناء البلد ، في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، محمد كناعنة، لتبيان موقف الأهالي في تلك المناطق، وماهيّة ردة الفعل على ما تضمّنته الخطة الأمريكية، فقال "إنّ صفقة القرن تأتي في سياق المؤامرة الاستعمارية الإمبريالية الصهيونية على فلسطين، وليست أمرًا جديدًا، بل استكمالًا لما حصل على مدار 100 عامٍ ويزيد، منذ وعد بلفور وصولًا إلى اتفاق أوسلو الذي أسس للصفقة التصفويّة لتُنفّذ في هذه المرحلة".

وأضاف كناعنة، في حديثه "للهدف" أنّه "لا يجب أن نستغرب من هذه المقترحات التي تسعى لمزيدٍ من تفتيت الشعب الفلسطيني، فالحديث يدور عن ضمّ الأغوار للكيان، وضم منطقة وادي عارة للضفة، وانتزاع مناطق من القدس ، وإعلانها عاصمة أبدية لكيان الاحتلال".

ويدور الحديث عن 170 ألف دونمٍ هي مساحة منطقة المثلث التي يُراد لها أن تكون جزءًا من "الدولة الفلسطينية المستقبلية"، هذا الفُتات الذي تُريد أمريكا و"إسرائيل" منحه للأهالي- سكّان المثلث- الذين كانوا أنفسهم يملكون أكثر مليون دونمٍ، قبل النكبة بالعام 1948.

وفي الوقت الذي لا ينظر الفلسطينيّون إلى هذه المخططات الهادفة لتصفية الحقوق الوطنية التاريخية باعتبارها أمرًا غريبًا مُستهجَنًا، رأى كناعنة أنّه "لا يجب التقليل من خطورتها، ومن أهمية التصدي الجاد والحقيقي لها". وزاد "الفلسطينيّين كانوا يملكون كل فلسطين قبل العام 1948، إلى أن بدأ الاستعمار الصهيوني بالاستيلاء على أرضنا، دونمًا بعد آخر، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه الآن".

لماذا قُرى وادي عارة؟

أجاب كناعنة على هذا التساؤل بالقول إنّ "كيان الاحتلال يُريد الخلاص من "الأقليّة" المُزعجة له"، مُبيّنًا أن هذا الإزعاج يمتدّ على عِدّة جوانب، أوّلها العقلية المُقاوِمة، وثانيها: الخطر الديمغرافي، رغم الأهمية الإستراتيجية التي تتحلّى بها منطقة وداي عارة.

وأوضح أنّه معروفٌ عن وادي عارة أنّها "منطقة كثيفة السكان- 300 ألف فلسطيني- وتتميّز بالتصدّي المستمر والمُتجدّد لمشاريع الاحتلال المعادية للحقوق الفلسطينية، والوقوف إلى جانب القضايا الوطنية التي تهم كل الشعب الفلسطيني، وهي منطقة حيويّة من حيث التحرّكات الشعبية كذلك، فكل المظاهرات المناهضة لمشاريع الاحتلال مركزُها وادي عارة، وعليه تُريد (إسرائيل) التخلص من هذه المجموعة المزعجة لها".

ونوّه كناعنة إلى أنّ ضم هذه المنطقة إلى الضفة سيكون مقابل قضم أكثر من 35% من أراضي الضفة للكيان، ويعني هذا أنّ الاحتلال يُريد التخلّص من أراضٍ- كان يُسيطر عليها- يقطنها فلسطينيّون بمقايضتها مع أراضٍ بالضفة مأهولة بمستوطنين، لإعادة التوزان للتركيبة الديمغرافية، وفق رؤيته ومخططاته.

ومن السذاجة الترويج أنّ رفض الفلسطينيين في وادي عارة الانضمام إلى "الدولة الفلسطينية" التي تُروج لها الصفقة، سببه عدم رغبتهم بالانضمام إلى الضفة، ويتجاهل هذا الاحتلال أنّ الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم يحلمون باليوم الذي يُصبحون فيه مواطنينَ في دولةٍ فلسطينية، لكنّ ليس كما يُريد الاحتلال لها أن تكون، مُجتزأة مُفتّتة مُشرذمة الأوصال، رهنَ السيادة الأمنية الصهيونية، بل دولةً حرة مستقلة كاملة السيادة على كامل التراب الوطني.

مُراوغة مكشوفة.. مرفوضة

وهذا ما تحدث به كناعنة، إذ قال "شرفٌ لنا أن نكون جزءًا من دولةٍ فلسطينية"، مُؤكّدًا "نحن شعب واحد- في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي الضفة المحتلة-، ولن يُضير وادي عارة أن يكون تابعًا للضفة، بل هذا شرفٌ له؛ أن يكون جزءًا من المناطق الفلسطينية، مع التأكيد على أنّ فلسطين كتلة واحدة لا تتجزأ، من النهر إلى البحر".

وتابَع "منطقة وادي عارة والضفة المحتلة، هي منطقة واحدة تاريخيًا، كانت وستبقى كذلك رغم وجود الاحتلال، ولن تُغير الصفقة الأمريكية من طبيعية انتماء هذه المناطق للقضية الوطنية وللشعب الفلسطيني".

وبيّن أنّ "الأهالي يُدركون حقيقة المخطط الأمريكي الصهيوني، المُسمّى صفقة القرن، ويرفضون قطعًا انتزاعَهم من محيطهم الطبيعي، ونقلهم بشكل تعسفي إلى محيط آخر، في إطار منعٍ أمنيّ- مستقبلًا- عن التواصل عن أهلهم ومعارفهم، ففي الداخل المحتل هناك علاقات قرابة ونسب وصداقة، والصفقة ستحدّ من هذه العلاقات بشكل تعسفي على أساس أمني، والهدف فقط (حماية أمن إسرائيل)".

وشرح القيادي بحركة أبناء البلد حقيقة ما تُخطط له دولة العدو الصهيوني، قائلًا "إنّ الأمر لا يقتصر على نقل مجموعة سكانية كبيرة إلى منطقة أخرى، فما سيجري هو عزلٌ لعشرات الآلاف من الناس عن أبنائهم وبناتهم في قرى أخرى مجاورة، في تكرارٍ لكارثة جدار الفصل الصهيوني الذي قسّم القرى وفرّق العائلات الفلسطيني وعزل الأهالي عن محيطهم، وكأنّ الوجود الديمغرافي الفلسطيني في هذه المنطقة يضرّ بأمن الاحتلال وهذه هي العقلية الاستعمارية الإرهابية".

وفي الوقت الذي لم تفصل فيه الخطة الأمريكية الآلية التي سيتم فيها نقل المناطق إلى الضفة، واقتطاع الأراضي من الضفة وضّمها للكيان، شكّك كناعنة في إمكانية تنفيذ هذا المخطط أصلًا، الذي رجّح أن الآلية ستكون بإزاحة جدار الفصل والضم الصهيوني.

لكنّ أوضح أنّه "حتى لو تمّ نقل قرى بدون عملية تهجير مُباشر للأهالي من البيوت، يبقى المخطط المذكور جريمةَ تهجيرٍ؛ تهجيرٌ للأهل عن الأهل، تهجيرٌ الناس عن محيطهم وامتدادهم الطبيعي، وعن علاقاتهم الاجتماعية والأسرية والإنسانية مع محيطهم".

كيف التصدّي؟

بيّن كناعنة أنّ التصدي للمخطط الأمريكي الصهيوني سيكون "من باب رفضنا النقل التعسفي بهذه الطريقة الاستعمارية الفوقية، وليس بالتأكيد من باب رفضنا أن نكون جزءًا من الضفة الغربية أو من دولة فلسطينية".

وشدّد على أنّ "حجر الأساس والمسار الحاسم والفاعل الآن هو النضال الجماهيري والشعبي في مواجهة الصفقة،.. وما يملكه الأهالي الآن في الداخل المحتل هو التظاهر والخروج إلى الشارع والتعبير عن الغضب ورفض المخطط التصفوي".

ولفت إلى أنّ "حركة أبناء البلد بادرت إلى اعتصاماتٍ، وتُواصل التنسيق مع سائر القوى السياسية في الداخل، لتنظيم المزيد من الفعاليات والنشاطات الشعبية في سبيل تثوير الشارع الفلسطيني لتكون هناك تحرّكات قوية ومؤثرة ترتقي لمستوى خطورة هذا الحدث الذي يمسّ الكلّ الفلسطيني".