Menu
حضارة

تواطؤ متوارث مع الحركة الصهيونية

الحكام العرب وقادة الاحتلال: تاريخ طويل وسري من الخيانة

ترجمة خاصة - بوابة الهدف

‘‘العلاقات العربية مع "إسرائيل"، سواء كانت معادية أو ودية، لم تكن تحكمها أبدًا مصالح الشعب الفلسطيني، بل كانت تحكمها مصالح النظام العربي الخاص، التي غالباً ما يُساء فهمها كمصالح قومية‘‘.

في الشهر الماضي، ازدادت مساعي قادة الاحتلال الصهيوني في إقامة علاقات وتحالفات أوثق مع الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج والمغرب و السودان .

وتعتقد هذه الدول المُطبّعة أن "إسرائيل تمثل النور، وأن إيران هي الدولة غير الصديقة لهم"، وهو ما يعتبر بمثابة التغيّر الكبير في المواقف، التي كانت ترفض دائمًا العلاقات مع الاحتلال الصهيوني، من أجل الدفاع عن الفلسطينيين.

خلال القرن العشرين، حافظت معظم الأنظمة العربية والعوائل الحاكمة على علاقات ودية مع "إسرائيل"، ومع الحركة الصهيونية من قبلها.

سردية كاذبة

قدمت بعض الأنظمة العربية وحتى الاحتلال الصهيوني نفسه، رواية وسردية كاذبة عن المقاومة المُمانعة، وذلك من خلال بعض الشخصيات العربية المؤيدة لـ "إسرائيل" التي ادعت أن هذه الأنظمة "رفضت إسرائيل بشكل غير عادل، أو حتى خاضت الحرب معها بناءً على طلب من الفلسطينيين، على عكس مصالحهم الوطنية أو مصالح النظام القائم".

ويكشف هذا التوجه أن الأنظمة والحكومات العربية تضع في هذا الوقت مصالحها الخاصة أمام الفلسطينيين، وذلك كأنها قد أعطت الأولوية للمصالح الفلسطينية من قبل، وهو الذي لم يحدث.

ويظهر ذلك في لقاء القائد العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في أوغندا قبل أسابيع، إلا أنه من المستبعد أن يكون هذا اللقاء هو الأول الذي يجمع بين مسؤولين سودانيين وإسرائيليين".

خلال فترة الخمسينيات، حدثت مبادرات سرية عندما كان السودان تحت حكم البريطانيين والمصريين، كما أن حزب الأمة السوداني حاول الحصول على دعم "إسرائيلي" لتحقيق الاستقلال حينها.

بعد الاستقلال، عقد رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل، مع رئيسة وزراء الاحتلال جولدا مائير، اجتماعًا سريًا في باريس عام 1957.

أمّا في الثمانينيات، التقى الرئيس السوداني جعفر النميري بمسؤولين "إسرائيليين"، وسهّل عملية النقل لليهود الإثيوبيين إلى الأراضي المحتلة، ليصبحوا بعد ذلك مستوطنين في أرض فلسطين.

بينما في مطلع 2016، عندما كان عمر البشير في منصبه، سعى وزير الخارجية إبراهيم غندور إلى رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان، من خلال عرضه لتأسيس علاقات دبلوماسية رسمية مع "إسرائيل".

حاليًا، عندما سئل البرهان عن لقائه الأخير مع نتنياهو وتطبيع العلاقات، كان رده أن العلاقات مع "إسرائيل تقوم على المصالح الأمنية والقومية للسودان، التي تأتي أولًا".

ويعتبر تاريخ اتصالات قادة السودان بـ "إسرائيل" فريدًا من نوعه، وهو في الواقع يعود إلى فترة التعاون مع الحركة الصهيونية، وأوائل وصول المسؤولين الصهاينة إلى فلسطين.

العلاقات الودية

في مطلع يناير/كانون الثاني 1919، أي قبل أسبوعين من بدء مؤتمر باريس للسلام، وقع الأمير فيصل بن الحسين، الذي أصبح ملك مملكة الحجاز لوقت قصير، ثم ملك العراق، اتفاقًا مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمان، إذ وافق على إنشاء أغلبية استعمارية يهودية في فلسطين، مقابل أن يُصبح ملكًا لمملكة عربية كبيرة ومستقلة في كل سوريا.

بعد ذلك، حرم الاستعمار الفرنسي الأمير فيصل من عرشه المزعوم، كما أن الاتفاق الذي استخدمه الصهاينة في مؤتمر باريس للسلام للمطالبة بخططهم الاستيطانية والحاصل على موافقة الزعماء العرب، لم يفلح أيضًا.

على جهة أخرى، سعى الأمير عبد الله، وهو شقيق فيصل، إلى إنشاء علاقة تعاون مدى الحياة مع الصهاينة، على أمل أن يسمحوا له بأن يكون ملكًا ل فلسطين وشرق الأردن، وهو ما سيحقق الأهداف الصهيونية، إلا أن هذه العلاقة أدت إلى اغتياله في عام 1951.

بعد ذلك، وافق الحفيد وهو حسين ملك الأردن ووالد الملك الحالي عبد الله الثاني، على إجراء أول اجتماعات سرية بين أحد جنرالات جيشه و"الإسرائيليين" عام 1960 في القدس ، وبحلول عام 1963 كان هو نفسه يجتمع مع "الإسرائيليين" سرًا داخل مكتب طبيبه في لندن، ثم بحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين، كانت هناك اجتماعات سرية مع القادة "الإسرائيليين" تًعقد بانتظام داخل "إسرائيل".

العاهل الأردني الملك حسين يقف مع رئيس وزراء الاحتلال الأسبق اسحق رابين في واشنطن عام 1994.jpg

العاهل الأردني الملك حسين يقف مع رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إسحاق رابين في واشنطن عام 1994

وكانت صداقة حسين الطويلة مع رئيس وزراء الاحتلال حينها إسحاق رابين، واضحة بشكل كبير خلال جنازة الأخير في عام 1994، وهو رابين ذاته الذي قام شخصيًا بطرد السكان الفلسطينيين عام 1948 من عدة مدن فلسطينية، وهو أيضًا الذي بدأ سياسة كسر العظام في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1987.

في ذلك الوقت، برر الملك حسين اتصالاته السرية مع "إسرائيل" بانه كان يسعى لـ "الحفاظ على عرشه، وهو المصلحة الوطنية للأردن، في مواجهة ضغط الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ثم ضغط منظمة التحرير الفلسطينية".

التحالفات الصهيونية

إلى جانب الأمراء والملوك الهاشميين، تحالفت الكنيسة المارونية في لبنان وزعماء موارنة مع الصهاينة في منتصف الأربعينيات، إذ يستمر هذا التحالف حتى الوقت الحاضر من أجل إقامة جمهورية مسيحية طائفية في لبنان، على غرار مستعمرة المستوطنين اليهود.

وبحلول أوائل الخمسينيات، التقى القوميون التونسيون من حزب "نيو ديستور" بممثلين "إسرائيليين" في الأمم المتحدة، وذلك لمساعدتهم في الحصول على الاستقلال عن الفرنسيين، وبعد ذلك حافظ الزعيم التونسي حبيب بورقيبة على هذه العلاقات الودية مع "إسرائيل" حتى نهاية حكمه عام 1987.

أمّا في ستينيات القرن العشرين، كانت "إسرائيل" تدعم جهود المملكة العربية السعودية في الحفاظ على حكم الإمامة في اليمن ضد الجمهوريين، حينها نقل "الإسرائيليون" الأسلحة والمال جوًا إلى الملكيين اليمنيين.

إضافة إلى ذلك، كانت أدفئ العلاقات في شمال إفريقيا، بين "إسرائيل" والملك الراحل الحسن الثاني ملك المغرب، إذ التقى، في أواخر الخمسينيات، القادة "الإسرائيليون" مع المسؤولين المغاربة، وكان يتعين الحفاظ على العلاقات الدافئة حتى يتولى الملك حسن العرش.

 منذ عام 1960 وما بعده، عقد "الإسرائيليون" اتفاقات سرية مع المغرب، وتم بموجبها نقل اليهود المغاربة جوًا ليصبحوا مستوطنين أيضًا في أرض فلسطين.

العلاقة المغربية

بحلول عام 1963، أبرم الوزير المغربي محمد أوفقير اتفاقًا مع "الإسرائيليين" لتدريب عملاء المخابرات المغاربة، كما ساعدت "إسرائيل" المغرب في تعقب قادتها المعارضين، بما في ذلك مهدي بن بركة الذي تم أسره، وقتلته المخابرات المغربية عام 1965.

كما أن الملك المغربي حسن الثاني قام بدعوة إسحاق رابين لزيارة المغرب سراً في عام 1976.

بحلول عام 1986، لم تكن هناك أسباب أخرى للسرية، وزار شمعون بيريز المغرب وسط ضجة كبيرة، ثم في عام 1994، تم إنشاء توصل رسمي بين المغرب و"إسرائيل".

ملك المغرب محمد السادس يجري محادثات مع نائب رئيس وزراء الاحتلال شيمون بيريز، ويظهر رئيس الجزائر السابق عبد العزيز بوتفليقة، في مارس 2005.jpg

ملك المغرب محمد السادس يجري محادثات مع نائب رئيس وزراء الاحتلال شيمون بيريز، ويظهر رئيس الجزائر السابق عبد العزيز بوتفليقة، في مارس 2005

في عام 2018، التقى بنيامين نتنياهو سرًا بوزير الخارجية المغربي في الأمم المتحدة لإجراء محادثات، ثم في الأسابيع القليلة الماضية، عرض "الإسرائيليون" على المغاربة مساعدتهم لضمان اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مقابل تطبيع المغرب الرسمي للعلاقات مع "إسرائيل"، وتأييد "صفقة القرن" الذي أعدها دونالد ترامب.

أمّا بالنسبة إلى العلاقة الكبرى بين الطبقات السياسية والتجارية المصرية مع "إسرائيل"، فهي أصبحت علاقة رسمية وعامة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك يصافح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع في شرم الشيخ مايو 2009.jpg

الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك يصافح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع في شرم الشيخ مايو 2009

ومنذ عام 1991، رأينا القادة والمسؤولين والرياضيين "الإسرائيليين" يزورون معظم دول الخليج علانية، بما في ذلك قطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية في الخفاء، وهم لا يمانعون فتح مكاتب للاتصال أو للتجارة مع هذه البلدان.

العدو الرئيسي  

العلاقات العربية مع "إسرائيل"، سواء كانت معادية أو ودية، لم تكن تحكمها أبدًا مصالح الشعب الفلسطيني، بل كانت تحكمها مصالح النظام العربي الخاص، التي غالباً ما يُساء فهمها كمصالح "قومية".

كما أن هذه الأنظمة العربية لم تتوافق مع توجهات الفلسطينيين إلا بعد عام 1991، مع مؤتمر مدريد للسلام واتفاقات أوسلو، الذي حولّ القيادة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى وكالة للاحتلال العسكري "الإسرائيلي"؛ وفي هذا دليل على الجهود "الإسرائيلية" المتواصلة لاختيار النخبة السياسية والتجارية والفكرية العربية بما يناسبها.

ورغم نجاح "إسرائيل" في مهمتها فيما يتعلق بالنخبة السياسية والتجارية العربية، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعًا في اختيار الطبقة الفكرية العربية، باستثناء الذين اشترتهم بأموال الأنظمة الخليجية والمنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب.

كما أن "إسرائيل" فشلت في اكتساب أي شعبية تذكر بين الجماهير العربية، التي لا يمكنها الانفصال عن انتمائها للقضية الفلسطينية، على عكس الأنظمة العربية، بل إن "إسرائيل" ستظل بالنسبة لها العدو الرئيسي لجميع العرب.

هذه المادة مترجمة عن مقال لأستاذ السياسة العربية الحديثة والتاريخ الفكري في جامعة كولومبيا – نيويورك، جوزيف مسعد.