Menu
حضارة

صفقة القرن.. نسفٌ لحق العودة بفبركات تاريخية

المقداد جميل مقداد

غزة _ بوابة الهدف

تستعرض صفقة القرن الأمريكية، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب أواخر شهر كانون الثاني/ يناير، قضية اللاجئين الفلسطينيين، بطريقةٍ جديدة، تبدو مُهينة، كما لم تُطرح من قبل أمام المجتمع الدولي أو في محادثات السلام التي استمرّ الرهان طويلًا على إمكانيّة تمخّضها عن حلٍ للصراع.

الرؤية الأمريكية الصهيونية لإنهاء قضيّة اللاجئين، والتي اطّلع عليها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو منذ 3 سنوات، تستصغر وتُقلّل من معاناة اللاجئين التي استمرّت أكثر من سبعة عقود، ولا تزال تداعياتها تتواصل وتتفاقم، جراء سرقة أرضهم وتهجيرهم من منازلهم وقُراهم، فالصفقة اعتبرت قضية اللاجئين "جزءًا من قضية جمعيّة" لجُموعٍ من المُهجّرين واللاجئين في المنطقة.

جاء في مقدمة الخطّة الأمريكية "تسبّب الصراع العربي الإسرائيلي بمشكلةٍ للاجئين الفلسطينيين واليهود على حد سواء، تقريباً نفس العدد من اليهود والعرب شرّدهم الصراع. تم قبول جميع اليهود تقريباً منذ ذلك الحين وإعادة توطينهم بشكل دائم في إسرائيل أو في بلدان أخرى حول العالم. لكن العرب الذين نزحوا بأعداد كبيرة للغاية، تمّ عزلهم ومُنِعوا من العيش كمواطنين في العديد من البلدان العربية في المنطقة".

مرجعية جديدة مبنية على الأوهام

الباحث في الشؤون السياسية عماد أبو رحمة، رأى أنّ صفقة ترامب تؤسس لمرجعية جديدة لحل موضوع اللاجئين يقوم على تصفية قضيتهم "فهي لا تعترف بهم، وهم الذين يجب حل مشكلتهم بناءً على القانون الدولي والشرعية الدولية والقرار 194، لكن الصفقة لا تتحدث عن عودة، وإن كانت هناك عودة فيُشترط أنّ تكون بموافقة إسرائيل ووفق اعتبارات أمنها".

وأشار أبو رحمة، خلال حديثه لبوابة الهدف، أن الصفقة "تربط كل شيء بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، فيمكنها أن توافق على عودة بعض اللاجئين إلى مناطق الدولة الفلسطينية –المزعومة- أو لا توافق، وفقًا لاعتباراتها، أمّا عودتهم إلى ديارهم التي هُجّروا منها فهذا غير مطروح تمامًا، وبالتالي غير ممكن".

"الصفقة تتحدث بوقاحة عمّن أسمتهم (اللاجئين اليهود) من الدول العربية وضرورات تعويضهم، يصل الأمر إلى هذا الحد!"، يُوضّح أبو رحمة مُستهجِنًا "هذه النقطة تقوم على مغالطة تاريخية، ومحاولة لقلب الحقائق، فهؤلاء الذين تتحدث عنهم مستوطنون جاؤوا على حساب شعبنا وحقوقه وتم إحلالُهم- من مختلف بِقاع الأرض- في الأرض الفلسطينية، على أنقاض منازل وقرى الأهالي، في عملية تهجير واسعة النطاق، واستيطان استعماري صهيوني".

وتابع الباحث الفلسطيني أن "عملية التهجير التي تمّت بحق اليهود، وفق ما تصوّره الرواية الصهيونية، تحتوي على مغالطات كبيرة، فالحركة الصهيونية بذلت جهودًا كبيرة لإقناع اليهود العرب بأن يأتوا إلى فلسطين، والمفارقة في هذا، أنّ الإسرائيليين أنفسهم- حتى غلاة المتطرفين- لا يُسمّون هؤلاء (لاجئين) بل يقولون عنهم (عوليه حداش)، بمعنى "الصعود"، أو من يهبط أو "رجِعَ"، وهي مفاهيم توراتية، أي أنّه "لا يتم التعامل مع اليهود القادمين إلى فلسطيني على أنهم لاجئين، بل أصحاب أرض حقيقيين".

وتطرّق أبو رحمة إلى نصٍ تضمّنته الصفقة يقول "لن يتم نزع أيّ من السكان من أماكن سكنهم"، مبينًا أن هذا النص يبدو وأنّه يتحدث عن الفلسطينيين، لكنه يخص المستوطنين في المناطق المحتلة عام 1967، التي اعترفت بها الأمم المتحدة أنها دولة فلسطينية محتلة".

ووفق أبو رحمة "تستجيب الرؤية الأمريكية بشكل كامل لمشروع ومقولات اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يقوم على تصفية الحقوق الفلسطينية بشكل عام- بما فيها قضية اللاجئين- وإيجاد حلول خارج نطاق العودة أو التعويض، ومنها عملية التوطين التي لا تسمح بأيّ عودة للّاجئين إلى المناطق التي هُجّروا منها، ما يعني تصفية قضيتهم بشكل كامل، وهذا هو المقصدون من أنّ الصفقة الأمريكية تُقدّم تصورًا جديدًا ومختلفًا لقضية اللاجئين، إذ استصغرتها ووضعها في إطار (مشكلة لجوءٍ عامّة أدت إليها النكبة عام 1948)، وشبّهت اللاجئين الفلسطينيين بمن أسمتهم (اللاجئين اليهود، الذين هربوا من الدول العربية مُجبَرين، واستضافتهم إسرائيل)".

بهذا، تُسوّق الإدارة الأمريكية نفسها على أنّها أكثر تطرّفًا وغلوًا من اليهود اليمينيين أنفسهم، من خلال هذا الطرح، يقول أبو رحمة، ويُكمل عن (هجرة) اليهود من الدول العربية إلى فلسطين المحتلة، مُبيّنًا أنّ "الحركة الصهيونية بذلت جهودًا جبارة في كل الدول العربية لهذا الغرض، وغالبية من غادروها باتجاه فلسطين المحتلة قدِموا قبل الإعلان عن قيام (إسرائيل)، إذ جاؤوا كأيدي عاملة رخيصة في المستوطنات والمزارع".

ولفت إلى أنّ "شواهد تاريخية عدّة أكّدت تورّط الحركة الصهيونية وافتعالها عمليات تفجير في دول عربية، وفي كُنس بالتحديد، وغيرها من ممارسات الملاحقة والاستهداف، لإرهاب اليهود العرب، واستقطابهم للسكن في (إسرائيل)، كما حدث ليهود العراق".

استهداف ممنهج لقضية اللاجئين

الرؤية الأمريكية التي تنسف حق العودة لك تكُن فاتحة استهداف هذه القضيّة، المعترف بعدالتها عالميًا، فمُسلسل ومحاولات شطب هذا الحق لم تتوقف قط منذ عام النكبة، واشتدّت الهجمة الصهيونية والأمريكية ضدّ اللاجئين في السنوات الأخيرة، مع وقف الولايات المتحدة تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بالكامل، بعد سلسلة من التقليصات، وهي- الوكالة- الممثل القانوني لأكثر من 5.5 ملايين لاجئ فلسطيني حول العالم، تُقدم لهم الدعم والإغاثة بأشكالها المتعددة، منذ نكبتهم وتهجيرهم على يدّ العصابات الصهيونية عام 1948.

د.أحمد أبو هولي، مسؤول دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، لفت إلى أنّ "الاستهداف اشتدّ عندما أخذت إدارة ترامب قرارًا بقطع المساعدات الأمريكية، التي تقدّمها لموازنة الأونروا، وقيمتها 265 مليون دولار، وكان هذا إجراء مالي لكن بأبعادٍ سياسيّة، إذ هدف إلى تقليص الخدمات وتشكيل الخطر على مجتمع اللاجئين، تمهيدًا لإغلاق الوكالة وشطب قضيتهم".

ولم تكتفِ الإدارة الأمريكية بقطع التمويل عن الوكالة، بل سارت في درب تشويهها وشيطنتها، وتزييف الحقائق بتصويرها فاسدةً ماليًا وإداريًا، وتعمل على استدامة قضية اللّاجئين، وتبع هذا مساعي واشنطن لاستصدار قرار دولي بعدم تجديد تفويض الوكالة".

واعتبر المسؤول الفلسطيني أن الصفقة الأمريكية، بما تضمّنته بشأن قضية اللاجئين، محاولةٌ لشرعنة وتثبيت شطب هذه القضية، وهذا الحقّ، بما يُناقِض قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة، لافتًا إلى أنّ "إدارة ترامب تعلَم أن وكالة الغوث هي الشاهد القانوني الذي يؤكد على مأساة جموع اللاجئين، ويُدين جريمة تهجيرهم بعد مجازر، واحتلال بيوتهم وقراهم..، لذا سعت إلى استبدال هذه المنظمة في (مؤتمر المنامة)، عبر إنشاء صندوق، والعمل على إخراج الفلسطينيين من داخل الأراضي المحتلة عام 1948- من المثلث وأم الفحم- وتوطين اللاجئين في الدول التي يتواجدون فيها، وذلك بتوزيع 5 آلاف لاجئ- كل عام- على مدار عشر سنوات في دول التعاون الإسلامي، ثم إلغاء حق العودة والقرار 194".

وبيّن أبو هولي أنّ الاحتلال يسعى لأكثر من هذا، فهو يُريد دولة يهودية، بمعنى إخراج كل من هو فلسطيني من داخل فلسطين التاريخية، ثم هدم المخيمات وتفكيك وكالة الغوث، ناهيك عن المقارنة العجيبة والمساواة بين أزمة اللجوء الفلسطيني وقضية (الهجرة اليهودية)!".

"هذه المعادلة مرفوضة كليًا، فكل من جاء من دولة يعود إليها، وهي بدعة جديدة جاءت على قاعدة أن يدفع العرب مرة أخرى أثمانًا تعويضية لليهودّ، ومُصطلح (اللاجئين اليهود هذا) إنّما اخترعته صفقة القرن بهدف تمريرها"، وفق أبو هولي.

ولكن، هل يتم توطين اللاجئين في الدول العربية؟، يُجيب أبو هولي بأنّ "هناك موقف عربي واضح خاصة من الدول المضيفة للاجئين: لبنان و سوريا والأردن، وهو موقف أكّدته هذه الدول مرارًا في اجتماعات اللجنة الاستشارية للأونروا، إذ ترفض جميعها أن تكون بديلًا عن الوكالة، رغم ما عُرِض عليها من أموال- تفوق موازنة الأونروا- للقبول بالتوطين".

تبقى الإشارة إلى أنّ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية المتعلّقة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين تُطالب (إسرائيل) بالسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا في عام 1948 إلى وطنهم، واستعادة كل حقوقهم وممتلكاتهم، وتعويضهم عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم جراء النكبة وجريمة التهجير على امتداد العقود اللاحقة.

وأبرز القرارات الأممية ذات العلاقة كان القرار الذي حمل الرقم (194)، الصادر عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، والتي كرّرت المطالبة بتطبيقه نحو 150 مرّة منذ تاريخ صدوره. لكن "إسرائيل" تُواصل تجاهلها له ولسائر القرارات التي تنصف الشعب الفلسطيني، مُتحدّية الشرعية الدولية، والتي تسعى اليوم- بدعمٍ أمريكيّ مُطلق- للقفز عنها تمامًا، بتطبيق صفقة القرن التصفوية