Menu
حضارة

صفقة القرن لن تمر

د. كريمة الحفناوي

فى إطار حلقات اغتيال حقوق الشعب الفلسطينى والقضاء على القضية الفلسطينية نعيش حلقة جديدة بعنوان "صفقة القرن"، فبعد أكثر من 100 عام على وعد بلفور البريطانى المشئوم والذى اُطلِق عليه أعطى من لا يملك لمن لا يستحق. يجيء الرئيس الأمريكى (التاجر) ترامب ليعطى للكيان الصهيونى الغاصب أرض فلسطين وعليها هدية بل قل هدايا كثيرة؛ منها قيام دولة يهودية على أرض فلسطين العربية، ويضم لها المزيد من أجل استتباب أمن العدو؛ غور الأردن وشمال البحر الميت وأراضى الضفة الغربية المقام عليها المستوطنات، وبضم أرض الجولان السورية المحتلة، بل وسبق ذلك اعتراف الواهب المانح الجالس فى البيت الأبيض الأمريكى ب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس فى سابقة لم يجرؤ أى رئيس قبله لفعلها، وعلى الفلسطينيين والعرب أن ينسوا القضية، فلقد آن الآوان لتصفيتها وعلى الشعب الفلسطينى أن يرضى بأقل القليل تحت القهر والإذعان حتى لو كان القليل؛ لا نص ولا ربع، بل أقل من 15% من أرضه، وعليه أن يصمت ويتم نزع سلاحه ويأخذ دويلة منزوعة السلاح ويصبح أصحاب الأرض الحقيقيين أقلية، وكفاية عليهم حكم ذاتى فى الدولة اليهودية. ومن المعروف أنه سبق هذا محاولة إغراء الفلسطينيين فى مؤتمر بدولة البحرين بأنهم لو قبلوا ذلك سنجعلهم يعيشون فى نعيم ورخاء وسنشيد لهم مطاراً وميناء،ً بل ومشروعات توفر فرص عمل. وطبعا من سيُموِّل هذه الصفقة دول الخليج، وعندما رفض الفلسطينيون ذلك وردوا لن نفرط فى أراضينا، ولن نفرط فى حق عودة اللاجئين، ولن نفرط فى القدس العربية، لن نبيع بلادنا مقابل أن نأكل (الحرة لاتأكل بثدييها)، وهذه شيم العرب. عندما رفض الشعب الأبى البطل ذلك كان الرد إعلان الصفقة الآن مع العمد وسبق الإصرار. ولم يخف على أى متابع أن إعلان الصفقة، ليس فقط استكمالا للمخطط الصهيوأمريكى لإعلان الدولة اليهودية ودخول الحكومات العربية فى علاقات طبيعية معها، ولكن لفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد وفى القلب منه دولة اسرائيل القوية المحمية بطاقاتها النووية وقنابلها النووية، وتصفية القضية الفلسطينية واستبدال العدو الصهيونى بعدو آخر هو إيران، وعلينا نحن العرب أن نصطف وراء وبجانب إسرائيل لحماية أمنها من المقاومة المشروعة الفلسطينية ضد الاحتلال؛ باعتبار أن المقاومة  إرهاب.

لماذا فى الانتخابات القادمة؛ فنتنياهو يعانى من فشله فى تشكيل حكومة للمرة الثانية وستقام انتخابات على الأبواب فى أوائل شهر مارس القادم يريد نتنياهوا الفوز بها مع تشكيل الحكومة ليتحصن ضد محاكمته بالفساد هو وزوجته.

 أما بالنسبة لترامب فهو يعانى من الفساد أيضا ويتعرض للمساءلة بشأن استغلال منصبه لمصلحتة الشخصية على حساب الدولة، للنجاح فى ولاية ثانية لحكم الولايات المتحدة الأمريكية فى الانتخابات القادمة، كما أنه فى الوقت الذى نجح فيه فى جلب الأموال من دول النفط العربى لصالح الاقتصاد الأمريكى فشل فى العديد من سياساته الخارجية ومنها الحرب التجارية مع الصين والانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى لتركيع إيران والتهديد بالحرب وفشله فى أفغانستان و سوريا ومحاولة إخضاع كوريا الشمالية وفشل سياساته بشأن دعم الانقلاب فى فنزويلا على الرئيس الشرعى مادورو؛ وأدت كل هذه السياسات إلى الإضرار بعدد من حلفائه فى أوروبا وغيرها من الدول. كل هذا وضع ترامب فى مأزق جعله يريد كسب كل أصوات اللوبى اليهودى فى أمريكا، مما مهد لإعلان صفقة القرن الآن بالمخالفة لكل الشرائع والقرارات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بل والإنسانية.

استيقظ مارد الشعوب العربية وفى القلب منه الشعب الفلسطينى، فهبوا فى مواجهة الصفقة بصفعة قوية لمن شارك وأعلن ووافق على صفقة الاستسلام وقالوها بصوت عالٍ (صفقة العار لن تمر)، وهزت أركان الكون صرخة ( مابتمر هاى الصفقة ما بتمر....شعبى حر مابيتنازل شعبى حر).

وتردد صدى الصرخة فى أرجاء العالم فجاءت الردود من الشعوب الحرة برفض الصفقة ومن بعض دول العالم التى رفضتها لمخالفتها للقرارات الدولية، وكونها تؤدى إلى تفاقم الأزمة لا إلى حلها كما رفض وزراء الخارجية العرب بالإجماع صفقة القرن. وكان الموقف القوى الفلسطينى فى اتفاق كل الفصائل على رفض الصفقة وانتفاضة الشعب الفلسطينى من أجل دولته وعاصمتها القدس ومن أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم فى فلسطين،ومن أجل إنهاء الانقسام الفلسطينى – الفلسطينى وأيضا قطع العلاقات مع أمريكا وإسرائيل شاملة التنسيق الأمنى مع اسرائيل والمطالبة بإلغاء اتفاقيات أوسلو.

واذا انتقلنا على الجانب الآخر من الأراضى المحتلة؛ نجد أن أمنيين وعسكريين إسرائيليين حذروا فى سبتمبر الماضى من خطر ضم الضفة، ووقعوا على عريضة تطالب باستفتاء شعبى قبل أى قرار يفرض تحويل السيادة على هذه المنطقة إلى اسرائيل، وخصوصا أن ضمها من دون اتفاق سياسى سيجلب ردودا من شأنها المس بأمن اسرائيل واقتصادها، وحتى مكانتها الإقليمية والدولية، وطالعتنا صحف الأسبوع الماضى الإثنين 3 فبراير بتأجيل احتماع كان مقررا لإقرار ضم المستوطنات اليهودية فى الضفة المحتلة ومنطقة الأغوار لسيادة إسرائيل، بحسب ما تنص عليه "صفقة القرن" بعد الرفض الأمريكى لضمها، إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية فى 2 مارس المقبل وتشكيل حكومة جديدة.

من الطبيعى أن يهب الشعب الفلسطينى والعربى لاستعادة الحق والأرض والمقدسات؛ فالأمن القومى المصرى والعربى يمر عبر بوابة فلسطين فدماء الشهداءالعرب تشهد على ذلك، ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين تشهد على ذلك، وعذابات الأسرى فى سجون المحتل الصهيونى الغاصب تشهد على ذلك، ومعارك العزة والكرامة وانتفاضة أطفال الحجارة ومسيرات العودة الكبرى كل جمعة تشهد على ذلك، ومفاتيح الدور المعلقة فى صدور النازحين واللاجئين تشهد على ذلك.

إن الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط  وفى القلب منها الشعب المصرى ترفض صفقة العار والخيانة، والتاريخ يعلمنا أن المقاومة الشاملة (التى تجمع بين المقاومة المسلحة والمقاومة السياسية والقانونية أمام كافة المحافل والمحاكم الدولية) هى الحل. كما أن المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية للوقوف صفا واحدا أمام العدو المحتل هى الحل وخاصة فى ظل تردى الوضع العربى نتيجة الانشغال بالأزمات الداخلية وانتفاضات وثورات الشعوب فى بعض البلدان العربية ضد الفساد ونهب الثروات وضد الطائفية وللمطالبة بتحسين الأحوال المعيشية فى السودان والجزائر ولبنان والعراق هذا غير استمرار البؤر المشتعلة بالصراعات والحروب فى سوريا واليمن وليبيا، وفى ظل انبطاح غالبية الأنظمة العربية وتبعيتها للرأسمالية المتوحشة المعسكرة الكبرى والمتمثلة فى البيت الأبيض الأمريكى وحاكمه تاجر الصفقات دونالد ترامب وخضوع تلك الأنظمة لسياساته الرامية إلى الحفاظ على أمن إسرائيل وفى ظل هرولة تلك الأنظمة للعلاقات الكاملة والتطبيع الكامل مع العدو الصهيونى بلا أى مقابل غير مصلحتهم الشخصية فى البقاء على عروشهم، وذلك على حساب الدم العربى والأرض والمقدسات العربية.

إننى اؤكد على ما ناديت به عدة مرات من تكوين الجبهة الشعبية العربية لمواجهة الحلف الصهيونى الأمريكى مع الأنظمة العربية الخانعة، من أجل تحقيق أمال الشعوب فى العدالة الاجتماعية والكرامة والعزة ومن أجل إقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة على كامل التراب الفلسطينى من البحر إلى النهر وعاصمتها القدس الشريف ومن أجل عودة اللاجئين ومن أجل التصدى لإفشال تلك الصفقة اللعينة، جبهة شعبية يكون إحدى مهامها الأساسية إحياء لجان المقاطعة الشعبية للسلع الصهيونية والأمريكية ومقاطعة العدو الصهيونى فى المهرجانات والمعارض الدولية الخاصة بالفنون والرياضة والثقافة وغيرها.

إن دم الشهداء الذكى سينفجر طوفانا يغرق العدو الغاصب ويعيد الحق إلى أصحاب الأرض.

تسقط صفقة القرن بنضال الشعوب ويحيا كفاح الشعب الفلسطينى البطل والمجد والخلود للشهداء