Menu
حضارة

عن شعبٍ اختار المواجهة

تظاهرات - ارشيف

خاص بوابة الهدف

خيوطُ الدمِ التي امتدّت من حيفا لتروي ترابَ القدس ، ومن القدس إلى القدس، وتلك السواعد والهمم الراسخة التي اندلعت في شوارع ضفة الصمود، قالت: لا لتصفية الوجود، ونحر الأرضِ، وقتل الصمود، وقفت مقاتلةً لتقول كلمتها في وجه كل العبث، بالهوية والأرض والإنسان.

الحقيقةُ هنا، أنّ هذا الرفض والصمود لم يكن في مواجهة العدو الصهيوني وحده، وإنّما في وجه كل مشروع التسوية والمراهنين عليه، وضد موقف الهزيمة الذي اتخذه الكثير من العرب، وعجز فلسطيني غير مسبوق قدمته الجهات الرسمية باعتباره ذروة سنام الصمود.

في هذه البلاد، لا زال هناك شعبٌ يُشهِرُ دمه وقبضته، فيما تتواصل أشكال التخاذل الرسمي في اللعب ضده، ويستمر الرهان على مشروع التسوية العبثي كمسار فاعل يقوض هذه النضالات ويزيد من صعوبات المعركة. وفي الأفق العربي انتقلت غالبية المواقف الرسمية العربية- وبشكل شبه جماعي ومتزامنٍ- إلى موقف التآمر على القضية الفلسطينية، والخضوع التام للرؤية الأمريكية الصهيونية، وهنا تتضح حقيقة الصراع أكثر من أيّ وقتٍ مضى، كصراعٍ بين شعوبٍ تقاتلُ لأجل حياةٍ وغدٍ أفضل، تعيش فيه حرّيتها واستقلالها وتُقرر فيه مصيرها وتتصرف في مواردها، وبين المنظومة الاستعمارية وأذنابها وأدواتها.

هجمة دونالد ترامب كانت ستنكفئ في أيامها الأولى لو وجدت موقفًا عربيًا واضحًا حاسمًا، لكنّ كل هذا التمادي يأتي من الخرق الكبير لجبهتنا العربية، ومن التراجع الكبير في سقف الموقف الفلسطيني منذ أوسلو، والرهانات الكارثية على مشروع التسوية العبثي من قبل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية.

لم ينتهِ التاريخُ، والمعركة مستمرة كما تقول لنا تضحيات الشهداء في كل يوم، ولا زالت أمامنا فرصٌ واضحة لاستعادة بوصلتنا الوطنية، ووحدة هويتنا والتفافنا الوطني في مواجهة الاحتلال، لكن على قاعدة إدراك واجب وحتمية المواجهة للمشروع الصهيوني، ونفض كل تلك الأوهام حول التعايش معه أو التسوية بين القتلة والضحايا.

أثبتت الأعوام الطويلة الماضية أنّ التراجع في سقف الموقف السياسي الفلسطيني لم يحسن الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، ولم يقدم للشعب الفلسطيني شيئًا من حقوقه، ومقولات التسوية أصبح أقل ما يقال عنها "بذاءاتٍ" تعبّر عن الحُمقِ وهزيمة الإرادة.

اليومُ، إنّ الكلمة حقٌ لهذا الشعب الأبيّ، والمبادرة له، ينتزعها في ميادين الصمود وساحات المواجهة، ويعلنها واضحةً، وهو ما يعني وجوب انحياز كل تلك القوى المؤمنة بحرية هذا الشعب لجماهيره، وللقرار الواضح من هذه الجماهير بمزيد من الصمود، ويعني أيضًا أنّ تنظيم الجماهير لذاتها هو عنوان المرحلة، وواجب القوى التقدمية والمنحازة لهذه الجماهير.

إنّ إطلاق طاقات شعبنا في مواجهة الاحتلال يحتاج فعلًا إلى ما هو أكثر من المشاعر الغاضبة، ويحتاج إلى الكثير من التنظيم، وهذا كله يستطيع شعبنا إنجازه، بل إنّه قادرٌ على استبدال كل متخاذلٍ عن دوره الوطني. والسؤال اليوم وإجاباتنا عنه- جميعًا كأفرادٍ وجماعاتٍ وقوى- ستكون مطروحة أمام محكمة التاريخ.