Menu
حضارة

عندما تبكي الحسناء يُتمَـها

د. هيفاء حيدر

العالم السوري مُكتشف ورئيس تدمر

هكذا أصبحت أيام السوريين اليوم، يصبحون على موت ويمسون على موت آخر، هي آخر نعم السماء عليهم، أتاهم قوم قد نحتاج لزمن ليس بالقليل حتى نعرف من أين أتوا بكل هذا التوحش للقتل، يأتون جماعات وأفراداً، يكبرون بإسم رب لم نراه ولن نراه حتى لحظة موتنا، فأي ربٍ هذا الذي تعبدون وبإسمه تقتلون، وعلى حروفه ترسمون أبشع صور لم تعرف لها البشرية مثيلاً بعد؟ كل صور القتل بشعة وكلها تمتلئ كراهية وت قطر حقداً، ووراء كل جريمة بشعة صوراً وأهداف قد لا تبدو كلها علنية فثمة ما أبعد من القتل لمجرد القتل، وثمة ما هو أفظع من الجريمة بحد ذاتها، ومن المؤكد أن ما خفي من وراء كل ما يجري من توحش أعظم بكثير مما نرى ونسمع، وإلا كيف نفسر كل هذا التفنن والإبداع في القتل، فمن الرمي من أعالي الأسطح، الى الربط في سيارتين تمشي كل منها باتجاه ليتسنى تمزيع الجسد الى قطع صغيرة، الى قطع الرؤوس ولعب كرة القدم بها الى بقية المسلسل الأسود، لكن دعونا ندقق بالضحية المغدور بها في غفلة من الزمان، وبغياب عين الرب الرؤوف، تعالوا نرى كيف أن الهدف دائماً ما يكون أحد رواد العلم والمعرفة والذاكرة والتاريخ، الضحايا جلها من المفكرين والعلماء وأصحاب الرأي ، وما عداهم هم من طيبة الناس وأكثرهم فقراً وعوزاً وبؤساً، مدنيين لا حول ولا قوة لهم لامال ولاناقة ولا جملاً يملكون سوى إنهم يموتون عشقاً بتراب بلادهم، والقاتل يموت حباً في ملاقاة حوريات سوف لن يراها ولا حتى في المنام، لكن هو القتل ، هو التوحش الذي يدير الفوضى الكونية اليوم، وهي سوريا وغيرها من يدفع الثمن، عندما تأتي السكين بإسم الرب، علينا أن نتسائل أي رب تعرفون ؟ ولا نعرفه نحن؟ دعونا نتعرف اليه، نركع تحت قدميه ، نطلب منه التماساً لحبنا لبلادنا. فأي ذنب يرتكب بحق السماء؟

حسناء تدمر هو الإسم التاريخي الذي يضج بالحضارة ويمتلئ بعبق آلاف السنين، سكن أرض تدمر وظل بهياً يشع نوراً، كما كل حسناء بهية الطلعة، عالية الجبين، الى أن اكتشفها قبل اربعة عقود الدكتور الشهيد الباحث في أتون الأرض وآثارها، خالد الأسعد حيث أمضى أكثر من خمسة عقود يعمل ويطور دراسات ويؤلف كتباً عن حضارة تدمر وعراقة سوريا، يا الهي أي جريمة قد اقترفت عصابات "داعش" بحق الإنسانية والفكر والعقل عندما أقدمت على قطع رأسه، هل لهذه الدرجة يخافون ؟ الهذه الدرجة يرعبهم العقل والعلم ؟ ولماذا يهوون كل هذا الظلام والقتل والجهل؟ عندما قرأت أن الشهيد قد ألف وترجم 20 كتاباً، تمنيت لو ان الرب في اعاليه فعل شيئاً لعبده هذا، أليس هو القائل:"هل يستوي اللذين يعلمون واللذين لا يعلمون؟ أين نحن من أحاديث الرسول الكريم بأن من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً الى الجنة، كيف اذاً يقتل هذا بإسم الله ومن يدعون إنهم خليفته على الأرض. كم من العمر أمضى الشهيد وهو يقرأ ، وكم من الليالي سهر وهو يكتب وكم من المحاضرات ألقى وكم من الطلاب علم ودرس وتفانى حتى غزا الشيب رأسه وهو ييناهز الاثنين وثمانين عاماً من عمره، حين لامست سكين الجلاد جسده، أي عالم بشع نعيشه اليوم؟

 حسناء تدمر ذاك التمثال المكتنز بالحضارة الذي رأى النور والحياة، ها قد استشهد من أخرجك من باطن الأرض وعرف بك أصقاع العالم، ها قد تيتّمت حسناء تدمر اليوم ، تذرف دمعاً سخياً لاستشهاد والدها ومحبوبها، وتغط في سبات عميق حتى لا ترى الرايات السوداء تخفق عالياً فوقها.وهي تقول: حتى الحجر لن يغفر لكم ما تفعلون.