Menu
حضارة

في العلاقة بين اللغة والأمة

يوسف مكي

ارتبط المفهوم المعاصر للأمة، بتطور العلاقة بين أدوات وقوى الإنتاج في أوروبا. وكان نشوء الدولة القومية، قد ارتبط بهذا التطور. لكن العنصر الاقتصادي لم يكن العامل الوحيد في تأسيس الدولة القومية. ولو كان الأمر كذلك، لما تشكلت الدول الأوروبية الحديثة، في معظم الحالات، على مقاس لغاتها، التي كانت في الأصل لهجات انبثقت من اللغة الأم، اللغة اللاتينية.
في علاقة اللغة بتشكل الأمة، اقتبس معظم مفكري الحركة القومية العربية، وعلى رأسهم ساطع الحصري، نظرتهم إلى الحركة القومية، من التراث الأوروبي، واعتمدوا اللغة كعنصر حاسم في تشكل الأمة العربية. وفي يقيننا، أن سبب ذلك لا يعود فقط إلى التأثر بالفكر السياسي الأوروبي المعاصر، بل أيضاً بالموروث العربي، حيث تشكلت الحضارة العربية الإسلامية، استناداً إلى الفتوحات العربية، وإلى اللغة العربية، التي بقيت اللغة المركزية في تلك الحضارة. بمعنى أن القومية العربية، لم تكن حاصل تلاقح مع الفكر الأوروبي فحسب، بل أيضاً نتيجة وضع أنشأه التاريخ.
جمعت اللغة اللاتينية، معظم دول القارة الأوروبية، تحت سقفها. لكن هذه اللغة، شأنها شأن مختلف لغات العالم، حملت لهجات مختلفة، وذلك بسبب الانقطاع في الجغرافيا، فيما قبل الثورة الصناعية، وتطور مختلف أشكال النقل الحديثة. وقد أدى التباعد بين اللهجات اللاتينية، إلى أن تمسي كل لهجة لغة مستقلة قائمة بذاتها. وحين تشكلت الدول الأوروبية الحديثة، وفي مقدمتها ألمانيا بسمارك، وضعت حدودها على أساس اللغة.
ومن هنا فإن الاستخدام الحديث للدولة المعاصرة، في القارة الأوروبية، يتطابق مع مفهوم الأمة. ومن هنا جاء تعبير الدولة القومية Nation State. والإشارة هنا إلى أقوام ينطقون لغة مشتركة، ويعيشون في جغرافيا مشتركة، ضمن حدود حكومة تمارس سلطتها في حدود هذه الجغرافيا.
ومن هنا حالة الارتباك، التي نشهدها في القاموس العربي الحديث، تجاه مفهومي الأمة والدولة، كونهما في الواقع العربي، منفصلان تماماً. فالأمة رغم كل العناصر الإيجابية، التي تحرض على وجودها في شكل دولة، ليست قائمة، رغم كونها مثلت طموحاً كبيراً، لدى نخب عربية واسعة، منذ منتصف القرن الثامن عشر، لكن تحقيقها كان ولا يزال رهن بالإرادة والقدرة، وليس للعرب في حاضرهم، ما يشير إلى توفر القدرة أو الإرادة من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل.
لا يوجد في اللغات الحية الأخرى، تمييز واضح بين الوطني والقومي، لأن حالة الارتباك ليست موجودة لديهم. فالدولة الحديثة، التي ارتبطت بالثورات الصناعية، قامت على أسس قومية، ومن هنا فليس هناك تضارب بين مفاهيم الدولة والأمة والوطن، فكلها تشير إلى جسد واحد، مستند إلى هياكل عصرية.
ركزت حركة اليقظة العربية، على اللغة كعنصر حاسم، ووحيد في تشكيل الأمة العربية. أما الجغرافيا والتاريخ، فإنها عناصر مهمة في تشكل الأمة، لكنها جميعاً، تحيل إلى الناطقين باللغة العربية، وليست معنية بغيرهم. وربما كان اعتبار اللغة حاملاً حاسماً في تشكل الأمة العربية، إبان حركة اليقظة، أمراً طبيعياً، فسكان بلاد الشام، في غالبيتهم هم من العرب. وما هو متواجد من أكراد وشركس وأرمن في تلك الفترة، اعتبروا بحكم الضيوف الوافدين، لبلاد الشام، وليسوا من السكان الأصليين. لكن هذه الحال، لا تنسحب على العراق، والوجود الكردي فيه. كما لا تنسحب على السودان ، التي ينتمي سكان الجنوب فيها، وأيضاً وضع الإخوة الأمازيغ، المتواجدين في عدة بلدان عربية.
لكن ذلك، أوجد معضلة أخرى، في الواقع العربي. فتجاهل انتماء غير العرب للأمة، جعلهم يشعرون بأن انتماءهم للبلدان العربية، منتقص وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وقد شجع هذا الواقع على بروز نزعات انفصالية، بدأت تفصح عن نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في خط بياني متصاعد، كما هي الحال في شمال العراق وجنوب السودان، والأطروحات التي تبرز بين فينة وأخرى، لأقليات تعتبر نفسها من أجناس عرقية مختلفة.
يعيدنا ذلك، إلى عناصر تشكل الأمم. فهناك أمم عريقة كالهند والصين، تضم عشرات اللغات، ومع ذلك تشكل كل منها أمة واحدة. وعنصر تشكيل هذه الأمة ليس اللغة، بل الجغرافيا الموحدة والعيش المشترك. وفي هذا السياق، لا مناص من المراجعة المستمرة، للفكر السياسي العربي، وتطويره على أساس يضمن حقوق المواطنة والعيش المشترك، والدفاع عن الأمن القومي والوطني للأمة العربية.